آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 12 يوليو 2015

ايمانيات عقائدية

ايمانيات عقائدية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.فصولا في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين، ونهوا عما يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين، ووالوا في اتباعها وعادوا فيها، وبدعوامن اعتقد غيرها، وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها وخيرها، وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها، فاستخرت الله تعالى وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار، والله سبحانه يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله. قلت و بالله التوفيق.
                               
[عـقـيـدة أصـحـاب الـحـديـث]


أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسم، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: (يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه ، تحريف المعتزلة الجهمية،  ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: ا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
                             
[قولـهـم فـي الصفـات]


وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب).
                         
[القـرآن كـلام الله غـير مـخـلـوق]


ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه، ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم، والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي ينزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا، كما قال. عز من قائل: (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) وهو الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلمأمته، كما أخبر به في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه عز وجل، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي " وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة ?يكتب في المصاحف، كيف ما تصرف بقراءة قارئ ? لفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله جل جلاله، غير مخلوق ق فهو كافر بالله العظيم.سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول القران كلام الله غير مخلوق، فمن قال: "إن القران مخلوق" فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.أما اللفظ فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته صنفها لأهل جيلان أن من زعم أن لفظه بالقران مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن.وذكر ابن مهدي الطبري في كتابه الاعتقاد الذي صنفه لأهل هذه البلاد أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه، ووحيه وتنزيله، وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب وهو الكلام الذي تكلم الله عز وجل به، ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم. وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي لاستحساني ذلك منه، فإنه اتبع السلف أصحاب الحديث فيما ذكره مع تبحره في الكلام، وتصانيفه الكثيرة فيه وتقدمه وتبرزه عند أهله.أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبى عمرو المستملي سمعت أبا عثمان سعيد بن أشكاب يقول: سألت إسحاق ابن إبراهيم عن اللفظ بالقرآن فقال: "لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق ".وذكر محمد بن جرير الطبري رحمه الله في كتابه (الاعتقاد) الذي صنفه في هذه، وقال: " أما القول في ألفاظ العباد في القرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي، ولا تابعي إلا عمن في قوله الغنى والشفاء، وفي إتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأولى أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله،.

أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الخراجي بمرور، حدثنا يحى بن سالوكه عن أبيه عبد الكريم السندي تال: قال وهب بن زمعة: أخبرني الباسافي قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: " من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أومن بهذا الكلام فقد كفر".
                                           
[اسـتـواء الله عـلـى عـرشـه]

وحدثنا أبو الحسن بن اسحق المدني حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي حدثنا شاذان حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني حدثنا جعفر بن ميمون قال سئل مالك بن أنس عن قوله: (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا وأمر به أن يخرج من مجلسه).
أخبرنا أبو محمد المجلدي العدل حدثنا أبو بكر عبد الله ابن محمد بن مسلم الاسفراييني حدثنا أبو الحسين علي بن الحسن حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر بن ميمون الرملي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس يعني يسأله عن قوله: (الرحمن على العرش استوى) قال: فما رأيته وجد من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء، وأطرق القوم، فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه، ثم سري عن مالك فقال: الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه، وإني لأخاف أن تكون ضالا، ثم أمر به فأخرج".أخبرنا به جدي أبو حامد أحمد بن إسماعيل عن جد والدي الشهيد، وأبو عبد الله محمد بن عدي بن حمدوية الصابوني حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون النسوى حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر الرملي حدثنا جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل لمالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال فما رأيت مالكا وجد من شيء كوجده من مقالته، وذكر بنحوه.وسئل أبو علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء، وقيل له كيف استوى على عرشه، فقال: أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه، و لم يخبرنا كيف استوى..
           
[رؤيـة الـمـؤمنيـن لله فـي الآخـرة]

                                       
وروى يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله في الرؤية، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر " فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد: ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد، وقال: ما أشبهك بصبيغ، وأحوجك إلى مثل ما فعل به! ويحك! ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه؟ واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوه، ولا تبتدعوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم. و قصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون للسائل: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به: هي ما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أن صبيغا التميمي أتى أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن (الذاريات ذروا) قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (الحاملات وقرا) قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (المقسمات أمرا) قال: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن (الجاريات يسرا) قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال: ثم أمر به فضرب مائة سوط، ثم جعله في بيت حتى إذا برأ دعا به، ثم ضربه مائة سوط أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: (أن حرم عليه مجالسة الناس) فم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري، فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئا، فكتب عمر إليه: ما أخاله إلا قد صدق، خل بينه وبين مجالسة الناس.وروى حماد بن زيد عن قطن بن كعب: سمعت رجلا من بني عجل يقال له: فلان- خلته ابن زرعة- يحدث عن أبيه قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلق فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين.و روى حماد بن زيد أيضا عن يزيد بن أبي حازم عن سليمان بن يسار أن رجلا من بني تميم يقال له صبيغ قدم المدينة، فكانت عنده كتب فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي.أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد ابن الحسين بن موسى السلمي أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي بها، حدثنا محمد بن عمير الرازي حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلات التجيبي بمصر، حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع! قيل: يا أبا عبد الله. وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون.أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه حدثنا الربيع بن سليمان عن الشافعي رحمه الله يقول: لأن ألقاه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من ألقاه بشيء من الأهواء.اخبرني أبو طاهر محمد بن الفضل حدثنا أبو عمر والحيري حدثنا أبو الأزهر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جعفر بن برقان- قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب، والأعرابي وانهعما سوى ذلك.أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى القزاز يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول:كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه.أخبرنا أبو الحسين الخفاف حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا الهيثم بن خارجة سمعت الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية قال: أمروها كما جاءت بلا كيف.قال الإمام الزهري إمام الأئمة في عصره، وعين علماء الأمة في وقته: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.وعن بعض السلف: قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم.أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة حدثنا جدي الإمام أحمد بن نصر، حدثنا أبو يعقوب الحسن، حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء.قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله ". (32)أخبرنا عبد الله الحافظ سمعت أبا الحسن المكاري يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا القاسم بن سلام يقول: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله.وروي عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: "يا أيها الناس! من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل ما أسألكم عليه من أجر، وما أنا من المتكلفين)أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس المعقلي، حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثني أبي وعبد الرحمن الضبي، عن القاسم بن عروة عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فجعلت أنظر اليه نظرا شديدا، فقال: إنك لتنظر إلي نظرا ما كنـت تنظره إلي وأنا بالمدينة، فقلت: لتعجبي فقال: ومم تعجب؟ قال: قلت: و ما حال من لونك، ونحل من جسمك ونقي من شعرك؟ قال: كيف ولو رأيتني بعد ثلاثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي، وسال منخراي. في فمي صديدا؟ كنت لي أشد نكرة، حدثني حديثا كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس قال: قلت: حدثني عبد الله بن عباس يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل شيء شرف، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة، لا تصلوا خلف نائم ولا محدث، واقتلوا الحية والعقرب، وإن كنتم في صلاتكم، ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالو ا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يجلد عبده، ويمنع رفده، وينزل وحده، أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي يبغض الناس، ويبغضونه. أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا. أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله. إن عيسى عليه السلام قام في قومه فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال، فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها، فتظلموهم، ولا تظلموا، ولا تكافئوا ظالما بظلمه، فيبطل فضلكم عند ربكم. الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه، فاجتنبوه، وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله عز وجل ".
                       
[الـبعـث بـعـد الـموت و الشفـاعـة]

                                       
 ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، و اختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك، في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر، وغيرها، ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي التوحيد، ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسم، أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أنبانا معمر عن ثابت عن أنس عن الني صلى الله عليه وسلم قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد أخبرنا محمد بن المسيب الأغياني، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم وأكفى. أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين". أخبرنا أبو محمد المجلدي، أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، (ح). وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة أخبرنا جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا علي بن حجر بن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: " لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه".
                           
[مـن آداب أصـحـاب الـحـديـث]

                                         ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة المتخـذة مـن العنب أو الزبيـب أو التمر أو العسل أو الذرة أو غير ذلك مما بسكر، يحرمون قليله وكثيره، ويجتنبونه ويوجبون به الحد. ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات. ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام. ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتما واجبا، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود، والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها.ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع. ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله، والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، و يعادون أصحاب الأهواء والجهالات. و يقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين. ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة. وفيه أنزل الله عز وجل قوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) .                                                          
.[الـحـوض و الـكـوثـر]

                                       
ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حسابا يسيرا، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار ثم إعتاقهم أو إخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها، ولا يخلدون في النار، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبدا، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدا.          

