آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 9 يناير 2026

بشارات وإكرامات

 



🌻🏵💎💐 بشارات وإكرامات 💎💐🏵🌻

🌻فإن الله أكرمنا ببركة النبى وأعطانا فوق ما أعطى النبيين والمرسلين السابقين، وانظروا معى إلى آيات كتاب الله عزَّ وجلَّ وهى تحكى لنا ذلك، نبىُّ الله إبراهيم - وكان يُسمى أبو الأنبياء – كان يدعو الله دوماً فيقول:
{ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [87: 89الشعراء]
والخزى أى: الفضيحة، والفضيحة يوم القيامة - حفظنا الله جميعاً من ذلك – تكون لمن يحاسب علانية، أى: يحاسبه الله أمام جميع الخلق! فيُخزى ويفتضح! ويظهر شأنه أمام الجميع. كان سيدنا إبراهيم يطلب من الله ألا يحدث له ذلك. أبو الأنبياء يطلب ذلك!! أما نحن أُمة النبى صلى الله عليه وسلم - فمنَّ الله علينا ببركة النبى ورفع عنا ذلك!! وبشَّرنا وقال لنا:
{ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } [8التحريم]

🌻 حفظنا الله من عذاب الخزى، إذاً كيف يكون حسابنا؟ من خصائص الله عزَّ وجلَّ لنا، وتفضيله لنا عن سائر الأمم ما قال فيه صلى الله عليه وسلم:
{ نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
أى نحن الآخرون فى البعث فى الدنيا، ونحن الأولون فى الحساب غداً يوم القيامة!! وقال أيضاً:
{ نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأُمة المحمدية؟ فنحن الأولون الآخرون } وفى رواية: { المقضى لهم قبل الخلائق } سنن ابن ماجة عن ابن عباس

🌻فنحن أظهر الله لنا فى القرآن مساوئ وعيوب الأمم السابقة ولكن الله عزَّ وجلَّ لن يأتى بأحد بعدنا حتى لا يعرف أحد مساوئنا وعيوبنا إلا الله عزَّ وجلَّ، والله عزَّ وجلَّ كريم يكرمنا ببركة النبى صلى الله عليه وسلم، فيجعلنا أول الأمم فى الحساب، كيف يكون الحساب؟ يكون الحساب لهذه الأمة دون سائر الأمم كما قال صلى الله عليه وسلم:
{ يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عزَّ وجلَّ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ. فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ } الصحيحين البخارى ومسلم
🌻لن يفتضح فى هذا اليوم مِنْ هذه الأُمة المرحومة إلا مَنْ جاهر بالكبائر!! واستمر يفعلها حتى الموت، ولم يتب إلى الله عزَّ وجلَّ منها، مع أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها!.

