آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 3 يناير 2016

- أيام الله اليوم الأول: يوم الميثاق

عدد المشاهدات:
وهو اليوم الذي جمع الله فيه الأنبياء والمرسلين، واخذ عليهم عهدا موثقا، وعقدا قويا، شهد عليه الحق عزَّ وجلَّ وأشهدهم جميعا علية، بأن يؤمنوا برسول الله الخاتم، وأن ينصروه ويؤيدوه، وقد اخبرنا الله بهذا الميثاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، [81-82،آل عمران].
وإخبار الله لنا بهذا الميثاق، ليعلم الخلق أجمعون قدرا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنزلته من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأنه سيدهم وخاتمهم ورسولهم الذي امنوا به جميعا، ونصروه وتابعوه، ويشروا به أممهم، ودعوهم إلى الإيمان به مثلهم، حتى أن اليهود الذين كانوا يعيشون في الجزيرة العربية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، كانوا يستنصرون به، ويستفتحون به على أعدائهم، ويقولون لهم: سيبعث نبي قد أظلنا زمانه، نؤمن به ونتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، وكانوا ينعتونه لهم حسب ما جاء في كتبهم المقدسة: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، [89،البقرة].
وبفضل الله أبين معنى هذه الآية الشريفة على قدر ما فهمت منها، وفوق كل ذي علم عليم. فيقول الله لحبيبه ومصطفاه: أذكر يا محمد للمؤمنين وللناس جميعا هذا اليوم الذي أخذ الله فيه العهد والميثاق على جميع الأنبياء إليك، وذكرهم به وبين لهم هذا المشهد العظيم، ليزداد المؤمنون إيمانا بآيات الله، وبأيام الله، وبأخبار الله عزَّ وجلَّ، وليراجع الكافرون – من اليهود والنصارى وغيرهم – أنفسهم ويذعنوا لله ولرسوله، الذي أذعن له الأنبياء، وصدَّق به المرسلون من الأزل، وهم الذين تلقوا عن الله أحكامه ودينه ورسالاته، وبلغوها إليهم وإلى جميع العالمين، ومع ذلك فهم عليهم السلام أول من آمن به وصدقه ونصره، ولم يتأخر واحد منهم، وإن كنتم تزعمون أنكم أتباع الرسل والأنبياء من قبل، فهؤلاء هم الأنبياء والمرسلون أول المؤمنين به صلى الله عليه وسلم، فما لكم قد كفرتم وجحدتم به.
وهذه الآية الشريفة حجة قصمت ظهور الكافرين والمكذبين أجمعين، ولم يتبق لهم أدنى شبهه يتشبثون بها، وقد قطعت عليهم السبيل من كل جانب، وتركتهم في حيرة من أمرهم، وفي ظلمات لا يبصرون، لأنها معجزة لرسول الله  صلى الله عليه وسلم لم يستطيعوا إنكارها ولا معارضتها.
وأنه لشرف عظيم، وتكريم في غاية الإجلال والإعظام، لرسول الله، أن يتولى الله بنفسه أخذ هذا ميثاق له صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾، ولم يقل المرسلين، لأن النبوة تسبق الرسالة، ولأنهم أُكرموا بالنبوة في هذا المشهد. والنبوة في حقيقتها إخبار الله تعالى من اصطفاهم من خلقه بمعاني الغيب المصون، وبما أراده الله منهم ومن عباده من حقيقة الدين، الذي أوجبه الله عليهم وعلى الناس أجمعين، أما الرسالة فإنها تكون في عالم الكون، وفي الوقت الذي أقته الله لكل رسول، وفي القوم الذين أراد الله أن يرسله إليهم.