الإيمان بالله تعالى


إن الله واحد احد فرد صمد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا يعجزه شيء ولا إله غيره. قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد. لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام. خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة.
ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته. وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا. ليس بعد الخلق استفاد اسم "الخالق" ولا بإحداث البرية استفاد اسم "الباري" ،, ليس بجسم ولا جوهر بل هو خالق الجسم والجوهر , وهو سبحانه لا يكيفه العقل ولا يمثله الفكر ولا تبينه العباره ولا تعينه الاشاره ولا تحيط به الافكار ولا تدركه الابصار له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق ، وكما أنه "محيي الموتى" بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم ، وكذلك استحق اسم "الخالق" قبل إنشائهم. ذلك بانه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير. وكل أمر عليه يسير. لا يحتاج إلى شيء (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) .

 , موصوف بكل وصف به نفسه من الحياه والعلم والقدره والاراده والسمع والبصر والكلام

 خلق الخلق بعلمه وقدر لهم أقدارا ضرب لهم آجالا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته. ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن. , لا محمولا على شىء ولا يحده الزمان ولا المكان  , على العرش استوي , وقالوا فى الاستواء ما قاله مالك بن أنس حين سأل عن ذلك فقال ( الاستواء معلوم والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعه وكذلك مذهبهم)

 يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا. وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلا من عنده.

الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

 وأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وخبيب رب العالمين. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء.

الإيمان بالقرآن الكريم

 وأن القرآن كلام الله القديم منه بدأ بلا كيفية قولا وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر..

رؤية الله حق

 والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: (( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة )) ، وتفسيره على ما اراده الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا

فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية . .وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، .لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات .

الإيمان بالإسراء والمعراج حق

 والمعراج حق. وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء ومن ثم إلى حيث شاء الله من العلا. وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى : (( ما كذب الفؤاد ما رأى )) ، فصلى الله عليه وسلم في الأخرة والأولى. والحوض الذي أكرمه الله تعالى به حق. والشفاعة التي ادخرها له حق، كما روي في الأخبار.

الإيمان بعلم الله

 والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق. وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه . وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له. والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله.

الإيمان بالقضاء والقدر

 وأصل القدر سر الله في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل. فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه : (( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ))

ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه

 وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقد ذالك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب ، ولا مزيل ولا مغير . ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذالك من عقد الإيمان وأصول المعرفه والإعتراف بتوحيد الله تعالى وبربوبيته،كما قال تعالى في كتابه: (( وخلق كل شيْ فقدره تقديرا )) ، وقال تعالى : (( وكان أمر الله قدرا مقدورا )) .

الإيمان بالعرش والكرسي

 والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.

الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب السماوية

وتقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما. ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين. ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.

 ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين.

 ولا نخوض في الله ، ولا نماري في دين الله ، ولا نجادل في القران ، ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم. وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين.

ولا نكفر أحدل من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله . ولا نقول : لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله. نرجوا للمحسنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة. ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم.

تعريف الإيمان

 والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان . وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد وأهله في أصله سواء . والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. والمؤمنين كلهم أولياء الرحمن وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقران.

والإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى. ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به.

أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار

وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين (مؤمنين) وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه : (( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) ، وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به.

ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم. ولا ننزل أحد منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى.

ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف.

ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة.

اتباع أهل السنة والجماعة

 ونتبع السنة والجماعة ونتجنب الشذوذ والخلاف والفرقة. ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة.

 وقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه.

ونرى المسح على الخفين ي السفر والحضر كما جاء في الأثر.

الإيمان بالملائكة والبرزخ

 والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.

ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين. ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين. وبعذاب القبر لمن كان أهلا له. وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم. والقبر روضة من رياض الجنة وأو حفرة من حفر النيران.



ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان .

والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وأن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا. فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه.

والخير والشر مقدران على العباد، واىستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي من مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال الله تعالى : (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) .

وأفعال العباد خلق من الله وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم ، وهو تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله".

نقول لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد من معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله .

وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضاؤه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها. وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا، تقدس عن كل سوء وحين وتنزه عن كل عيب وشين (( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون )) .

 وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين .

والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى.

حب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم. ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.



ونثبت الخلافة بعد رسو ل الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لعي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهو الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.



وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، رضي الله عنهم أجمعين.

ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق.

وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.

ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. نؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم.

الإيمان بيوم القيامة وما فيه من المشاهد

ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها. ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا. ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام . قال الله تعالى : (( إن الدين عند الله الإسلام )) ، وقال : (( ورضيت لكم الإسلام دينا )) ، وهو بين الغلو والتقصير ، وبين التشبيه والتعطيل ، وبين الجبر والقدر ، وبين الأمن والإياس .

فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه.

إن الدين عند الله الإسلام

 ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ، ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل : المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة، ونحن منهم برءاء وهم عندنا ضلال وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق .



[أفـضـل الـصـحـابـة]

                                       
ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر صلى الله عليه وسلم خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن نبهان عن سفينة "الخلافة بعدي ثلاثون سنة " وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، فرضيناه لدنيانا، وقولهم: قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يؤخرك! وأرادوا أنه صلى الله عليه وسلم قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه والله، وارتفعوا حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف لما عبدا الله. ولما قيل له: مه يا أبا هريرة! قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به. ثم خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه بمكانه في إعلاء الإسلام، وإعظام شأنه وعده. ثم خلافة عثمان رضي الله عنه بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه. ثم خلافة علي رضي الله عنه ببيعة الصحابة إياه، عرفه ورآه كل منهم رضي الله عنه أحق الخلق، وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه، فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله عز وجل: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) وفي قوله: (أشداء على الكفار) فمن أحبهم وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقهم، وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج ـ لعنهم الله ـ فقد هلك في الهالكين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله " وقال: "من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله".
                                       
[الـصـلاة خـلـف الـبـر و الـفـاجـر]

                                       
ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين، وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا. ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف. ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل.
                                       
[الـكـف عـمـا شـجـر بـيـن الـصـحـابـة]

                                       
ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم ونقصا فيهم. ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم. وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه رضي الله عنهن، والدعاء لهن ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين.
                                       
[لا نـدخـل الـجـنـة بـالـعـمـل]

                                     
ويعتقدون ويشهدون أن أحدا لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسنا، وطريقه مرتضى إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له لم يهد له أبدا. قال الله عز وجل: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء) وفي آيات سواها.
                                       
[لـكـل مـخـلـوق أجـل]

                                       
ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له عنه فوت، قال الله عز وجل: (ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون) وقال: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا). ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله، قال الله عز وجل: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم).
                                       
[وسـوسـة الـشـيـاطـيـن]

                                       
ويتيقنون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين، ويعتمدون استزلالهم ويترصدون لهم، قال الله عز وجل: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون). وإن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله عز وجل: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا). وقال: (انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون).
[الـسـحـر و السـحـرة]

                                       
ويشهدون أن في الدنيا سحرا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله، قال الله عز وجل: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ومن سحر منهم واستعمل السحر، واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر. وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإن وصف ما ليس بكفر، أو تكلم بما لا يفهم نهى عنه فإن عاد عزر. وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته وجب قتله، لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه.
                                                                   
[الـخـيـر و الـشـر]

                                         ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له. لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا. على ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس عن الني صلى الله عليه وسلم. وقال الله عز وجل: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله) ومن مذهب أهل السنة وطريقهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه، لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الإنفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح " تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك " ومعناه والله أعلم والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا وقصدا، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر أو يا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق والمقدر لها جميعا، لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال: فيما أخبر الله عنه في قوله: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ي البحر، فأردت أن أعيبها) ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله عز وجل فقال: (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك) ولذلك قال مخبرا عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: (وإذا مرضت فهو يشفين) فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه.ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره، وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة،ويسخط الكفر والمعصية، قال الله عز وجل: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم).


   

عـواقـب الـعـبـاد مـبـهـمـة

ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بما يختم له، ولا يحكون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان بم ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله. ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها، ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيرا إلى الجنة ولا يبقى أحد في النار من المسلمين. فضلا من الله ومنه، ومن مات والعياذ بالله على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى.

                                     



[الـمـبـشـرون بـالـجـنـة]

                                     

فأما الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك، تصديقا للرسول صلى الله عليه وسلم فما ذكره ووعده لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله عز وجل: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من أرتضى من رسول) وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، وكذلك قال لثابت بن قيس بن شماس: "أنت من أهل الجنة ". قال أنس بن مالك: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة.