🌻🌹💧 ❅ ♢مكتبة الشيخ فوزي محمد أبوزيد 🌻🌹💧 ❅ 
عرض أقل

الخميس، 8 يناير 2026

تفسير البحر المديد سورة النساء

سورة النّساء
مدنية ، وهى ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا. وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة. ومائة وستون آية. قاله الثعلبي. وقال البيضاوي : مائة وخمس وسبعون آية.
ومضمنها : الأمر بحفظ ستة أمور : حفظ الأموال ، وحفظ الأنساب ، وحفظ الأبدان ، وحفظ الأديان ، وحفظ اللسان ، وحفظ الإيمان. بعد أن قدّم الأمر بالتقوى ، التي هى ملاك ذلك كله ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)
قلت : من قرأ : (و الأرحام) بالنصب ، فعطف على لفظ الجلالة ، أي : اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وقرأ حمزة بالخفض على الضمير من (به) كقول الشاعر :
فاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيّام من عجب «1»
وجمهور البصريين يمنعون العطف على الضمير إلا بإعادة الجار ، فيقولون : مررت به وبزيد. وقال ابن مالك :
وليس عندى لازما إذ قد أتى فى النّظم والنّثر الصّحيح مثبتا.
والنثر الصحيح هو ما قرأ به حمزة ، وهذا هو التوجيه الصحيح ، وأما من جعل الواو للقسم فبعيد.
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي : جميع الخلق ، اتقوا ربكم فيما كلفكم به ، ثم بيّن موجب التقوى فقال : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعنى حواء ، من ضلع من أضلاعه ، وَبَثَّ أي : نشر مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي : نشر من تلك النفس الواحدة بنين وبنات. قال البيضاوي : واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء ، إذ الحكمة تقتضى أن يكنّ أكثر ، وذكر : كَثِيراً
___________
(1) البيت أنشده سيبويه ، انظر : شرح ابن عقيل على الألفية ، باب عطف النسق.
(1/459)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 460
حملا على الجمع ، وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى والنعمة الباهرة التي توجب طاعة مولاها. ه.
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي : يسأل بعضكم بعضا فيقول : أسألك بالله العظيم ، وَالْأَرْحامَ أي :
واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ، فمن قطعها قطعه الله ، ومن وصلها وصله اللّه ، كما فى الحديث. أو تساءلون به وبالأرحام ، فيقول بعضكم لبعض : أسألك بالرحم التي بينى وبينك ، أو بالقرابة التي بينى وبينك. ثم هددهم على ترك ما أمروا به فقال : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً حافظا مطلعا شهيدا عليكم فى كل حال.
الإشارة : درجهم فى آخر السورة فى مدارج السلوك حتى زجّهم فى حضرة ملك الملوك ، وأمرهم أن يتقوا ما يخرجهم عن مشاهدة ظلمة أنوار الربوبية ، ثم دلاهم فى أول السورة إلى التنزل لآداب العبودية بشهود آثار القدرة الإلهية ، فى النشأة الأولية ، ليعلّمهم الجمع بين آداب المراقبة ودوام المشاهدة ، أو بين الفناء والبقاء.
وقد تكلم ابن جزى هنا على أحكام المراقبة ، فقال : إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها ، استفاد مقام المراقبة ، وهو مقام شريف أصله علم وحال ، ثم يثمر حالين. أما العلم : فهو معرفة العبد بأن الله مطلع عليه ، ناظر إليه فى جميع أعماله ، ويسمع جميع أقواله ، ويعلم كل ما يخطر على باله. وأما الحال : فهو ملازمة هذا العلم بالقلب ، بحيث يغلب عليه ولا يغفل عنه. ولا يكفى العلم دون هذه الحال ، فإذا حصل العلم والحال كانت ثمرتهما عند أصحاب اليمين :
الحياء من الله ، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجد فى الطاعات ، وكانت ثمرتهما عند المقربين :
المشاهدة ، التي توجب التعظيم والإجلال لذى الجلال.
وإلى هاتين الثمرتين أشار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك» ، فقوله :
«أن تعبد الله كأنك تراه» إشارة إلى الثمرة الثانية ، وهى الموجبة للتعظيم ، كمن يشاهد ملكا عظيما فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة ، وقوله : «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إشارة إلى الثمرة الأولى ، ومعناه : إن لم تكن من أهل المشاهدة - التي هى مقام المقربين - فاعلم أنه يراك ، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين ، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام الأعلى ، ورأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه ، تنزل منه إلى المقام الآخر.
واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة والمرابطة ، ويتأخر عنها المحاسبة والمعاتبة ، فأما المشارطة فهى اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة ، وترك المعاصي ، وأما المرابطة فهى معاهدة العبد لربه على ذلك ، ثم بعد المشارطة والمرابطة فى أول الأمر تكون المراقبة ... إلخ.
(1/460)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 461
وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه ، فإن وجد نفسه قد وفّى بما عاهد عليه الله يحمد الله ، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة ونقض عهد المراقبة ، عاقب النفس عقابا شديدا بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك ، ثم عاد إلى المشارطة والمرابطة ، وحافظ على المراقبة ، ثم اختبر بالمحاسبة ، وهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. انتهى كلامه ، وهو مقتبس من الإحياء. والله تعالى أعلم.
ثم شرع تعالى فى الكلام على حفظ الأموال ، وبدأ بأموال اليتامى ، اعتناء بهم لضعفهم ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 2]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2)
قلت : اليتيم : من فقد أباه ، ولا يقال فيه اليتيم عرفا إلا قبل البلوغ ، وهو هنا مجاز ، أي : من كان يتيما ، والحوب :
الإثم ، ويقال فيه : حوبا ، بالضم والفتح ، مع الواو والألف ، مصدر حاب حوبا وحوبا وحابا.
يقول الحق جل جلاله : وَآتُوا أي : أعطوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إذا بلغوا ، وأنس منهم الرشد ، وسمّاهم يتامى بعد البلوغ اتساعا لقرب عهدهم بالصغر ، حثا على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم ، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إذا أنس فيهم الرشد ، ويدل على هذا ما قيل فى سبب نزول الآية ، وهو أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له ، فلما بلغ طلب مال أبيه ، فمنعه ، فنزلت الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله ورسوله ، ونعوذ بالله من الحوب الكبير. وقيل : إن العرب كانت لا تورّث الصغار مع الكبار ، فأمروا أن يورثوهم ، وعلى هذا يكون اليتيم على حقيقته ، فعلى الأول : الخطاب للأوصياء ، وعلى الثاني : للعرب التي كانت لا تورث الصغار.
ثم قال : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي : لا تتبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم ، أو : لا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخبيث مكانها من أموالكم. كان بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله ، والدرهم الطيب بالزائف. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ مضموما إِلى أَمْوالِكُمْ فتنفقونها معا ، مع أن اليتيم لا يأكل كالكبير ، إلا إذا كان المنفق قدّر أكله ، أو لمصلحة. إِنَّهُ أي : الأكل ، كانَ حُوباً كَبِيراً أي : إثما عظيما.
الإشارة : أمر الحق جل جلاله أغنياء القلوب ، وهم أكابر الأولياء الراسخون فى علم الغيوب ، أن يمنحوا من تعلق بهم من الفقراء والضعفاء ، من الغنى بالله الذي منحهم الله ، حتى لا يلتفتوا إلى سواه ، وأن يقبلوا كل من أتى إليهم من العباد ، سواء كان من أهل المحبة والوداد ، أو من أهل المخالفة والعناد ، ولا يتبدلوا الخبيث بالطيب ، بحيث
(1/461)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 462
يقبلون من وجدوه طيب الأخلاق ، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق ، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية النبوية ، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية ، ويقلبوا فيهم الأعيان ، فيقلبون العاصي طائعا ، والكافر مؤمنا ، والغافل ذاكرا ، والشحيح سخيا ، والخبيث طيبا ، والمسيء محسنا ، والجاهل عارفا ، وهكذا لما عندهم من الإكسير ، وهى الخمرة الأزلية ، أي : التي من شأنها أن تقلب الأعيان ، كما قال ابن الفارض رضي اللّه عنه فى وصفها :
تهذب أخلاق النّدامى فيهتدى بها لطريق العزم من لا له عزم
ويكرم من لم يعرف الجود كفّه ويحلم عند الغيظ من لا له حلم
وقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعنى : حتى تتحققوا بوصول الغنى إلى قلوبهم ، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم. والله تعالى أعلم.
ولمّا كان الأولياء ، إذا كانت تحتهم يتيمة لها مال ، وخافوا أن يدخل معهم أجنبى ، تزوجها أو زوجوها من أبنائهم ، حرصا على أكل مالها ، ولا يقسطون لها فى صداقها ، وربما أساءوا عشرتها انتظارا لموتها ، فنهاهم الله عن ذلك بقوله :