وقوله تعالى: ﴿ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾، يعنى بحق ما أعطيتكم ومنحتكم من كتاب وحكمه. والكتاب هو ما أنزله الله إليهم من الهدى والنور، والآداب والأحكام والوصايا، والحكمة هي ما أكرمهم الله به من الحلم والرحمة، والتواضع والصبر، والرضا والقوة والشجاعة في تبليغ الرسالة، ويجوز أن تكون الحكمة هي ما وهبهم الله إياه من العلوم والمعارف القدسية الخاصة، التي يأتنسون بها في أنفسهم، ويفيضونها على من أحبهم الله وتابعوهم بصدق وولاء، من أوصيائهم وأمنائهم وورثتهم.
وقد استحلفهم الله بالكتاب والحكمة لأنهما أجلُّ نعمة، وأعظم فضل، وأكبر عطاء أسعدهم الله به، وفضلهم به على سائر العالمين. فلم يكن هناك نعمة في الدنيا والآخرة أعظم من ذلك.
قوله تعالى ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾، وقد ذَّكر الله حبيبه في هذا المشهد الجليل بالرسالة، ولم يذكره بالنبوة كباقي الأنبياء، والرسالة معا، ذلك لنعلم انه صلى الله عليه وسلم رسول الله من القدم ومن الأزل، وانه في المشهد كان رسولا للأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين. وأنهم فعلا آمنوا به، وأسلموا له، وأقروا بفضله، وذلك لما جاءت دورة الكيان، وقام كل رسول بدعوة قومه إلى الله، وقابلتهم الشدائد والخطوب، كانوا يستغيثون برسل الله صلى الله عليه وسلم، ويتوسلون بجاهه إلى الله غز وجل، فينصرهم الله لأنهم عرفوا قدره ومكانته عند الله عزَّ وجلَّ يوم أخذ الميثاق عليهم. والتنوين في كلمه ﴿رَسُولٌ﴾، للتعظيم.
قوله تعالى: ﴿ ُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾،  من الكتاب والحكمة، يعنى مؤكد له، ومبين له، وكاشف لما التبس منه على الناس، وخصوصا ما غيرَّه وبدَّله وحرَّفه أهل الكتاب.
وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾، يعنى حضر إليكم. وقد حضر إليهم في اخذ ميثاق حقيقة لا تمثيلاً، ليشهدوه وليعرفوه فلا ينكروه بعد ذلك. وإني اعتقد والحمد لله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء إلى كل نبي ورسول في عالم الكون بحقيقته التي شهد عليها يوم الميثاق، لينصره ويثبته ويؤيده، ويُشْهِدَه من الأسرار والغيوب التي يتحقق بها كل منهم، أنه صلى الله عليه وسلم رسولهم وسيدهم وخاتمهم، وأنهم قد انتفعوا به، وتلقوا عنه، وتعلموا منه ما لم يكونوا يعلمون، ولا عجب في ذلك ولا غرابة فيه، فإن الأرواح الكاملة التي وهبها الله لرسله، لها طاقات وقدرات، تعجز عن إدراكها أرواح المؤمنين، ولو قرأت معي فول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [8،النمل].لرأيت العجب العجاب. وشهدت معي الأسرار وقد رفع عنها الحجاب، والله يرزق من يشاء بغير حساب.
قوله تعالى ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾، أي يا أيها الأنبياء بحق ما آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به ولتنصرنه. وكما أنه جاءكم مصدق لما معكم ومؤكد له، وناصر لكم على أعدائكم، وشاهد ببراءتكم مما نسبوه إليكم، وشاهد بصدقكم وتبليغكم ما أرسلتم به، فآمنوا به وصدقوه وانصروه كذلك.
وقد جعل الله شهادته صلى الله عليه مسلم للأنبياء في هذه الآية الشريفة وتصديقه لهم، في مقابلة إيمانهم به ونصرتهم له عليه الصلاة والسلام، ليكون هو صلى الله عليه وسلم مساوٍ لهم جميعا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وقال جلَّ شانه: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، [113،النساء].