                                     



[لا نـدخـل الـجـنـة بـالـعـمـل]                                      

     

ويعتقدون ويشهدون أن أحدا لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسنا، وطريقه مرتضى إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له لم يهد له أبدا. قال الله عز وجل: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء) وفي آيات سواها.

[لـكـل مـخـلـوق أجـل]

                                     

ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له عنه فوت، قال الله عز وجل: (ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون) وقال: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا). ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله، قال الله عز وجل: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم).

[عقـيـدتـهم بنـزول الـرب سبحانـه ومجيئـه]

ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله . وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه، من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) وقوله عز اسمه: (وجاء ربك والملك صفا صفا). وقرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وقال: (وجاء ربك والملك صفا صفا) ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه إذ كنا قد أمرنا به في قوله عز وجل: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) .أخبرنا أبو بكر بن زكريا الشيباني سمعت : أبا حامد بن الشرقي يقول: سمعت أحمد السلمي وأبا داود الخفاجي يقولان: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قال لي الأمير عبدالله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا. كيف ينزل؟ قال، قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدل، حدثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي، حدثني أبو بكر بن أحمد بن محبوب، حدثنا أحمد بن حمويه حدثنا أبو عبد الرحمن العباسي، حدثنا محمد بن سلام، سألت عبدالله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبدالله: يا ضعيف ليلة النصف! ينزل في كل ليلة، فقال الرجل يا أبا عبدالله! كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟ فقال عبدالله: ينزل كيف يشاء " وفي رواية أخرى لهذه الحكاية أن عبد الله ابن المبارك قال للرجل: " إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصغ له ".سمعت الحاكم أبا عبدالله يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبدالله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبدالله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق ابن إبراهيم يعني ابن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: "نعم " فقال له بعض قواد عبدالله يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: " نعم " قال: " كيف ينزل؟ " فقال له إسحاق: " أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: " أثبته فوق " فقال: إسحاق: قال الله عز وجل: (وجاء ربك والملك صفا صفا) فقال الأمير عبدالله: " يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة " فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وخبر نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا خبر متفق على صحته مخرج في الصحيحين، من طريق مالك بن أنس عن الزهري عن الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة. أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد، حدثنا أبو مصعب حدثنا مالك. وحدثنا أبو بكر بن زكريا حدثنا أبو حاتم علي بن عبيدان، حدثنا محمد بن يحيى قال: ومما قرأت على ابن نافع وحدثني مطرف بن مالك رحمه الله، وحدثنا أبو بكر بن زكريا، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم ابن باكويه، حدثنا يحيى بن محمد حدثنا يحيي بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب الزهري، عن أبى عبد الله الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: (من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له ".ولهذا الحديث طرق إلى أبي هريرة، رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رحمه الله. ورواه يزيد بن هارون وغيره من الأئمة عن محمد بن عمرو عن إلى سلمة عن أبي هريرة، ومالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، ومالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وعبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبى هريرة، وعبد الأعلى بن أبى المساور وبشير بن أبي سلمان عن أبي حازم عن إلى هريرة. ورواه نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وموسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله، وعبيد الله بن أبي الدرداء عن علي بن أبي طالب، وشريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ومحمد ابن كعب بن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء وأبو الزبير عن جابر وسعيد بن جبير عن ابن عباس وعن أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهم.وهذه الطرق كلها مخرجة بأسانيدها في كتابنا الكبير المعروف بالانتصار، وفي رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح " وفي رواية سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة زيادة في آخره وهي " ثم يبسط يديه يقول: من يقرض غير معدوم ولا ظلوم ". وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فينادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به، إلا الثقلان الجن والإنس " قال: وذلك حين تصيح الديكة وتنهق الحمير وتنبح الكلاب. وروى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن ميمون عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل من عبادي غير من يستغفر في فأغفر له؟ من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح".أخبرنا أبو محمد المجلدي أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مسم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشهد عليهما أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مذنب؟ هل من مستغفر؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى تطلع الشمس".أخبرنا أبو محمد المجلدى أنبانا أبو العباس يعني الثقفي حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا شبابة بن ثوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبى هريرة أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى هذه السماء، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت فقال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من مضطر أكشف عنه ضره؟ هل من مستغيث أغيثه؟ فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر في كل ليلة منالدنيا".أخبرنا أبو محمد المجلدى أنبانا أبو العباس يعني الثقفي، حدثنا مجاهدين موسى والفضل بن سهل قالا: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سهل عن أبي إسحاق عن الأغر أنه شهد على أبى هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا كان ثلث الليل نزل تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فقال: ألا هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ألا هل من تائب يتاب عليه؟ ".حدثنا الأستاذ أبو منصور بن حماد، حدثنا أبو إسماعيل بن أبي الظما ببغداد حدثنا أبو منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسم: " ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: أنا الملك أنا الملك ثلاثا. من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فاغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر ".سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول سئل أبو حنيفة عنه فقال: "ينزل بلا كيف " وقال بعضهم: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتجلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزها أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف.وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد الذي صنفه وسمعته من حامله أبي طاهر رحمه الله تعالى. باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة من غير صفة كيفية النزول إثبات النزول نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، متيقن بما في هذه الأخبار من ذكر النزول من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء - الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله عز وجل ولم! نبئه صلى الله عليه وسلم بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذلك النزول، غير متكلفين للنزول بصفة الكيفية، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية النزول. اهـ.وأخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو محمد الصيدلاني، حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن صالح المصري، حدثنا بن وهب، أنبأنا مخرمة بن بكير عن أبيه رحمه الله وأخبرنا الحاكم حدثنا محمد بن يعقوب الأصم واللفظ له، حدثنا إبراهيم بن حنيفة، حدثنا ابن وهب عن مخرمة ابن بكير عن أبيه قال: سمعت محمد بن المنكدر يزعم أنه سمع أم سلمة زوجة الني صلى الله عليه وسلم تقول "نعم اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا قالوا وأي يوم؟ قالت يوم عرفة".و روت عائشة رضي الله عنها عن الني صلى الله عليه وسلم قالت " ينزل الله تعالى في النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلا إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معز بني كلب، ويكتب الحاج وينزل أرزاق السنة، ولا يترك أحدا إلا غفر له إلا مشركا أو قاطع رحم أو عاقا أو مشاحنا ".أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة، حدثنا جدي الإمام حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي (ح) قال الإمام وحدثنا الزعفراني عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام الدستوائي (ح) وحدثنا الزعفراني حدثنا يزيد يعني ابن هارون الدستوائي (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون بالإسكندرية، حدثنا الوليد عن الأوزاعي جميعهم عن يحيى بن أبي كثير، عن عطاء بن يسار، حدثني رفاعة بن عرابة الجهني (ح) قال الإمام، وحدثنا أبو هشام بن زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلي عن الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فجعلوا يستأذنون الني صلى الله عليه وسلم، فجعل يأذن لهم فقال النبي صلى الله عليه وسم: "ما بال شق الشجرة الذي يلي النبي صلى الله عليه وسلم أبغض إليكم من الآخر، فلا يرى من القوم إلا باكيا قال يقول أبو بكر الصديق إن الذي يستأذنك بعدها لسفيه، فقام النبي صلى الله عليه وسم، فحمد الله وأثنى عليه وكان إذا حلف قال: والذي نفسي بيده أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى يؤمنوا ومن صلح من أزواجهم وذرياتهم يساكنكم في الجنة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا مضى شطر الليل أو قال: ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعو في فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح " هذا لفظ حديث الوليد.قال شيخ الإسلام: قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعنا كثيرا.وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل (وجاء ربك والملك صفا صفا)؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفا صفا ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.قال أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري أيضا في كتابه: ذكر إبراهيم عن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: إنا لا نؤمن برب ينزل عن مكانه. فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.        



[رؤيـة الـمـؤمنيـن ربـهـم فـي الآخـرة]



ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب (الانتصار) بطرقها.