[سورة النساء (4) : آية 3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3)
قلت : «ما» من شأنها أن تقع على ما لا يعقل ، وهنا وقعت على النساء لقلة عقلهن حتى التحقن بمن لا يعقل «1» و(مثنى وثلاث ورباع) أحوال من (ما) ممنوعة من الصرف للوصف والعدل ، أي : اثنتين اثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا.
يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ خِفْتُمْ يا معشر الأولياء ألّا تعدلوا فِي الْيَتامى التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبا لمالهن ، مع قلة جمالهن ، فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن ، فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من غيرهن ، أو : وإن خفتم ألا تقسطوا فى صداقهن إذا أعجبنكم لمالهنّ - الذي بيدكم - وجمالهن ، فانكحوا غيرهن ، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن.
___________
(1) قوله : (من شأنها أن تقع على ما لا يعقل) ، فيه نظر ، فإن (ما) تقع على العاقل وغير العاقل ، قال تعالى عن الصالحين : «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم» (سورة ص آية 24) وغير ذلك من آيات كثيرة ، بل إن قول الله تعالى : «فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، نص فى أن «ما» تقع على العاقل.
أما قوله : [حتى التحقن بمن لا يعقل ] فينقضه الكثير من الآيات والأحاديث ، قال تعالى : «لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض» (آل عمران 195) وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «النساء شقائق الرجال» وللمفسرين فى الآية توجيهات أخر ، أولى من توجيه شيخنا ابن عجيبة ، منها : أن «ما» فى الآية موصولة أو موصوفة. راجع (تفسير : القرطبي - ابن عطيه - الآلولسى).
(1/462)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 463
قالت عائشة - رضى الله عنها - : (هى اليتيمة تكون فى حجر وليها ، فيرغب فى مالها وجمالها ، ويريد أن ينكحها بأدنى صداقها ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فى إكمال الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء.). رواه البخاري.
وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : - (إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة وأكثر - يعنى قبل التحريم - فإذا ضاق ماله أخذ من مال يتيمه) ، فقال لهم : إن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى - أي : فى أموالهن - فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي : اثنتين اثنتين لكل واحد ، أو ثلاثا ثلاثا ، أو أربعا أربعا ، ولا تزيدوا ، فمنع ما كان فى الجاهلية من الزيادة على الأربع ، وهو مجمع عليه بنص الآية ، ولا عبرة بمن جوّز تسعا لظاهر الآية لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد ، لا الجمع ، ولو أراد الجمع لقال تسعا ، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانا.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع ، فاقتصروا على واحدة ، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير إذ لا يجب العدل بينهن ، ذلِكَ الاقتصار على الواحدة أَدْنى أي : أقرب أَلَّا تَعُولُوا أي :
تجوروا أو تميلوا ، أو ألا تجاوزوا ما فرض عليكم من العدل ، أو أدنى ألا يكثر عيالكم فتفتقروا ، وهى لغة حمير. والله تعالى أعلم.
الإشارة : اعلم أن الحق تعالى جعل أولياءه أصنافا عديدة فمنهم من غلب عليه فيض العلوم ، ومنهم من غلب عليه هجوم الأحوال ، ومنهم من غلب عليه تحقيق المقامات. قال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : كان الجنيد رضي اللّه عنه قطبا فى العلوم ، وكان أبو يزيد رضي اللّه عنه قطبا فى الأحوال ، وكان سهل بن عبد الله قطبا فى المقامات. ه. أي : كل واحد غلب عليه واحد من ذلك ، مع مشاركته للآخر فى الباقي ، فينبغى لكل واحد أن يخوض فى فنّه الذي خصّه الله به ولا يتصدى لغيره. فقال لهم الحق - جل جلاله - من طريق الإشارة : فإن خفتم يا من غلبت عليهم الأحوال أو المقامات ، ألّا تقسطوا فى يتامى العلوم التي اختص بها غيركم ، فانكحوا ما طاب لكم من ثيبات الأحوال وأبكار الحقائق ، كثيرة أو قليلة ، فإن خفتم أن تغلبكم الأحوال ، أو التنزل فى المقامات ، ولا تعدلوا فيها ، فالزموا حالة واحدة ومقاما واحدا ، وهو المقام الذي ملكه وتحقق به ، فإنه أقرب ألا ينحرف عن الاعتدال لأن كثرة الأحوال تضر بالمريد كما هو مقرر فى فنه. والله تعالى أعلم.
ولمّا أمر بالنكاح أمر ببذل الصداق ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)
(1/463)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 464
قلت : نِحْلَةً : مصدر من آتوهن ، لأنها فى معنى الإيتاء ، يقال : نحله كذا نحلة ونحلا إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ولا حكم حاكم ، والضمير فى «منه» يعود على الصداق أو على «الإيتاء» ، و(نفسا) تمييز ، و(هنيئا مريئا) : صفتان لمصدر محذوف ، أي : أكلا هنيئا ، وهو من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل الهنيء : ما يلذه الإنسان ، والمريء : ما تحمد عاقبته.
يقول الحق جل جلاله للأزواج : وَآتُوا النِّساءَ التي تزوجتموهن صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي : عطية مبتلة «1» ، لا مطل فيها ولا ظلم ، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ من الصداق ، وأعطينه لكم عن طيب أنفسهن فَكُلُوهُ هَنِيئاً لاتبعة عليكم فيه ، مَرِيئاً : سائغا حلالا لا شبهة فيه ، روى أن ناسا كانوا يتحرّجون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ، فنزلت. وقيل : الخطاب للأولياء ، لأن بعضهم كان يأكل صداق محجورته ، فأمروا أن يعطوهن صداقهن ، إلا إن أعطينهم شيئا عن طيب أنفسهن ، والله تعالى أعلم.
الإشارة : وآتوا النفوس حقوقها من الراحة وقوت البشرية ، نحلة ، ولا تكلفوها فوق طاقتها ، فإن طبن لكم عن شىء من الأعمال أو الأحوال ، بانشراح صدر ونشاط ، فكلوه هنيئا مريئا ، فإنّ العبادة مع النشاط والفرح بالله أعظم وأقرب للدوام ، وهذا فى حق النفوس المطمئنة ، وأما النفوس الأمارة فلا يناسبها إلا قهرية المجاهدة مع السياسة لئلا تمل ، أو تقول : من أقامه الحق تعالى فى حال من الأحوال أو مقام من المقامات فليلزمه ، وليقم حيث أقامه الحق ، ويعطيه حقه ، فإن طاب وقته لحال من الأحوال فليأكله هنيئا مريئا. فالفقير ابن وقته ، ينظر ما يبرز له فيه من رزقه ، فكل ما وجد فيه قلبه فهو رزقه ، فليبادر إلى أكله لئلا يفوته رزقه منه. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ثم نهى الأوصياء عن تمكين اليتامى من أموالهم قبل الرشد ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 5]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5)
قلت : «قيما» : «2» مصدر قام قياما وقيما ، وأصله : قواما ، قلبت الواو ياء.
___________
(1) البتل : القطع
(2) قرأ نافع وابن عامر «قيما» وقرأ الجمهور «قياما».
(1/464)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 465
يقول الحق جل جلاله للأوصياء : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ التي تحت حضانتكم أَمْوالَكُمُ أي : أموالهم التي فى أيديكم ، وإنما أضاف أموال اليتامى لهم حثا على حفظها وتنميتها كأنها مال من أموالهم ، أي : ولا تمكنوا السفهاء من أموالهم التي جعلها الله فى أيديكم قِياماً لمعاشهم ، تقومون بها عليهم ، ولكن احفظوها ، واتجروا فيها ، واجعلوا رزقهم وكسوتهم فيها باعتبار العادة ، فإن طلبوها منكم فعدوهم وعدا جميلا ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي : كلاما لينا بأن يقول له : حتى تكبر وترشد لتصلح للتصرف فيها. وشبه ذلك. وإنما قال : (و ارزقوهم فيها) دون «منها» لأن «فيها» يقتضى بقاءها بالتنمية والتجارة حتى تكون محلا للرزق والكسوة دون «منها» ، وقيل :
الخطاب للأزواج ، نهاهم أن يعمدوا إلى ما خولهم اللّه من المال فيعطوه إلى نسائهم وأولادهم ، ثم ينظرون إلى أيديهم. وإنما سمّاهن سفهاء استخفافا بعقلهن ، كما عبر عنهن ب - «ما» التي لغير العاقل «1».
وروى أبو أمامة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : «إنما خلقت النار للسفهاء - قالها ثلاثا - ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها «2»». وقالت امرأة : يا رسول الله : سميتنا السفهاء! فقال : «الله تعالى سماكن فى كتابه» «3» ، يشير إلى هذه الآية. وقال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها «4» ، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه ، ورجل أعطى سفيها ماله ، وقد قال الله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ.) قلت : إنما منعوا من إجابة الدعاء لتفريطهم فى مراسم الشريعة. والله تعالى أعلم.