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾، أي قال الله للأنبياء أأقررتم. والإقرار هو الاعتراف المتكرر من المعترف، لأن الإيمان يحتاج إلى التجديد وكثره الإقرار به من المؤمن، فإننا جميعا في كل وقت نكرر الإقرار بالإيمان، ونقول في الصلاة والأذان والإقامة، وغيرها من العبادات والأذكار، أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله. وإن هذا الاعتراف المتكرر هو قضية الإيمان الذي أمرنا الله به طول العمر، من غير فتور أو توقف. ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾، يعنى قبلتم عهدي، وعقدتم قلوبكم على الإيمان به ونصرته صلى الله عليه وسلم.
﴿قَالُواْ أَقْرَرْنَا﴾، أي قال الأنبياء عليهم السلام. أقررنا واعترفنا، وقبلنا ما عاهدتنا عليه. ﴿قَالَ فَاشْهَدُواْ﴾، أي قال الله لهم: فاشهدوا أي وقعوا على هذا الميثاق بأسمائكم، واشهدوا بذلك على بعضكم وعلى أنفسكم. ﴿وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾، يعنى المصدقين على شهادتكم، والضامنين لقيامكم بموجباتها، تعظيما لحق حبيبي لديكم، وواجبه عليكم.
ثم وجه الله الخطاب لأهل الكفر والعناد بقوله: ﴿فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والمعنى أن الذي يُعْرِض عن الإيمان بهذه الأخبار، وتلكم البيانات والحقائق، التي أخبر الله بها في هذه الآية الشريفة، وتولى عن الإيمان بها بعد ذلك، فإنه فاسق أي خارج على الله وآياته، وخارج على دين الله وتشريعاته التي فرضها الله على رسله وأنبيائه وعلى الناس جميعا يوم الدين.
وهذا اليوم كان أول الأيام التي اخبرنا الله بها، لأنه القاعدة الأولى في تقرير حقائق الإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر، ولأن أنبياء الله هم أصل هذا الوجود الإنساني، فأراد الله أن يصقل هذا الأصل بالمعارف والعلوم والمشاهد الحقَّة، لأنهم أمناء الله على خلقه، ورسله إليهم، وليكونوا قبل الرسالة من أهل الشهادة واليقين الأكبر، فتهون عليهم عظائم الأمور والمحن التي يلقونها في الدنيا. وليس من شهد ورأى كمن سمع وتلقَّى، ورسل الله قد فازوا بالأمرين، فشهدوا وعاينوا وتلقوا وسمعوا.
ولى ملاحظة في قوله تعالى: ﴿فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهي أن هذه الآية الشريفة، تشير إلى أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان وقت أخذ الله العهد له من الأنبياء غائبا عنهم في ستائر القدس الإلهي، وبعد أن أقر الأنبياء واعترفوا به صلى الله عليه وسلم، اشتاقوا لرؤيته علية السلام، فأشهدهم الله إياه، وأطلعهم عليه وقال لهم: ها هو ذا رسولي إليكم الذي عاهدتكم له، فاشهدوه وتمتعوا به، وتهنوا برؤيته وتلقوا عنه، وأنا معكم من الشاهدين، لأنه صورة حسنى وجمالي، ومعاني كمالي وجلالي.

وليس المراد باليوم هو اليوم الفلكي، وهو حركة الأرض أمام الشمس في أربع وعشرين ساعة، بل المراد هو الوقت الذي تم فيه هذا الميثاق عن الله عزَّ وجلَّ، وإن كان لم يدر أحد تحديد هذا الوقت، لأنه في أزل الله القديم، حيث لم يشهد هذا الميثاق إلا أنبياء الله صلوات الله عليهم أجمعين، وكانوا عند ذلك أرواحا قدسية في هياكل نورانية، تجاوزت العقل والمعقول، والرسوم والحدود والزمان والمكان، والله من ورائهم محيط. وما على المؤمنين إلا التصديق والتسليم لأخبار الله عزَّ وجلَّ، قائلين كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، [7،آل عمران].
منقول من كتاب أيام الله
لفضيلة الشيخ محمد على سلامه 
وكيل وزارة الاوقاف ببوسعيد
التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات:

شارك فى نشر الخير