                                       

[الإيـمـان بالجنـة و النـار و أنهمـا مـخلوقتـان]



ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا يفنيان أبدا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لايخرجون أبدا، وأن المنادي ينادي يومئذ " يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت " على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                     

[الإيـمـان قـول و عمـل و يزيـد و ينقـص]

ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب حدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر عن أبيه عن جده عن عمر بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه سبحانه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي، حدثنا أبي حدثنا أبو عمرو الحيري، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إدريس المكي، وأحمد بن شداد الترمذي، قالوا: حدثنا الحميدي حدثنا يحيى بن سليم: سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا: قول وعمل.وسألت هشام بن حسان فقال: قول وعمل. وسألت ابن جرير فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل. وسألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل. وسألت المثنى بن الصباح فقال: قول وعمل. وسألت فضيل فقال: قول وعمل. وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل. وسألت سفيان بن عيينة فقال: قول وعمل. وأخرنا أبو عمرو الحيري، حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن إدريس سمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد تقول: ينقص؟ فقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لايبقى منه شيء.وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي ومالكا وسعيد ابن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل. ويقولون لا إيمان إلا بعمل، فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيمانا، ومن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة فإيمانه ناقص.وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن باكويه الحلاب يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلا، وأنا أبغضهم عن معرفة. أولا: إنهم لا يرون للسلطان طاعة الثاني: إنه ليس للإيمان عندهم قدر، والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبرائيل وميكائيل.وسمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانيء يقول: سمعت أبا بكر محمد بن شعيب يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قدم ابن المبارك الري فقام إليه رجل من العباد، الظن أنه يذهب مذهب الخوارج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال لا أخرجه من الإيمان، فقال: يا أبا عبد الرحمن على كبر السن صرت مرجئا؟ فقال: لا تقبلني المرجئة. المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة، ثم ذكر عن أبي شوذب عن سلمة بن كهيل، عن هذيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح.سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني يقول: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الحسين بن حرب أخا أحمد بن حرب الزاهد يقول: أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

                                     

[لا يـكـفـر أحـد مـن الـمـسـلميـن بكـل ذنـب]



ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه واخرجه منها إلى نعيم دار القرار.وكان شيخنا سهل بن محمد رحمه الله يقول: المؤمن المذنب وإن عذب بالنار فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار. ومعنى ذلك أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوسا في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال، والمؤمن المذنب إذا ابتلى في النار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن على الرجل من غير إلقاء وتنكيس. ومعنى قوله "لا يلقى في النار إلقاء الكفار " أن الكافر يحرق بدنه كله، كلما نضج جلده بدل جلدا غيره، ليذوق العذاب كما بينه الله في كتابه في قو له تعالى (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم، إذ حرم الله على النار أعضاء سجوده. ومعنى قوله: "لا يبقى في النار بقاء الكفار " أن الكافر يخلد فيها ولا يخرج منها أبدا، ولا يخلد الله من مذنبي الـمؤمنين في النار أحدا. ومعنى قوله: " لا يشقى بالنار شقاء الكفار " أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله، ولا يرجون راحة بحال، و أما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال، و عاقبة المؤمنين كلهم الجنة، لأنهم خلقوا لها و خلقت لهم فضلا من الله و منـة.

                                       

[حـكـم تـارك الـصـلاة عـمـداً]



واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمدا، فكفره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف، وأخرجوه به من الإسلام، للخبر الصحيح: " بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر" وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمة الله عليهم أجمعين إلى أنه لا يكفر ما دام معتقدا لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام، وتأولوا الخبر من ترك الصلاة جاحدا كما أخبر سبحانه عن يوسف عليه السلام أنه قال: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) ولم يك يتلبس بكفر فارقه، ولكن تركه جاحدا له.

                                     

[خـلـق أفـعـال الـعـبـاد]



ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله عز وجل (قل: فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين) وقال: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني) الآية وقال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) الآية. سبحانه وتعالى خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فرقتين، فريقا للنعيم فضلا، وفريقا للجحيم عدلا، وجعل منهم غويا ورشيدا، وشقيا وسعيدا، وقريبا من رحمته، وبعيدا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.أخبرنا أبو محمد المجلدي أخبرنا أبو محمد العباس السراج حدثنا يوسف عن موسى أخبرنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن خفق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات، رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فو الذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ".

الاثنين، 6 يوليو 2015

- اليوم السابع من أيام الله: يوم الخلود

- اليوم السابع من أيام الله: يوم الخلود
والخلود هو البقاء الأبدي السرمدي، الذي لا نهاية له ولا يشوبه كدر انقطاع أو زوال، وينادى المنادى: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت. فتزيد بهجة أهل النعيم وسرورهم، وتعظم حسرة أهل الجحيم ويتضاعف حزنهم.
قال الله عزَّ وجلَّ تكريما للمؤمنين: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾، [34،ق].
أي ادخلوا الجنة بسلام، وفرح وأمان، وسرور وابتهاج، فإن ذلك اليوم هو يوم الخلود والحياة الباقية الدائمة في ظلال النعيم المقيم. قال سبحانه في بيان هذا النعيم الأبدي والخلود السرمدي: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾، [60-61،الصافات].
وإن أهل الجنة يتقلبون فيها في كل وقت في الدرجات العالية، والرقي والرفعة التي لا نهاية لها، فكل ساعة يشهدون لونا جديدا من ألوان الجمال الملكوتي، وينالون لذة جديدة من لذات الجسم والحس والعقل والروح، بحيث تتهنى كل حقيقة بما يناسبها من نعيم الجنة. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾، [25،البقرة]. يعنى وأتتهم به الملائكة متشابها في اللون، مختلفا في الطعم والرائحة واللذة. ولا يزال حالهم وجمالهم وأنسهم متجددا على الدوام من غير تكرار لشيء من هذا النعيم. قال تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، [35،ق].
وقال صلى الله عليه وسلم: {إن الله أعد لعباده الصالحين في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر}[1].
وكان الخلود في هذا النعيم جزاءًا للمؤمنين، لأنهم لو طالت بهم الحياة في الدنيا إلى يوم القيامة، لاستمروا على إيمانهم وعلى صالحات أعمالهم، وما غيروا وما بدَّلوا، وما تهاونوا وما توقفوا، فكان جزائهم سعادة الأبد في الجنة وهي دار تكريم الله لأولياءه وأحبابه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾، [107-108،الكهف]. وقال جلَّ شانه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، [25،البقرة].
وأما أهل النار من الكافرين والمشركين والضَّالِّين، والمغضوب عليهم والملحدين والمنافقين، فأنهم جميعا خالدون في عذاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، جزاءا بما كانوا يعملون.
وإنَّ العذاب يتجدد لهم، ويتنوع لهم على حسب كفرهم وأعمالهم، كلما نضجت جلودهم – يعنى احترقت من النار – بدلهم الله جلودًا غيرها من نفس أجسامهم ليذوقوا ألم العذاب، وبأسه وشقاءه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله لا يظلمهم شيئا، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وشركهم. وجحودهم وعنادهم، ومحاربتهم للحق وأهله، وتكذيبهم لله ورسله. والجزاء من جنس العمل، قال تعالى في شأن المنافقينَ:  ﴿لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، [10،البقرة]. وقال جل شأنه في شأن الكافرين: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، [22-24،الانشقاق]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، [6،البينة].
وكان خلودهم الأبدي في النار لأنهم لو طال عمرهم إلى أبد الآباد، لم يزدادوا إلا كفرا وجحودا وضلالاً، فكان جزاءهم على قدر كفرهم، وعلى سوء نياتهم التي أصرُّوا عليها، وشركهم الذي أقاموا عليه، ولو مكثوا في الدنيا ملايين السنين، لظلوا على شركهم وكفرهم. وأن مغفرة الله حظر عليهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾، [48،النساء].
هذا وإننا نؤمن بأن الله سبحانه قد قدَّر كل شيء في علمه القديم، وأن ما يجري في هذه الحياة الدنيا من شئون وأمور، صغيرة كانت أم كبيرة، قد أرادها الله عزَّ وجلَّ، وقدَّر وجودها في سابق علمه. وكذلك ما سيكون في الآخرة فإنه بمشيئة الله وقدرته، وأن العوالم كلها مربوبة لرب قوى متين، مريد عالم، حكيم قادر، وأن جميع الكائنات والمخلوقات في قبضته وتحت سلطانه وقهره، بيده الخلق والأمر، وبيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأن أهل السموات وأهل الأرض لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئًا ولا نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله.
وان الله سبحانه خلق خلقاً للوفاء والصفا، وخلق خلقا للقطيعة والجفا وقد قال جلَّ شانه في كتابه العزيز: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾، [7،الشورى]. وقال سبحانه: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، [23،الأنبياء] وقد ورد في الحديث القدسي ما معناه أن الله عزَّ وجلَّ  يقول يوم القيامة لملائكته: ﴿يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب. يا عبادي: حضروا حجتكم، ويسروا جوابكم، فإنكم مسئولون محاسبون[2]. وقال جلَّ جلاله في شأن المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾، [101-102،الأنبياء].