الإشارة : لا ينبغى للشيخ أن يطلع المريد على أسرار التوحيد ، وهى أسرار المعاني التي جعلها الله تعالى قائمة بالأشياء ، حتى يكمل عقله ، ويتحقق أدبه ، ويظهر صدقه ، فإذا استعجلها قبل وقتها فليعده وعدا قريبا ، وليقل له قولا معروفا ، فكم من مريد استعجل الفتح قبل إبانه فعوقب بحرمانه ، وكم من مريد اطلع على أسرار الحقيقة قبل كمال خدمته فطرد أو قتل ، ووقتها هو حين تبرز معه فتأخذه الحيرة ، اللهم إلا أن يراه الشيخ أهلا لحملها لرجحان عقله وكمال صدقه ، فيمكنه منها قبل أن تبرز معه ، ثم يربيه فيها ، وهذا الذي شهدناه من أشياخنا لشدة كرمهم - رضى الله عنهم وأرضاهم - ورزقنا حسن الأدب معهم ، فأطلق الحق تعالى الأموال بطريق الإشارة على أسرار المعاني ، وأمر الشيوخ أن يرزقوهم منها شيئا فشيئا بالتدريب والتدريج ، وأن يكسوهم بالشرائع ، ويحتمل أن تبقى الأموال
___________
(1) راجع التعليق على تفسير الآية الثالثة من سورة النساء.
(2) ذكره بنحوه ابن كثير فى تفسيره ، وعزاه لابن أبى حاتم.
(3) ذكره الآلوسى فى تفسيره من رواية مجاهد وابن عمر عن أنس. وقال الطبرسي : (لى فى صحته شك). [.....]
(4) يحمل سوء الخلق هنا على ما يطعن فى العفة والحياء. وإلّا فظاهر هذا الكلام مخالف لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضى منها آخر»
(1/465)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 466
على ظاهرها ، ويكون أمر الشيوخ أن يمنعوا المريدين من أخذ الأموال قبل التمكين. أشار إلى هذا الورتجبي ، فانظره.
ثم ذكر الحق تعالى وقت دفع أموال اليتامى لهم ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 6]
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6)
قلت : الابتلاء : الاختبار ، و«آنس : » أبصر. والرشد هو كمال العقل بحيث يعرف مصالح نفسه وتدبير ماله من غير تبذير ولا إفساد. وإِسْرافاً وَبِداراً : حالان من «الواو» ، أو مفعولان لأجله ، و(أن يكبروا) مفعول ببدارا.
يقول الحق جل جلاله للأوصياء : واختبروا الْيَتامى قبل البلوغ بتتبع أحوالهم فى تصرفاتهم ، بأن يدفع لهم الدرهم والدرهمان ، فإن ظهر عليهم حسن التصرف زادهم قليلا قليلا ، وإن ظهر عليهم التبذير كفّ عنهم المال ، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، وهو البلوغ بعلامته ، فَإِنْ آنَسْتُمْ أي : أبصرتم مِنْهُمْ رُشْداً ، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله ، وإن لم يكن من أهل الدين - واشترطه قوم ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ حينئذ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا أي : لا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فتزول من يدكم ، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم ، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ عن أكلها فى أجرة قيامه بها ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر حاجته وأجر سعيه ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلم : أنّ رجلا قال له : إنّ فى حجرى يتيما أفآكل من ماله؟
قال : «بالمعروف ، غير متأثّل «1» مالا ولا واق مالك بماله».
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا فى قبضها منكم عَلَيْهِمْ ، فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة ، وهو ندب ، وقيل : فرض ، فلا يصدق فى الدفع إلا ببينة ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي : محاسبا ، فلا تخالفوا ما أمرتم به ، ولا تجاوزوا ما حدّ لكم.
وإنما قال : «حسيبا» ولم يقل : «شهيدا» ، مع مناسبته ، تهديدا للأوصياء لئلا يكتموا شيئا من مال اليتامى ، فإذا علموا أن الله يحاسبهم على النقير والقطمير ، ويعاقبهم عليه ، انزجروا عن الكتمان. والله تعالى أعلم.
___________
(1) أي : غير جامع.
(1/466)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 467
الإشارة : ينبغى للشيخ أن يختبر المريد فى معرفته وتحقيق بغيته ، فإذا بلغ مبلغ الرجال وتحققت فيه أوصاف الكمال ، بحيث تحقق فناؤه ، وكمل بقاؤه ، وتمت معرفته ، فيكون تصرفه كله بالله ومن الله وإلى الله ، يفهم عن الله فى كل شىء ، ويأخذ النصيب من كل شىء ، ولا يأخذ من نصيبه شيئا ، قد تحلّى بحلية الورع ، وزال عنه الجزع والطمع ، وزال عن قلبه خوف الخلق وهمّ الرزق ، واكتفى بنظر الملك الحق ، يأخذ الحقيقة من معدنها ، والشريعة من موضعها ، فإذا تحققت فيه هذه الأمور ، وأنس رشده ، فليطلق له التصرف فى نفسه ، وليأمره بتربية غيره ، إن رآه أهلا لذلك ، ولا ينبغى أن يحجر عليه بعد ظهور رشده ، ولا يسرف عليه فى الخدمة قبل رشده ، مخافة أن يزول من يده.
فإن كان غنيا عن خدمته فليستعفف عنه ، وليجعل تربيته لله اقتداء بأنبياء الله. قال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، وإن كان محتاجا إليها فليستخدمه بالمعروف ، ولا يكلفه ما يشق عليه ، فإذا دفع إليه السر ، وتمكن منه ، وأمره بالتربية أو التذكير فليشهد له بذلك ، ويوصى بخلافته عنه ، كى تطمئن القلوب بالأخذ عنه ، (و كفى بالله وليا وكفى به نصيرا).
ولما أمر الحق تعالى بحفظ أموال اليتامى أمر بحفظ أموال النساء ، وذكرهن بعدهم لمشاركتّهن لهم فى الضعف ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 7]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)
قلت : جملة مِمَّا قَلَّ .. إلخ ، بدل (مما ترك) ، و«نصيبا» : مصدر مؤكد كقوله : فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي :
نصب لهم نصيبا مقطوعا ، أو حال ، أو على الاختصاص ، أعنى : نصيبا مقطوعا.
يقول الحق جل جلاله : وإذا مات ميت وترك مالا فللرجال نصيب مما ترك آباؤهم وأقاربهم ، وللنساء نصيب مما ترك والدهن وأقاربهن كالإخوة والأخوات ، مما ترك ذلك الميت قل أو كثر ، (نصيبا مفروضا) واجبا محتما.
روى أنّ أوس بن ثابت الأنصارىّ توفّى ، وترك امرأة يقال لها : (أم كحّة) وثلاث بنات ، فأخذ ابنا عمّ الميت المال ، ولم يعطيا المرأة ولا بناته شيئا ، وكان أهل الجاهليّة لا يورّثون النّساء ولا الصغير ولو كان ذكرا ، ويقولون :
إنما يرث من يحارب ويذب عن الموروث ، فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو فى مسجد الفضيخ ، فقالت :
(1/467)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 468
يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات ، وترك بنات ثلاثا ، وأنا امرأته ، وليس عندى ما أنفقه عليهنّ ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، فدعاهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالا : يا رسول اللّه ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل سلاحا ، لا ينكأ عدوّا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «انصرفوا حتى أرى ما يحدث اللّه تعالى» ، فانصرفوا. فنزلت الآية. فأثبت الله لهن فى الآية حقا ، ولم يبيّن كم هو - فأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى سويد وعرفجة : «لا تفرقا من مال أوس شيئا ، فإنّ اللّه تعالى جعل لبناته نصيبا ، ولم يبيّن كم هو حتى أنظر ما ينزل اللّه تعالى» ، فأنزل الله تعالى بعد : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .. إلى قوله ... الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فأرسل إليهما : «أن ادفعا إلى أم كحة الثّمن ، وإلى بناته الثّلثين ، ولكما باقى المال».
الإشارة : كما جعل الله للنساء نصيبا من الميراث الحسى جعل لهن نصيبا من الميراث المعنوي ، وهو السر ، إن صحبت أهل السر ، وكان لها أبو الروحانية ، وهو الشيخ ، فللرجال نصيب مما ترك لهم أشياخهم من سر الولاية ، وللنساء كذلك على قدر ما سبق فى القسمة الأزلية ، قليلة كانت أو كثيرة ، نصيبا مفروضا معينا فى علم الله وقدره ، وقد سواهن الله تعالى مع الرجال فى آية السير ، فقال : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية ، فمن صار منهن مع الرجال أدرك ما أدركوا. وبالله التوفيق.
ثم أمر الورثة بالإحسان إلى من حضر معهم القسمة ، فقال :
[سورة النساء (4) : آية 8]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)
قلت : الضمير فى (منه) : يعود على المقسوم المفهوم من القسمة.
يقول الحق جل جلاله : وَإِذا حَضَرَ معكم فى قسمة التركة ذوو القرابة ممّن لا يرث ، كالأخوال والخالات والعمات ، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ ، فَارْزُقُوهُمْ أي : فأعطوهم شيئا من المال المقسوم تطييبا لقلوبهم.
فإن كان المال لغيركم ، أو كان الورثة غير بالغين ، فقولوا لهم قَوْلًا مَعْرُوفاً ، بأن تعلموهم أن المال لغيرنا ، ولو كان لنا لأعطيناكم ، والله يرزقنا وإياكم.
واختلف فى هذا الأمر ، هل للندب - وهو المشهور - أو للوجوب ونسخ بآية المواريث؟ وقيل : لم ينسخ ، وهى مما تهاون الناس بها. والله تعالى أعلم.
(1/468)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 469
الإشارة : يقول الحق جل جلاله لخواص أحبابه : إذا دارت الكؤوس بخمرة الملك القدوس ، وتعاطيتم قسمتها بين أرواحكم حتى امتلأت جميع أشباحكم ، وروت منها عروقكم ، وحضر معكم من ليس من أبناء جنسكم ، ممن لا يحل شرب خمرتكم ، فإن كان من أهل المحبة والوداد ، أو من له بكم قرابة واستناد ، فلا تحرموه من شراب خمرتكم ، ولا من نفحات نسمتكم ، فإنكم قوم لا يشقى جليسكم ، فارزقوه من ثمار علومكم ، واسقوه من شراب خمرتكم ، وذكّروه بالله ، وقولوا له ما يدله على الله ، ويوصله إلى حضرة الله ، وهذا هو القول المعروف ، الذي هو بال

تفسير البحر المديد سورة آل عمران

سورة آل عمران
مدنية. وآياتها : مائتان ، وقيل : مائة وسبع وثمانون. وكلماتها : ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة ، ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى فى أولها : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ... إلخ ، فكأنه تتميم لقوله ، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ، وتفسير له.
ومضمنها : توجيه العتاب لثلاث طوائف : للنصارى لغلوهم فى عيسى عليه السّلام ، ولامتناعهم من الدخول فى الإسلام ، وبسببهم نزلت السورة ، أعنى نصارى نجران ، ولليهود لتفريطهم فى اتباع النبي - عليه الصلاة والسلام - وللمسلمين لما وقع لهم من الفشل يوم أحد ، ولذلك افتتح السورة بذكر الكتب الثلاثة ، إذ لو قاموا بحقوقها ما توجه لهم عتاب ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)
قلت : فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان موجبه ومقتضيه ، فيوقف عليها بالسكون ، كقولهم :
واحد ، اثنان. وإنما فتح الميم هنا فى القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس رضي اللّه عنه : (الألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم ملكه).
قلت : ولعلّ كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجّه العتاب إليهم ، فالآلاء لمن أسلم من النصارى ، واللطف لمن أسلم من اليهود ، والملك لمن أسلم من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - ، فقد ملكهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها. واللّه تعالى أعلم.
يقول الحق جل جلاله : أيها الملك المعظّم ، والرسول المفخم ، بلّغ قومك أن اللّه واحد فى ملكه ، ليس معه إله ، ولا يحب أن يعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحي القيوم ، الذي تعجز عن إدراكه العقول ومدارك الفهوم ، قائم بأمر عباده ، متصرف فيهم ، على وفق مراده ، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين ، وأنزل عليهم الكتب بيانا للمسترشدين ، فنزّل عَلَيْكَ الْكِتابَ منجّما فى عشرين سنة ، متلبسا بِالْحَقِّ ، حتى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، أو متلبسا بالحجج التي تدفع كل باطل ، أو بالعدل حتى ينتفى به جور كل مائل ، مُصَدِّقاً لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار ، فكان شاهدا عليها بالصحة والإبرار.
(1/321)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 322 وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[سورة آل عمران (3) : آية 4]
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4)
من قبله هاديا لمن كلف باتباعها من الأنام ، أو للجميع ، إذا كان شرع من قبلنا شرعا لنا - معشر أهل الإسلام - ، ثم ختم الوحى بإنزال الْفُرْقانَ ، وكلف بالإيمان به الإنس والجان ، فرّق به بين الحق والباطل ، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدّم ذكره على الكتب لعظم شرفه ، وختم به آخرا لتأخر نزوله.
واللّه تعالى أعلم.
الإشارة : لمّا أراد الحق جل جلاله أن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات ، قدّم قبل ذلك رموزا وإشارات ، لا يفهمها إلا من غاص فى قاموس بحر الذات ، وغرق فى تيار الصفات ، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم ، ما تحار فيه الأذهان ، وتكلّ عنه عبارة اللسان ، فحينئذ يفهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات ، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات ، ويفهم أسرار الكتب السماوية ، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية ، والمواهب الربانية ، ويشرق فى قلبه أنوار الفرقان ، حتى يرتقى إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه.
ثم هدد من كفر بالفرقان ، بعد وضوح سواطع البرهان ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
قلت : الانتقام والنقمة : عقوبة المجرم. وفعله : نقم بكسر القاف وفتحها.
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه ، أو الآيات الدالة على وحدانيته ، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد ، فينتقم اللّه فيه من المجرمين ، ويتعطف على عباده المؤمنين ، فإن اللَّهُ عَزِيزٌ لا يغلبه غالب ، ولا يفوته هارب ، ذُو انْتِقامٍ كبير ولطف كثير. لطف اللّه بنا وبجميع المسلمين. آمين.
الإشارة : ظهور أولياء اللّه لطف من آيات اللّه ، فمن كفر بهم حرم بركتهم ، وبقي فى عذاب الحجاب وسوء الحساب ، تظهر عليه النقمة والمحنة ، حين يرفع اللّه المقربين فى أعلى عليين ، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين ، (ذلك يوم التغابن). واللّه تعالى أعلم.
ولمّا وصف الحق جلّ جلاله نفسه بالوحدانية والحياة والقيومية المقتضية للغنى المطلق ، وصف نفسه أيضا بالعلم المحيط والقدرة النافذة ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى 6]
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
(1/322)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 323
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ من أمر خلقه ، إيمانا أو كفرانا ، طاعة أو عصيانا ، أحاط علمه بما فى السموات العلى وما فى الأرضين السفلى ، كليا كان أو جزئيا ، حسيا أو معنويا ، يعلم عدد الحصى والرمال ، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال ، ويعلم حوادث الضمائر ، وهواجس الخواطر ، بعلم قديم أزلى ، وله قدرة نافذة ، وحكمة بالغة ، فبقدرته صوّر النّطف فى الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام ، وأتقنها بحكمته ، وأبرزها إلى ما يسّر لها من رزقه ، سبحانه من مدبر عليم ، عزيز حكيم ، لا يعجزه شىء ، ولا يخرج عن دائرة علمه شىء ، لا موجود سواه ، ولا نعبد إلا إياه ، وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الإشارة : من تحقق أن اللّه واحد فى ملكه ، لا شريك له فى ذاته ولا فى صفاته ولا أفعاله ، وأنه أحاط به علما وسمعا وبصرا ، وأن أمره بين الكاف والنون ، (إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما ، وسيده من خيره لا ينساه؟ من دبرك فى ظلمة الأحشاء ، وصوّرك فى الأرحام كيف يشاء ، وآتاك كل ما تسأل وتشاء ، كيف ينساك من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفى ذلك يقول لسان الحقيقة :
تذكّر جميلى فيك إذ كنت نطفة ولا تنس تصويرى لشخصك فى الحشا
وكن واثقا بي فى أمورك كلّها سأكفيك منها ما يخاف ويختشى
وسلّم لى الأمر واعلم بأننى أصرّف أحكامى وأفعل ما أشا
ثم وصف كتابه الفرقان بأنه مشتمل على ما هو محكم واضح البيان ، وعلى ما هو متشابه لا يعلمه إلا اللّه ، والراسخون من أهل العرفان ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 7 الى 9]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9)
(1/323)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 324
قلت : (منه) : خبر مقدم ، و(آيات) : مبتدأ ، فيوقف على (الكتاب) ، وقيل : (منه) : نعت لكتاب ، وهو بعيد.
قال ابن السبكى : المحكم : المتضح المعنى ، والمتشابه : ما استأثر اللّه بعلمه ، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه.
و(هن أم الكتاب) : جملة ، وحق الخبر المطابقة فيقول : أمهات ، وإنما أفرده على تأويل كل واحدة ، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ : الميل عن الحق. و(الراسخون فى العلم) : معطوف على (اللّه) ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر اللّه بعلمه ، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة ، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و(إذ هديتنا) : ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر ، أي : بعد هدايتك إيانا.
يقول الحق جل جلاله : إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية ، ولا يخفى عليه شىء فى العالم العلوي والسفلى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ المبين ، فمنه ما هو آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات المعنى ، لا اشتباه فيها ولا إجمال ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي : أصله ، يرد إليها غيرها ، وَمنه آيات أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي :
محتملات ، لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر ، ليظهر فضل العلماء النقاد ، ويزداد حرصهم على الاجتهاد فى تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها ، فينال بها ، وبإتعاب القرائح فى استخراج معانيها ، والتوفيق بينها وبين المحكمات ، أعلى الدرجات وأرفع المقامات.