وقال سبحانه في شأن الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾، [96،يونس].
وإن هذا التقدير الإلهي لحكمة عالية، هي الإيمان واليقين بكمال تصرف الله المطلق في جميع مخلوقاته، من غير شريك لا معين ولا مشير. فسبحان الله ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾، [15-16،البروج].
وإن أهل الجنة قد يسَّر الله لهم أسباب دخولها من الإيمان والعمل الصالح، والابتعاد عن كل ما حرم الله عليهم. وإن أهل النار قد أجرى الله أسباب دخولها على أيديهم من الكفر والشرور والآثام، والبعد عن كل ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان بالله ورسوله والعمل الصالح.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اعملوا فكل ميسر لما خلق له}[3]
جوابا لمن قال له ما معناه: يا رسول الله قد سبقت الحسنى لأهل الجنة، وحقت كلمة العذاب على الكافرين. فما فائدة العمل؟ فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث الذي تقدم.
وقدر الله أن تكون حياة الإنسان أبدية، لأنه أحسن صورة وأكمل حقيقة خلقها الله عزَّ وجلَّ  على معاني أسماءه وصفاته، وأخلاقه وكمالاته وجمالاته، وحمله جميع أماناته، فحملها دون بقية مخلوقاته. وأن الله عزَّ وجلَّ  قد أهله بذلك للحياة السرمدية، وخدَّم له عوالم ملكوته في الآخرة كما سخر له عوالم ملكة في الدنيا، ليعلم الإنسان قدره، وانه سيد مطاع بإذن الله في عالم السموات والأرض، في الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا من الذين تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
وبذلك قد تم الحديث عن ذكر أيام الله والتذكير بها في هذه الرسالة القصيرة، ولعلني أكون قد وفيت ببعض الواجب على لأخواني المسلمين الذين أوجب الله على تذكيرهم وتذكير نفسي معهم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [55،الذاريات]. صدق الله العظيم.


خاتمة
هذه الأيام السبعة التي ذكرناها، هي أيام الله المجيدة التي ذكَّر الله بها عباده في القرآن المجيد، وذكر بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين، لتكون هذه الأيام ماثلة أمام أعينهم، واضحة لقلوبهم، فيأخذوا منها العبرة والفكرة، ويعيشوا على بينة من أمر هذه الأيام. قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأيام اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، [5،إبراهيم].
والآيات هي الدلائل والعلامات، والمواقف والمشاهد، والعبر والعظات. والصَبَّار هو كثير الصبر على كل مصيبة ويعتريه من أمر الدين والدنيا. وهذا اللفظ يقول عنه علماء اللغة العربية صيغة مبالغة، يعني صبر بلغ القمة في القوة والتحمل، بعزم شديد وحزم أكيد. والشكور هو كثير الشكران على النعم المادية والمعنوية. فهو يشكر الله على ما وهبه من الدين وما أعطاه من الدنيا، وشكره هذا موصول بعضه ببعض، لا يكاد ينقضي شكر حتى يبدأ في شكر آخر، فهو في شكر دائم. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، [13،سبأ]
ولنعلم أن الشكور اسم من أسماء الله عزَّ وجلَّ، وصفة من صفاته، وان الذين يتذكرون أيام الله هم أهل الشكر على التحقيق والتيقين، وأنهم قد تخلقوا بأخلاق الله عزَّ وجلَّ، وتحلوا بجميل صفاته، فرضيَ الله عنهم ورضوا هم عن الله.
وكما أشرنا أن هذه الأيام السبعة هي أمهات الأيام، وإن كان هناك أيام لله في دنيانا هذه كثيرة جدا، أجرى الله فيها عجائب الأمور، وغرائب الآيات والمعجزات والكرامات، مثل أيام الرسل التي نصرهم الله فيها وهزم الباطل. والقرآن مليء بهذه الأيام العظام، وإن فيها لعبرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وكذلك أيام الإسلام المجيدة مثل أيام الحج، وأيام رمضان، وأيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأيام الإسراء والمعراج وعاشوراء وتاسوعاء، وأيام إنزال القرآن وليله القدر، وأيام الانتصارات والفتوحات التي فتح الله بها على المسلمين البلاد، وأدخل أهلها في دين الله أفواجا، ومثل أيام الجمعة والعيدين والهجرة ونحوها.
وإنني أرجو الله عزَّ وجلَّ أن أكون قد ألممت إلمامة ولو يسيرة بتلكم الأيام السبعة، ليرى آخى المسلم فيها بعض ما يطلبه من الوقوف على إخبار هذه الأيام، ولتكون هدى ونورا لروحي وروحه، نهتدي به في معرفة ما خفي عليا من أمر هذه الأيام، ولتكون وسيلة لطلب المزيد من العلم بها، فإنني لم أعرف عن هذه الأيام إلا قليل جدا، وفوق كل ذي علم عليم. قال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، [85،الإسراء].
اسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتقبلها منى، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن يغفر لي ذنوبي ما عملت منها وما لم اعلم، وأن يغفر لجميع المسلمين، إنه سميع قريب مجيب. وصلى الله على سيدنا مولانا رسول الله على اله وصحبه وسلم........ آمين.....وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين  والحمد لله رب العالمين.



[1] رواه البخاري من حديث أبي هريرة.
[2] روى الديلمي عن معاذ إن الله تعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير وضيع، يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فأحضروا حجتكم ويسروا جوابكم فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب.
[3] رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن حنبل من حديث على وعمران بن حصين.


منقول من كتاب أيام الله 
لفضيلة الشيخ محمد على سلامة
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد سابقا

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

- التقوى كنز تعريفه ودرجاته

- التقوى كنز تعريفه ودرجاته
تعريف التقوى :
التقوى هي رعاية الأدب خشية الوقوع في الغضب، وهي جماع الفضائل، وهي وصية الله عز وجل إلى خلقه { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } (النساء:131) ووصية رسول الله r إلى أمته فيما رواه أبو ذر [ إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ]، وقد أشار أتقى الأتقياء وإمام الأصفياء صلوات الله وسلامه عليه وآله إلى صدره : وقال [..التقوى ها هنا ] (أخرجهما الترمذي في البر والصلة). والإمام علي كرم الله وجهه يعرف التقوى فيقول ( التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل ). وقد سئل سيدنا أبو هريرة رضوان الله عليه عن التقوى فقال لسائله : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال نعم، قال : فكيف صنعت ؟ قال إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال أبو هريرة : ذاك التقوى. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : تمام التقوى أن يتقي العبد الله عز وجل حتى يتقيه من مثقال ذرة. ويعرف التقوى سيدنا عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه فيقول ( ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله عز وجل )،والإمام السيد محمد ماضي أبو العزائم رضوان الله عليه يعرف التقوى فيقول

أن تذكر الله فلا تنساه، وأن تطيعه فلا تعصاه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن توحده فلا تجحده ،

ويقول

( التقوى خوف يهجم على القلب يجعله يراعي الأدب خشية الوقوع في الغضب ).والعبد إذا اتقى ربه سبحانه وتعالى حاسب نفسه وراقب عظمة العظيم وكبرياءه في كل أنفاسه لعلمه أنه بمعية المولى عز وجل فيقرأ بيقين صادق قول الحق عز وجل { ألم تر أن الله يعلم ما في السموات والأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم } (المجادلة:7). والعبد إذا اتقى ربه واستقام على الجادة كما رسمها رسول الله r ، وحفظ جوارحه الظاهرة من الوقوع فيما يغضب الله سبحانه، وحفظ كذلك حقائقه الباطنة من الوقوع في الغفلة والبعد عن شهود أنوار نور السماوات والأرض تبارك وتعالى .. تنزلت عليه ملائكة الرحمة والنعمة والإلهام والحكمة بما يحبه الله تعالى له في دنياه، ويكون من الذين ذكرهم بقوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ~   نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ~  نزلا من غفور رحيم } (فصلت:30-32).وقد جمع الله لنا في آية واحدة ما لا يستغني عنه مسلم صادق مع ربه مقبل بنية الإتباع للهادي r وهي آية البر لأن الله تعالى قال { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } (المائدة:2). ولسائل أن يسأل عن مضمون البر الذي أجمله الله تعالى في هذه الآية، لذلك فصل سبحانه هذا الإجمال في قوله { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون }(البقرة:177). ومن يكرمه الله بهذه الآية والعمل بمقتضاها ويتحلى بحللها وينطوي قلبه على ما فيها من أسرار إلهية وأنوار ربانية وحقائق فرقانية فإنه بالفقه والتطبيق العملي بما يفقهه من ربه يطهر قلبه وتزكو نفسه وتهيم روحه.
التقوى :

أهل التقوى لهم درجات ومقامات ومنازل لأن التقوى في القرآن كذلك. وما من تقوى إلا وفوقها تقوى لأن المطلوب أن يكون العبد دائما وأبدا على بينة من ربه ليحسن تقواه ويقي نفسه من غضب ربه وسخطه ومقته بتحقيق اتباعه للمصطفى r . ودرجات التقوى هي :

1 - تقوى النار: يقول الله تعالى مخبرا عنها { قوا أنفسكم وأهليكم نارا }(التحريم:6).