قال فى نوادر الأصول : لمّا تكلم على المتشابه قسّمه على قسمين منه ما طوى علمه إلّا على الخواص كعلم فواتح السور ، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم ، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية ، ولو كشف لفسدت العبودية ، فطواه عن الرسل والملائكة لأنهم فى العبودية ، فإذا زالت العبودية احتملوها أي : أسرار القدر. ه. ولمثل هذا يشير قول سهل : للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة ، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم ، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. ه.
قلت : فتحصّل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه : أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ ، وقوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً معناه : أنه يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى وجزالة اللفظ.
ثم إن الناس فى شأن المتشابه على قسمين : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ : أي : شك ، أو ميل عن الحق ، كالمبتدعة وأشباههم ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ، فيتعلقون بظاهره ، أو بتأويل باطل ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي : طلبا لفتنة الناس عن دينهم : بالتشكيك والتلبيس ، ومناقضة المحكم بالمتشابه ، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ على ما يشتهون ليوافق بدعتهم.
(1/324)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 325
روى عن عائشة - رضي اللّه عنها - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال : «إذا رأيتم الذين يسألون عن المتشابه منه ، ويجادلون فيه ، فهم الذين عنا اللّه تعالى ، فاحذروهم ، ولا تجالسوهم».
(و ما يعلم تأويله) على الحقيقة (إلا اللّه) تعالى ، وقد يطلع عليه بعض خواص أوليائه ، وهم (الراسخون) أي : الثابتون فى العلم ، وهم العارفون باللّه أهل الفناء والبقاء ، وهم أهل التوحيد الخاص ... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه ، فلم يبق عندهم متشابه فى الكتاب ولا فى السنة ، حال كونهم (يقولون آمنا به) ، وصدقنا أنه من كلامه ، (كلّ من عند ربنا) المحكم والمتشابه ، وقد فهمنا مراده فى القسمين ، وهم أولو الألباب ، ولذلك مدحهم فقال :
(و ما يذكّر إلا أولوا الألباب) أي : القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغبش الحس.
سئل عليه الصلاة والسلام : من الراسخون فى العلم؟ فقال : «من برّ يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، وعفّ بطنه وفرجه ، فذلك الراسخ فى العلم». وقال نافع بن يزيد : الراسخون فى العلم : المتواضعون لله ، المتذللون فى طلب مرضات اللّه ، لا يتعظمون على من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم. ه. وقيل : الراسخ فى العلم : من وجد فيه أربعة أشياء : التقوى بينه وبين اللّه ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه. ه. قلت : ويجمع هذه الأوصاف العارف باللّه ، فهو الراسخ فى العلم كما تقدم.
ويقولون أيضا فى تضرعهم إلى اللّه : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى طريق الوصول إلى حضرتك ، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تجمع قلوبنا بك ، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ الجزاء الذي لا رَيْبَ فِيهِ ، فاجمعنا مع المقربين إنك لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ، فأنجز لنا ما وعدتنا فى ذلك اليوم. وخلف الوعد فى حقه تعالى محال. أما الوعد بالخير فلا إشكال ، وأما الوعيد بالشر ، فإن كان فى معيّن فلا يخلفه ، وإن كان فى الجملة فيخلفه بالعفو. واللّه تعالى أعلم.
وقال فى النوادر أيضا : لمّا ردّ الراسخون فى العلم علم المتشابه إلى عالمه ، حيث قالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ، خافوا شره النفوس لطلبها فإنّ العلم لذيذ ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب ، ففزعوا إلى ربهم فقالوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ... الآية. سكنوا نفوسهم لمجىء ذلك اليوم الذي تبطن فيه الحكمة ، وتظهر فيه القدرة. ه. بالمعنى.
الإشارة : إذا صفت القلوب ، وسكنت فى حضرة علام الغيوب ، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية ، والمواهب القدسية ، فمنها ما تكون محكمات المبنى ، واضحات المعنى ، ومنها ما تكون مجملة فى حال ورودها ،
(1/325)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 326
وبعد الوعى يكون البيان ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
.
وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتبعون المتشابه من تلك الواردات ، ابتغاء فتنة العامة ، وصرفهم عن طريق الخاصة ، وابتغاء تأويله ، ليقيم عليه حجة الشريعة ، (و ما يعلم تأويله إلا اللّه) ، أو من تحقق فناؤه فى اللّه ، وهم الراسخون فى معرفة اللّه ، يقولون : (آمنا به كل من عند ربنا) إذ القلوب المطهرة من الهوى لا تنطق عن الهوى ، وهم أرباب القلوب يقولون : (ربنا لا تزغ قلوبنا) عن حضرة قدسك (بعد إذ هديتنا) إلى الوصول إليها ، (و هب لنا من لدنك رحمة) تعصمنا من النظر إلى سواك ، (إنك أنت الوهاب) ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب فى الوصول إليه ، وهو يوم اللقاء ، (إنك لا تخلف الميعاد) فاجمع بيننا وبينك ، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك (إنك على كل شىء قدير).
ثم هدد أهل الزيغ والفساد ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 10 الى 11]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11)
قلت : (الوقود) بالفتح : الحطب ، وبالضم : المصدر ، (كذأب آل فرعون) خبر ، أي : دأبهم كدأب آل فرعون.
والدأب : مصدر دأب ، إذا دام ، ثم نقل إلى الشأن والعادة ، و(كذبوا) : حال بإضمار «قد» ، أو مستأنف ، تفسير حالهم ، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم.
يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزلته ، على نبينا محمد - عليه الصلاة السلام - ، إذا عاينوا العذاب لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ ، أي : بدلا من رحمته أو طاعته ، أو بدلا من عذابه ، شَيْئاً ، وأولئك هم حطب جهنم ، فشأنهم كشأن آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، قد كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي : أهلكهم ، وشدد العقوبة عليهم ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن أعرض عنه وركن إلى غيره.
الإشارة : كل من جحد أهل الخصوصية ، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية ، حتى حصل له الطرد والبعاد ، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد ، لن تغنى عنه - بدلا مما فاته - أموال ولا أولاد ، واتصلت به الأحزان والأنكاد كما قال الشاعر :
من فاته منك وصل حظّه الندم ومن تكن همّه تسمو به الهمم
(1/326)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 327
وقال آخر :
من فاته طلب الوصول ونيله منه ، فقل : ما الذي هو يطلب!
حسب المحبّ فناؤه عما سوى محبوبه إن حاضر ومغيّب
وقال آخر :
لكلّ شىء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض
وفى الحكم : «ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضى دونك بدلا ، ولقد خسر من بغى عنك متحولا». فكل من وقف مع شىء من السّوى ، وفاته التوجه إلى معرفة المولى ، فهو فى نار القطيعة والهوى ، مع النفوس الفرعونية ، وأهل الهمم الدنية. نسأل اللّه تعالى العافية.
ثم بدأ بعتاب اليهود ، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من المحكم والمتشابه ، توطئة للكلام معهم ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 13]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13)
قلت : لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من غزوة بدر غالبا منصورا بالغنائم والأسارى ، جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع ، وقال لهم : يا معشر اليهود ، اتقوا اللّه وأسلموا ، فإنكم تعلمون أنى رسول اللّه حقا ، واحذروا أن ينزل اللّه بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر ، فقالوا : يا محمد ، لا يغرّنّك لا أنك لقيت أغمارا لا علم لهم بالحرب ، لئن قاتلتنا لتعلمنّ أنّا نحن الناس. فأنزل اللّه فيهم هذه الآية.
يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد لِلَّذِينَ كَفَرُوا من بنى إسرائيل ، أو مطلقا : سَتُغْلَبُونَ إن قاتلتم المسلمين ، وَتُحْشَرُونَ بعد الموت والهزيمة إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ما مهدتم لأنفسكم من العذاب ، وقد صدق وعده بقتل قريظة ، وإجلاء بنى النضير ، وفتح خيبر ، وضرب الجزية على من عداهم. فقد غلبوا أينما ثقفوا ، وحشروا إلى جهنم ، إلا من أسلم منهم.
ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم : قَدْ كانَ لَكُمْ يا معشر اليهود ، آيَةٌ أي :