2 - تقوى اليوم: يقول الله تعالى فيها { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله }(البقرة :281).

3 - تقوى الرب: يقول الله تعالى فيها { اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } (لقمان:33).

4 - تقوى الله على الاستطاعة: يقول الله تعالى فيها { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا } (التغابن:16).

5 - تقوى الله على الحقيقة وهى تقوى القلة لأنها المرتبة العلية التي قال الله تعالى فيها { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } (آل عمران:102).

قلت أن التقوى درجات بعضها فوق بعض. أورد الله تعالى في آية واحدة وفريدة من كتابه العزيز: الإيمان والعمل الصالح والتقوى والإحسان أكثر من مرة، يقول عز وجل { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقواوأحسنوا والله يحب المحسنين } (المائدة:93) .. إيمان بعد إيمان، وعمل صالح يتلوه عمل صالح، وتقوى فوقها تقوى، درجات ومراتب ومنازل، وهكذا العبد التقي في سيره للوصول إلى معية الرسول، يقول تعالى { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } (الحشر:18) .. مقامان للتقوى يختلفان عن بعضهما، ولا يلقنك بهذه الأسرار إلا عارف خبير قرآني { الرحمن فسئل به خبيرا }(الفرقان:59)، {ولا ينبئك مثل خبير} (فاطر:14)، فهناك تقوى لأهل مقام الإسلام، وتقوى لأهل مقام الإيمان، وتقوى لأهل مقام  الإحسان، وتقوى لأهل مقام الإيقان وبدرجات الإيقان المختلفة.والناس يتفاوتون بحسب تقواهم، قال تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (الحجرات :13)، وفي حديث أبو هريرة قيل يا رسول الله من أكرم الناس ؟ قال r [ أكرمهم أتقاهم ] (أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء)، قال الإمام أبو العزائم: ( وتقوى كل مسلم بحسب مقامه، فهي عند العصاة التوبة النصوح،وعند العلماء الخشية من الله تعالى، وعند أهل مقام الإحسان مراقبة جلال الله تعالى وعظمته سبحانه حتى يكون المتحقق بمقام الإحسان كأنه في معية الله تعالى يراه حقيقة أو يعتقد أن الله يراه، ومسلم يعتقد أن الله معه بعلمه وسمعه وبصره كيف يغفل عن ذكره أو يتعدى حدوده ).والتقوى أصلها في القلب، قال تعالى { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } (الحج:32) ، وما دامت في القلوب فلا يطلع على حقيقتها إلا الله عز وجل .. قال r [ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ] (أخرجه مسلم في البر والصلة).والعبد بتقواه إذا حاسب نفسه ووجد أن الموفق عز وجل قد وفقه لما يحبه ويرضاه .. تقرب إليه سبحانه بالشكر، فالتقوى تعني الشكر بكل درجاته، والصبر بكل مقاماته .. قال الله تعالى للذين شهدوا بدرا { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون } (آل عمران:123) أي اتقوا الله في العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق، واتقوا الله آناء الليل وأطراف النهار وراقبوا عظمته، واعلموا أنه لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه أقرب إلى العبد من نفس العبد، بمعنى أن العبد إذا اتقى ربه شكر ربه، وأهل الشكر هم أهل المزيد قال تعالى { لئن شكرتم لأزيدنكم }(إبراهيم:7)، وأهل المزيد في الدنيا هم أهل المزيد في البرزخ وفي القيامة لقوله تعالى { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } (يونس:26) وقوله { لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } (ق:35)، والشكر قول وعمل، والشكر يشمل الجوارح الظاهرة والحقائق الباطنة، والعبد إذا وفقه الموفق فشكره سبحانه على نعمة التوفيق زاده توفيقا وقربا وعلما لأنه وعد أهل الشكر بالمزيد، كذلك تعني التقوى الصبر بمقاماته ودرجاته فيقول الله تعالى { يا أيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } (آل عمران:200).ومن المعلوم أن التقوى بمراتبها ومقاماتها هي سبيل الوصول إلى مرضاة الله عز وجل وإلى معية الحبيب المصطفى r . والعبد إذا اتقى ربه في السر والعلن وقاه الله تبارك وتعالى هموم الدنيا وحصنه من غموم الآخرة، وإذا اتقى ربه بكثرة ذكره لحضرته ونور إقباله على جنابه وأقام الصلاة بإخلاص وآتى الزكاة ليطهر نفسه وماله وصام الشهر ابتغاء مرضاة الله وحج البيت ليكون من أهل القرب من القريب المجيب سبحانه وأحسن إلى نفسه وراقب من اتقاه مع عقد قلبه أنه سبحانه علي عظيم غني عن العالمين لا ينتفع بالطاعة ولا يضار بالمعصية .. فتح الفتاح له أبواب الفتح المبين وعلمه العليم من لدنه علما لأنه وعد أهل التقوى بهذا الفضل العظيم في قوله تعالى { واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } (البقرة:282) وفي قوله سبحانه { يا أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } (الأنفال:29) والفرقان هو ما به يميز العبد بين الحق والباطل.وكم في القرآن الكريم من آيات تحض المؤمنين الصادقين على تقوى الله تبارك وتعالى في كل عمل من الأعمال وفى كل حال من الأحوال حتى يكون العمل بنور التقوى خالصا لوجه المعبود سبحانه تحقيقا لقوله { فاعبد الله مخلصا له الدين  ~  ألا لله الدين الخالص }(الزمر:2،3). والعبد التقي يحاسب نفسه في دنيا الناس قبل أن يحاسبه الحسيب سبحانه تحقيقا لقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا ) (رواه الترمذي في صفة القيامة
"لباس التقوى ذلك خير"




اللباس في اللغة هو ما يستر الجسم، والقصد من ستر الجسم ستر عوراته وحمايته من العوامل الخارجة عنه. ومعلوم أن عورات الخلق (بضم الخاء واللام) سوءات، قال تعالى { يا بني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير } (الأعراف:26) فبين سبحانه أن لباس التقوى خير لأنه يجمل العبد في نظر من يعرفوه في الدنيا، ويقيه نار جهنم بمرارتها وحرارتها في الآخرة ويوصله إلى النعيم، لذلك كانت التقوى هي الغاية من كل العبادات في القرآن الكريم.

وللتقوى مقدمات وضوابط ومسالك وروابط

كطلب العلم النافع،

والذكر الكثير،

والشكر،

والصبر،

والتوبة،

وغير ذلك .. وهذا ما سأبينه لكم بعد عرض موضوع التقوى .. فأقول وبالله التوفيق :التقوى مقام من مقامات الصالحين، وهي تثمر الأعمال الصالحة، وهي سر من أسرار الله عز وجل وهبة كبرى من هباته تبارك وتعالى لا يتفضل بها إلا على أهل سابقة الحسنى، والمعرفة بالله تؤدي إلى تقواه.والتقوى شرط لقبول العبادات .. قال تعالى { إنما يتقبل الله من المتقين }(المائدة:27)، ومعنى هذا أن التكاليف التي كلفنا بها الحق تبارك وتعالى هي في حقيقة الأمر وسيلة لغاية كبرى وهدف عظيم بينه سبحانه لنا في قوله {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } (الذاريات:56).وكل من يقرأ القرآن أو يسمعه يعلم الكثير عن كلمة التقوى،

فالتقوى هي :

الزاد الشهي

والماء الروي

وجنة أهل الآخرة في الدنيا،

والوقاية التي تقي صاحبها من غضب الله تبارك وتعالى وعذابه.ومن راقب ربه في السر والعلن بكثرة ذكره لربه وبسر شكره لمولاه وبصبره على ما قدره وقضاه .. فالله حينئذ يقيه { فوقاه الله سيئات ما مكروا }(غافر:45)،والتقوى في هذا المقام ترفع صاحبها لأنه لا يتقي النار بمعنى الخوف منها لأن معنى ذلك أنه يجتنب المعاصي خوفا على نفسه من النار،أما تقوى الله المذكورة في قوله سبحانه { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ~  الذين ءامنوا وكانوا يتقون } (يونس:62،63) فهذه التقوى بمعنى أن تتخذ الله وقاية لك، فهو كافيك ووكيلك وحسيبك ووليك { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } (البقرة:257) { أليس الله بكاف عبده } (الزمر:36).




التقوى كنز تورثه لأبنائك :

إن حياة الرجل التقي كنز يفتح لأبنائه عند وفاته. وقد صح أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان من أهل الغنى واليسار، فلما تولى الخلافة تنازل عن كل ما يملكه لبيت المال ولم يبق لنفسه إلا قطعة أرض بها نخيل بجوار المدينة المنورة ينفق منها، وخير زوجته ـ وهى ابنة عمه فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الذي كان أميرا للمؤمنين، وكانت تتحلى بعقد من اللؤلؤ ثمنه غال جدا وكان هدية لها من والدها - بين البقاء معه وبين أن تهدي هذا العقد لبيت مال المسلمين فاختارت زوجها وتنازلت عن العقد، وكان أميرا مؤمنا محسنا موقنا وحاكما عادلا يراقب مولاه بعدد أنفاسه. ذلكم الأمير لما حضرته الوفاة دخل عليه صديق حميم إسمه ( رجاء بن حَيَوَه ) وطلب منه أن يكتب لأبنائه جزءا من المال الذي أهداه لبيت المال في أول توليته الإمارة حتى لا يدعهم عالة يتكففون الناس - وكان له من الأولاد أربعة عشر ذكورا وإناثا - فنظر إليه نظرة العاتب وقال له أولادي بعد وفاتي إما أن يكونوا من الصالحين وإما أن يكونوا من الطالحين، فإن كانوا من الصالحين فوليهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وإن كانوا من الطالحين فلا أزيدهم بالمال إلا طلاحا وبعدا. ولم يكتب شيئا لأولاده وتركهم لله الذي يقول {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } (النساء:9). ونحن نقرأ ونسمع ما ورد في سورة الكهف عندما رفع الخضر الجدار، واعتراض موسى على هذا العمل، قال تعالى { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا } (الكهف:82). فأراد الله أن يكرم هذين الغلامين بسبب صلاح أبيهما.كلنا نحب أولادنا وأحفادنا لأنهم ذرياتنا التي ننتفع بصلاحها، وقد جعل الله تعالى صلاح أحوالهم نتيجة تقوانا، يقول تعالى { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ~   يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } (الأحزاب:70 ،71)، ويقول في المتقين {والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } (الطور:21)، ويقول تعالى { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم  ~   ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ءابآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم  ~   وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم } (غافر:7-9) .. هذا هو دعاء حملة العرش لنا ولأزواجنا ولآبائنا وذرياتنا بسبب تقوانا وإقبالنا على الله. لهذا أقول لكم مرة أخرى إذا أردتم السعادة لأبنائكم والعزة والصلاح والتقوى لهم فعليكم أنتم بتقوى الله وبالإقبال عليه سبحانه.ومن علوم المضنون في التقوى ولباس التقوى .. أملى الإمام أبو العزائم رضي الله عنه - فمن سماته أنه كان يملي على الكتبة الحاضرون بمجلسه أو بعد استدعائه لهم – فقال :لباس يحفظك من الآثار وآخر يحفظك من الأبصار ولباس يحفظك من شيطان الحظ ووحش الشهوة، وبهيم الهوى، وطمع النبات، وجبن الجماد، وهو خير لباس يهبك الله ، به تكون في جنة الشهود ونعيم الوجود من غير كد ولا جهود{ ولباس التقوى ذلك خير } (الأعراف:26). وهذا الثوب القشيب هو الحلة لحفظ مرتبتك عبدا عابدا لرب قادر حكيم معبود، باطن هذه الحلة كمال اليقين بقدره، وظاهرها جمال صفات ربك، فالبسها شاكرا من وهب لك ظاهرها حاضرا بالفضل برتبتك مع من صاغك بيده لتسارع بما وهبك منه إليه، وأعط لكل ذي حق حقه، واحفظ لنفسك حقك تكن عند ربك، ولديها يغنيك ربك بحلة الجمال الموجود منه لك عند كل ما تجهد نفسك في نيله بك والحظ قوله تعالى { لهم ما يشآءون عند ربهم } (الزمر:34 الشورى:22).كن يقظا حيطة من عدوك ، فإنه فتان يخرج أهل الحجاب من جنة الشهود والنعيم فينزع عنهم تلك الحلة المطرزة بجمال معاني الصفات، والحظ خطاب ربك {يا بني ءادم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } (الأعراف:27)، واتل بروحك ما حذف من هذا الخطاب من معنى: فيخرجكم من الجنة - ينزع عنكم لباسكم - كما أخرج أبويكم. وحفظ تلك الحلة ينزلك إلى الماء المهين أو  إلى مرتبة الطين ولو آنسك الروح الأمين، فإن تنزلك محبوب ربك ومؤانستك محبوبة نفسك، فاحرص على ما يحبه الله واسأله المعونة على ترك ما به يكون الحجب، والله ولي المؤمنين.فر من اللبس إلى لِبس ثياب التقوى، فطهر لباس الإيمان ، وتجمل بريش الإحسان، وطر سائحا في ملكوته الأعلى متجملا بلباس التقوى { يا بني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم..}وهو الإيمان  {..وريشا..} وهو الإحسان { ..ولباس التقوى..} وهو اليقين الحق  {..ذلك خير } (الأعراف:26) لأنه كمال الأدب في مكانة العبودة، وبها يرفعك الله مكانا عليا - قال تعالى { وأنتم الأعلون } (آل عمران:139 محمد:35) مع قوله جل جلاله { ورفعناه مكانا عليا } (مريم:57) ، فذق حلاوة الأعلى تلحظ ما فيك مما أخفاه عنك وأظهره للملائكة، فأنت مرآة تلك الأنوار، وكيف تشهد الملائكة ما فيك ويحجب العبد عن شهود ما فيه مما به يواليه ؟ والمقبل على الله يقبل الله عليه حتى ينمحي البين من البين وتقع العين على العين. (إهـ)ويظل العبد يترقى في مقامات التقوى بالفضل من رب تبارك وتعالى حتى يدخله مقام { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } (آل عمران:102)، لم يقل لهم كما قال لغيرهم { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا } (التغابن:16) لأنهم تخطوا هذا المقام تحقيقا لقول الله تعالى { وألزمهم  كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها }(الفتح:26)، فهو العليم بقلوبهم وما تحمله من معاني الحب لله تبارك وتعالى والفناء في حبيبه ومصطفاه rوإذا ناداهم سبحانه وتعالى بقوله { يا أيها الذين آمنوا..} ذابت قلوبهم من الرهبة واضمحلوا في أعينهم وقالوا من نحن حتى يتفضل علينا بالنداء ويكلفنا ؟ وأصلنا الماء المهين، والطين، والعدم. ومن شهد أصله تولاه ربه ورعاه، وأكرمه وزكاه وطهر قلبه. نادى الله المؤمنين بقوله {..اتقوا الله حق تقاته..} فاتقوْه سبحانه بجميع حواسهم الظاهرة وبحقائقهم الباطنة فأقبلوا عليه سبحانه بكلهم فأقبل عليهم بجماله وجلاله وكماله وتولى أمرهم ظاهرا وباطنا. وصاحب هذا المقام السني والعالي جدا تتناسب تقواه وهذا الأمر، فهو يقي نفسه من الغفلة والبعد في كل نفس من أنفاسه عن شهود أنوار خالقه في الآيات التي بثها سبحانه في الآفاق وفي الأنفس، فهو جليس الحق في يقظته ومنامه، وفي حله وترحاله، يتلقى قلبه من حضرة الحق معاني كلام المتكلم تبارك وتعالى وقلبه متصل وعلى الدوام بصاحب الحضرة المصطفوية r ، ويتنزل عليه من سماء الفضل الإلهي بالعلوم الإلهية مصداقا لقوله عز وجل { ..واتقوا الله ويعلمكم الله }(البقرة:282) والعلم اللدني هبة خالصة وفضل محض يتفضل به سبحانه على من يشاء بلا علة عمل بالرغم من وجود العمل. وصاحب هذا المقام التقَوِي لا نسمع منه إلا الخير لأنه يتحرك ويسكن في دائرة الخير، فيقول سبحانه {..ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } (البقره:132) فقد سلم لمولاه نفسه وزوجه وولده وأهله وكل شأن من شئونه، ليس له مع مولاه مراد لأن مراده فنى في مراد ربه. وهذا الأمر من الله لأحبابه يحمل كلمة (كن) أي كن كما أمرتك وكما وجهتك، فلا يموت أصحاب مقام هذه الآية إلا وهم مُسَلِّمون كما أمرهم الآمر تبارك وتعالى.وأختم حديثي عن التقوى بما أملاه إمامي ومرشدي ومربي روحي أبو العزائم في معنى قول الحق تبارك وتعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } فقال مفسرا :التقوى من أكمل أعمال القلوب التي عمرت بأنوار علام الغيوب، والتقوى هي أعلى مقامات الخوف، ولا خوف إلا من عظيمٍ يُرجَى ويُخاف. ولما كان فضله العظيم متواليا وآلاؤه الجميلة متواصلة، أكرمهم الله سبحانه وتعالى بالخوف منه حتى تكمل القوى الروحانية والقوى الجسمانية فيحسن بالخوف الإخلاص لجنابه العلي في العمل والصدق في المعاملة ومحاسبة النفس في الحال عند حصول الأحوال حتى تكون واردات المؤمن وخواطره وإرادته ومختاره مراعيا فيها محاب الله ومراضيه ومراقبا فيها عظمة الله وكبرياءه وجلاله. ومتى تجمل القلب بالخوف انبعثت أنوار الخوف من الله تعالى على الجوارح فصار اللسان رطبا بذكر الله والآذان صاغية لتسبيح الكائنات، وعمل بجميع الجوارح في طاعته، وهذا هو المؤمن الكامل الذي كمل معنى ومبنى وصار بدلا من أبدال رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.وتقوى الله حق تقاته أن نجاهد في الله حق جهاده ولا نخاف فيه لومة لائم، ونقوم لله بالقسط ولو على أنفسنا ووالدينا وأهلينا وأولادنا، وبعبارة أخرى أن نذكر الله فلا ننساه وأن نطيعه فلا نعصاه وأن نشكره فلا نكفره وأن نعبده فلا نجحده .. مع ملاحظة شهود ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) حتى يصفو الورود في حصن الشهود. وليست الآية منسوخة بقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } (التغابن:16) إذ أن { ما استطعتم } هي عين {حق تقاته} فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمره إيانا أن نتقيه حق تقاته أي حق التقوى التي أهلنا أن نقوم له سبحانه وتعالى بها.والتقوى تلاحظ عند كل حركة وسكنة وطرفة عين حتى قد يبلغ التقي مقاما يكون فيه الحق معالم بين عينيه لا يتحرك حركة إلا ويراقب رضاه سبحانه وتعالى ويراعي فيها السمع والطاعة لرسول الله r .. هذا هو الذي اتقى الله حق تقاته. وكم من قائم بأكمل القربات من غير رعاية ولا مراقبة وأعماله لا ترفع لأنها عادة وليست عبادة، ولا تكون الأعمال عبادة إلا إذا تجملت بالرعاية والمراقبة، وكم ألبست العبادة بالعادة - قال الله تعالى {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } (الحج:37) ولما كانت التقوى معراج الوصول لنيل القبول والمأمول، سارعت إليها أنفس الأبرار وفطرت عليها أرواح الأطهار الأخيار. والراغب في الخير يجاهد نفسه أشد المجاهدة حتى يبلغ مقام الأتقياء. ومن أمكنه أن يجاهد نفسه وقصر .. ظلم نفسه. وكل مسلم مؤهل أن يرقى لأعلى مقامات القرب من الله تعالى بمجاهدته نفسه في ذات الله مع رعاية مشهد التوحيد بـ  ( لا حول ولا قوة إلا بالله ).وبالتقوى صار بلال الحبشي ملكا من ملوك أهل الجنة، وسلمان الفارسي سيدا عظيما عند الله تعالى. وكم أعز الله بالتقوى ذليلا ورفع وضيعا، وأذل بالمعصية عظيما رفيعا .. يقول تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (الحجرات:13). (إهـ)