عبرة ظاهرة ، ودلالة على صدق ما أقول لكم : إنكم ستغلبون ، فِي فِئَتَيْنِ أي : جماعتين الْتَقَتا يوم بدر ، وهم
(1/327)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 328
المسلمون ، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر ، والمشركون كانوا زهاء ألف ، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم المؤمنون ، وَأُخْرى كافِرَةٌ ، وهم المشركون ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ أي : ترون ، يا معشر اليهود ، الكفار مثلى عدد المسلمين رأى تحقيق ، ومع ذلك أيدهم اللّه بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم ، وكذلك يفعل بهم معكم.
والرؤية ، على هذا ، علمية. ومن قرأ (بالياء) يكون الضمير راجعا للكفار ، أي : يرى الكفار المسلمين مثليهم ، وذلك بعد أن قللهم اللّه فى أعينهم حتى اجترءوا عليهم ، وتوجهوا إليهم ، فلما لاقوهم كثروا فى أعينهم حتى غلبوا ، مددا من اللّه للمؤمنين.
أو : يرى المؤمنون المشركين مثلى المؤمنين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ، ليثبتوا لهم ، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم اللّه بقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... الآية. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أي : يقوى بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره ، كما أيد أهل بدر ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ المفتوحة. وذلك حين نصر اللّه قوما لا عدد لهم ولا عدة ، على قوم لهم عدد وعدة ، فلم تغن عنهم من اللّه شيئا.
الإشارة : إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان ، أحدهما : جند الأنوار ، وهو جند القلب ، والثاني : جند الأغيار ، وهو جند النفس ، فيلتحم بينهما القتال ، فجند الأنوار يريد أن يرتقى بالروح إلى وطنها وهو حضرة الأسرار ، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات ، فيحبسها فى سجن الأكوان ، فإذا أراد اللّه تعالى سعادة عبد ، قوى له جند الأنوار ، وضعّف عنه جند الأغيار ، فينهزم عنه جند الأغيار ، ويستولى على قلبه جند الأنوار ، فلا تزال الأنوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة ، فيدخل حضرة الأسرار ، وهى حضرة الشهود ، ويتحصن فى جوار الملك الودود ، وتناديه ألسنة الهواتف : أيها العارف ، قل للذين كفروا ، وهم جند الأغيار : ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد اللّه خذلان عبده ، بعدله ، قطع عنه مدد الأنوار ، وقوى لديه جند الأغيار ، فتستولى ظلمة النفس على نور القلب ، فتحبسه فى سجن الأكوان ، وتسجنه فى ظلمة هيكل الإنسان ، (و اللّه يويد بنصره من يشاء). ففى التقاء جندى الأنوار والأغيار عبرة لأولى الأبصار.
ثم بيّن الحق تعالى مدد جند الأغيار ، والذي منع الأبصار من الاعتبار ، فقال :
[سورة آل عمران (3) : آية 14]
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
(1/328)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 329
قلت : (زين) : بحذف الفاعل ، وهو اللّه ، حقيقة إذ لا فاعل سواه ، أو الشيطان ، شريعة إذ هو منديل لمسح أوساخ الأقذار. والقنطار : المال الكثير ، وقيل : مائة ألف دينار ، وقيل : ملء مسك الثور. وروى عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : «القنطار : ألف دينار» ، وفى رواية : «ألفا دينار» ، وفى عرفنا اليوم : ألف مثقال.
والمقنطرة : المنضدة بعضها فوق بعض ، وسمى الذهب ذهبا لذهابه وفنائه ، أو لذهابه بالقلوب عن حضرة الغيوب ، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض أي : تنفرق ، أو تفرق القلوب لمن اشتغل بها. والمسوّمة : المعلمة أو الراعية أو المطهمة الحسان.
يقول الحق جل جلاله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ والركون إلى المألوفات ، حتى صرفهم ذلك عن النظر والاعتبار ، أو الشهود والاستبصار ، وذلك لمن وقف مع متعتها ، وغرته شهوة لذتها ، وأما من ذكرته نعيم الجنان ، وأعانته على طاعة الملك الديان ، فلم يقف مع متعتها ، ولا التفت إلى عاجل شهوتها ، بل نزل إليها بالإذن والتمكين ، والرسوخ فى اليقين ، فلا يشمله تحذير الآية لقوله - عليه الصلاة والسلام - : «حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث ...» الحديث.
وقال بعض الأولياء : [كل شهوة تحجب القلب عن اللّه ، إلا شهوة الجماع ] يعنى الحلال ، وقال الورتجبي :
ابتلاهم حتى يظهر الصادق بترك هذه الشهوات ، من الكاذب بالشروع فى طلبها ، قيل : من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن طريق الحق ، ومن استصغرها وأعرض عنها ، عوض عليها السلامة منها ، وفتح له الطريق إلى الحقائق. ه.
ثم بدأ برأس الشهوات فقال : مِنَ النِّساءِ وذلك لمن شغف بهن فصرف عن ذكر اللّه ، أو تناولهن على وجه الحرام. وفى الخبر عنه - عليه الصلاة والسلام - : «ما تركت فى الناس بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء».
وفى خبر آخر : «النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس». ومن ثمّ جعلن فى القرآن عين الشهوات ، قال تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ.
وقال بعض العارفين : ما أي الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء. وقال على رضى اللّه عنه : أيها الناس ، لا تطيعوا للنساء أمرا ، ولا تدعوهنّ يدبرن أمر عيش ، فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك ، وعصين المالك ، وجدناهن لا دين لهن فى خلواتهن ، ولا ورع لهن عند شهواتهن ، اللذة بهن يسيرة ، والحيرة بهن كثيرة ، فأما صوالحهن ففاجرات ، وأما طوالحهن فعاهرات - أي : زانيات - ، وأما المعصومات فهن المعدومات ، يتظلمن وهن
(1/329)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 330
الظالمات ، ويتمنعن وهن الراغبات ، ويحلفن وهن الكاذبات ، فاستعيذوا باللّه من شرارهن ، وكونوا على وجل من خيارهن ، والسلام. ه. «1»
وَالْبَنِينَ : قال - عليه الصلاة والسلام - : «إنهم لثمرة القلوب ، وقرّة الأعين ، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة». وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ : أي : المجموعة المنضدة ، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي : المعلمة : وهى البلق ، أو غيرها ، وفى الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، الأجر والمغنم». وعن أنس قال : (لم يكن شىء أحب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد النساء ، من الخيل). وعن أبى وهب الجشمي قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : «ارتبطوا الخيل ، وامسحوا بنواصيها ، وقلّدوها ، ولا تقلدوها الأوتار ، وعليكم بكل كميت «2» أغر محجّل ، أو أشقر أغر محجل ، أو أدهم أغر محجّل». وعن خباب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
«الخيل ثلاثة : فرس للرحمن ، وفرس للإنسان ، وفرس للشيطان ، فأما فرس الرحمن فما اتخذ لله فى سبيل اللّه ، وقوتل عليه أعداء اللّه ، وأما فرس الإنسان فما استطرق عليه - أي : ركب عليه فى طريق حوائجه ، وأما فرس الشيطان فما روهن عليه ، وقومر عليه». وفى البخاري ما يشهد لهذا.
ومما زين للناس أيضا : حب الْأَنْعامِ ، وهى الإبل والبقر والغنم ، إن شغلته عن ذكر اللّه ، ومنع منها حق اللّه ، وَالْحَرْثِ أي : الزراعة والغراسة ، ذلِكَ الذي ذكرت مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية الزائلة ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، أي : المرجع فى دار البقاء التي لا يفنى نعيمها ، ولا تنقطع حياتها إلى أبد الأبد.
الإشارة : كل ما يقطع القلب عن الشهود ، أو يفتّره عن السير إلى الملك المعبود ، فهو شهوة ، كائنا ما كان ، أغيارا أو أنوارا ، أو علوما أو أحوالا ، أو غير ذلك ، فالنساء الأغيار ، والبنون الأنوار ، والقناطير المقنطرة من الذهب علوم الطريقة ، والفضة علوم الشريعة ، والخيل المسومة هى الأحوال ، والأنعام الأذكار ، والحرث استعمال الفكرة.
فكل من وقف مع حلاوة شىء من هذا ، ولم يفض إلى راحة الشهود والعيان ، فهى فى حقه شهوة.
وبعد أن ذكر الحق تعالى أنواعا من الشهوات ، زهّد فيها فقال : ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قال أبو هاشم الزاهد رضي اللّه عنه : وسم اللّه الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريد بربه دونها ، وليقبل المطيعون بالإعراض عنها ، وأهل المعرفة باللّه من الدنيا مستوحشون ، وإلى اللّه مشتاقون. ه.
___________
(1) هذا الكلام مشكوك فى نسبته لسيدنا «على» كرم الله وجهه. ومن يستطلع تاريخ السلف الصالح يقف على أمثلة كثيرة وعديدة لنساء صالحات تفوقن على كثير من الرجال فى الصلاح.
(2) الكميت : مالونه بين السواد والحمرة.
(1/330)