الجمعة، 5 يونيو 2015

- حديث النجوم أمان للسماء

 لقد جاءت السنة النبوية بمجموعة من الأحاديث الشريفة التي تحتوي على كمٍّ من الحقائق العلمية التي أثبتها العلم التجريبي الحديث؛ منها على سبيل المثال ما رواه أبو بردة عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله ، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال:"مَا زِلْتُمْ هَهُنَا؟" قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: "أَحْسَنْتُمْ" أو "أَصَبْتُمْ". قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال:"النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ"[2].

في هذا الحديث الشريف حقيقة علمية أثبتها العلم الحديث، ألا وهي ذهاب النجوم وانكدارها وطمسها، ثم انفجارها وزوالها بتحوُّلها إلى دُخان السماء.

النجوم السماويةونظرًا لضخامة كتل النجوم فإنها تُهيمن بقوى جذبها على كل ما يدور في فلكها من كواكب، وكويكبات، وأقمار، ومذنبات، وغير ذلك من صور المادَّة، والنجوم ترتبط فيما بينها بالجاذبية، وتتجمَّع في وحدات كونية أكبر فأكبر، مرتبطة فيما بينها بالجاذبية أيضًا، فإذا انفرط عقد هذه القوى انهارت النجوم، وانهارت السماء الدُّنيا بانهيارها، وانهار الكون كله بانهيار السماء الدنيا، وهنا تتضح روعة التعبير النبوي الشريف:"النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ..."[3].

وهذا الحديث الشريف إعجاز علمي واضح، فمَنْ أخبر رسولَ الله  بسرِّ غريب كهذا من أسرار نشأة الكون وتوازنه؟ وكيف عرف محمد  الأميُّ، الذي يعيش في أُمَّة جاهلة لم يقم للعلم فيها راية هذه الحقيقة العلمية الخالدة؟! إنه الله الذي أوحى لنبيه هذا الأمر، فصدق رسوله .

حديث خلق الإنسان
ومن الأحاديث النبوية التي بهرت العلماء غير المسلمين في العصر الحديث، وكانت سببًا في إسلام عدد لا بأس به منهم، قوله : "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ..."[4].

يوضح حديث رسول الله  السابق أن خلق الإنسان يمرُّ بثلاث مراحل، وهي: النطفة، والعلقة، والمضغة، تكتمل خلال الأربعين يومًا الأولى من بدء عملية الإخصاب، والملاحظات العلمية الدقيقة التي تجمّعت لدى العاملين في حقل علم الأجنة البشرية تؤكد ذلك.

وكان بعض علماء الحديث قد فهموا تلك المدة على أنها ثلاث أضعاف ذلك- أي مائة وعشرين يومًا- لأنهم فهموا التعبير بـ "مِثْلَ ذَلِكَ" في نصِّ الحديث على أنها تُشير إلى الفترة الزمنية المحدَّدة بأربعين يومًا لكل مرحلة من المراحل الثلاث: النطفة، والعلقة، والمضغة، وينفي ذلك الفهم حديثٌ آخر لرسول الله  قال فيه: "إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا..."[5].

وشكل المضغة لا صلة له بشكل الإنسان من قريب أو بعيد، ولكن تبدأ المضغة في اكتساب الشكل الإنساني بالتدريج في الأيام الخمسة التالية لتخلّق المضغة؛ أي في الفترة من اليوم الأربعين إلى الخامس والأربعين من بعد عملية الإخصاب، وفي اليوم الخامس والأربعين يتم تكوُّن الأعضاء، والهيكل العظمي بصورة ظاهرة، وتستمرُّ عملية الانقسام الخلوي والتمايز الدقيق في الخلق بعد ذلك.

وقد ثبت بالدراسات المستفيضة في مجال علم الأجنة البشرية أن هذه المراحل لا تبدأ إلاَّ مع نهاية مرحلة المضغة، أي مع نهاية الأسبوع السادس من بدء الحمل (بعد ثنتين وأربعين ليلة) وبذلك يثبت صدق رسول الله  في الحديثين المذكورين، وفي كل حديث قاله.

كيف عرف محمد رسول الله  هذه الدقائق العلمية المعقدة، والمتناهية الدقَّة في خلق الجنين، والتي تتراوح أبعادها بين الجزء من عشرة آلاف جزء من الملليمتر حتى تصل إلى حوالي عشرة ملليمترات فقط؟![6].

وهذه المراحل الجنينية حتى لو نزلت مع السّقط وهي غارقة في الدماء ما كان ممكنًا للإنسان أن يُدركها فضلاً عن رؤيتها، ووصفها، وتسميتها بأسمائها الصحيحة، ومن هنا كانت تعبيرات وصف مراحل الجنين كما جاء في الحديث السابق من أوضح جوانب الإعجاز العلمي في سُنَّة رسول الله ، ودليلاً ناصعًا على صدق نبوته .

هذه بعض الإشارات العلمية في سُنَّة رسول الله ، والمجال لا يتَّسع لعرض المزيد منها، ولكنها تؤكِّد بما لا يدع مجالاً للشكِّ صدق النبي محمد  فيما بَلَّغ عن ربِّ العزَّة.

د. راغب السرجاني
جاري التحميل...