البحر المديد ، ج 1 ، ص : 331
وقد تعوذ النبي صلّى اللّ&

غ

الأربعاء، 7 يناير 2026

تفسير إبن عجيبه سورة القدر

تفسير إبن عجيبه سورة القدر
سورة القدر

جزء : 8 رقم الصفحة : 330
يقول الحق جلّ جلاله : {إِنَّا أنزلناه في ليلة القدر} ، نوّه بشأن القرآن ، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة ، المنبىء عن كمال العناية به ، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره ، كأنه حاضر في جميع الأذهان ، وقيل : يعود على المقروء المأمور به في قوله : {اقْرَأْ} [العلق : 1] فتتصل السورة بما قبلها. وعظَّم الوقت الذي أنزله فيه بقوله : {وما أدراك ما ليلةٌ القَدْر} لِما فيه من الدلالة على أنَّ علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق ، لا يدريها إلاّ علاَّم الغيوب ، كما يُشعر به قوله تعالى : {ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهرٍ} أي : ليس فيها ليلة القدر ، فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه صلى الله عليه وسلم إلى درايتها ، فإنَّ ذلك مُعْرِب عن الوعد بإدرائها على ما تقدّم. وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم ما لا يخفى.
والمراد بإنزاله : إمّا إنزاله كله إلى سماء الدنيا ، كما رُوي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، ثم نزل نجوماً في ثلاثٍ وعشرين سنة ، وإمّا ابتداء نزوله ، وهو الأظهر. وسُميت ليلة القدر لتقدير الأمور فيها ، وإبراز ما قضى تلك السنة ، لقوله تعالى : {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)} [الدخان : 4] ، فالقَدْر بمعنى التقدير ، أو لشرفها على سائر الليالي ، فالقَدْر بمعنى الشرف ، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان على المشهورِ. لما رُوي أنَّ أُبي بن كعب كان يحلف أنها ليلة السابع والعشرين ، وقيل غير ذلك ومظان التماسها في الأوتار من العشر الأواخر. ولعل السر
331
في إخفائها تعرض مَن يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي في طلبها ، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى ، واسمه الأعظم ، وساعة الجمعة ، ورضاه في الطاعات ، وغضبه في المعاصي ، وولايته في خلقه ليحسن الظن بالجميع.
وتخصيص الألف بالذكر إمّا للتكثير ، أو لما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم ، فأُعطوا ليلةَ القدر هي خيرٌ من عمل ذل الغازي. وقيل : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم كافة ، فاستقصر أعمار أمته ، فخاف ألاّ يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم ، فأعطاه الله ليلة القدر ، جعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم. وقيل : كان مُلك سليمان خمسمائة شهر ، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر ، فجعل الله هذه الليلة لِمن قامها خيراً من ملكيهما.
(8/393)

جزء : 8 رقم الصفحة : 331
ثم بيّن وجه فضلها ، فقال : {تَنزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها} ، والروح إمّا جبريل عليه السلام ، أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ تلك الليلة ، أو الرحمة. والمراد بتنزلهم : نزولهم إلى الأرض يُسلمون على الناس ويؤمِّنون على دعائهم ، كما في الأثر. وقيل : إلى سماء الدنيا. وقوله : {بإِذنِ ربهم} يتعلق بـ " تنزلُ " ، أو بمحذوف هو حال من فاعله ، أي : ملتبسين بأمر ربهم ، أو : ينزلون بإذنه ، {من كل أمرٍ} أي : من أجل كل أمر قضاه الله تعالى لتلك السنة إلى قابل ، رُوي أنَّ الله تعالى يُعْلِم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام كله ، وقيل : يَبرز ذلك مِن علم الغيب ليلة النصف من شعبان ، ويُعْطَى الملائكةً ليلة القدر ، فلما كان أهم نزولهم هذا الأمر جعل نزولهم لأجله ، فلا ينافي كون نزولهم للتسليم على الناس والتأمين ، كما قال تعالى : {سلامٌ هيَ} أي : ما هي إلاَّ سلام على المؤمنين ، جعلها نفس السلام لكثرة ما يُسلِّمون على الناس ، فقد رُوي أنهم يُسلِّمومن على كل قائم وقاعد وقارىء ومُصَلِّ ، أو : ما هي إلاِّ سلامة ، أي : لا يُقَدِّر الله تعالى فيها إلاّ السلامة والخير ، وأمّا في غيرها فيقضي سلامةً وبلاء ، وقال ابن عباس : قوله : (هي) إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين ؛ لأنّ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة.
ثم ذكر غايتها ، فقال : {حتى مطلَعِ الفجر} أي : تنتهي إلى طلوع الفجر ، أو : تُسلِّم الملائكة إلى مطلع الفجر ، أو : تنزل الملائكة فوجاً بعد فوج إلى طلوع الفجر. و " مَطْلَع " بالفتح : اسم زمان ، وبالكسر مصدر ، أو اسم زمان على غير قياس ؛ لأنّ ما يضم مضارعه أو يفتح يتحد فيه الزمان والمكان والمصدر ، يعني " مَفْعَل " في الجميع.
الإشارة : أهل القلوب من العارفين ، الأوقاتُ كلها عندهم ليلة القدر ، والأماكن عندهم كلها عرفات ، والأيام كلها جمعات ، لأنّ المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان ، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى ، كما قال شاعرهم :
332
لولا شهود جمالكم في ذاتي
ما كنت أرضى ساعة بحياتي
ما ليلةُ القدر المعظَّم شأنها
إلاَّ إذا عمرَتْ بكم أوقاتي
إنَّ المحب إذا تمكّن في الهوى
والحب لم يحتج إلى ميقات
وقال آخر :
وكل الليالي ليلةُ القدر إن بدا
كما كلُّ أيام اللقا يومُ جمعةِ
(8/394)

جزء : 8 رقم الصفحة : 331
وسعيٌ له حجٌّ ، به كلُّ وقفةٍ
على بابه قد عادلت ألف وقفةِ
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : نحن ـ والحمد الله ـ أوقاتنا كلها ليلة القدر. هـ. لأنَّ عبادتهم كلها قلبية ، بين فكرة واعتبار ، وشهود واستبصار ، و " فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة " ، كما في الأثر ، بل فكرة العيان تزيد على ذلك ، كما قال الشاعر :
كلُّ وقت من حبيبي
قَدْرُه كألف حجه
وقد يقال : ثواب هذه العبادة كشف الحجاب ، وشهود الذات الأقدسن هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
333
(8/395)


جاري التحميل...