آخر الأخبار
موضوعات

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

- كيف أحافظ على إبني من أصدقاء السوء؟

كيف أحافظ على إبني من أصدقاء السوء؟
الدور الذي نفتقده هو متابعة الأولاد، يعني الأب حالياً مشغول بالخارج وغير متابع لأولاده. لا، أنا أتابع ‏أولادي قدر استطاعتي وخاصة في الرُفقة، فاسأله: من تصاحب؟ وتمشي مع من؟ ‏
إبني شخصياً كان في الأزهر وكان في كلية الشريعة والقانون في طنطا، وكان متفوقاً، وكنت أسأله: من الذي ‏تجلس معه يا بني؟ يقول لي: مع فلان وفلان وفلان، فقلت له: أدْعُهُم على طعام الغذاء عندنا في يوم كذا ـ لأنني ‏أريد أنا أعرفهم، لأن الولد يكون على دين خليله - وأنا أرى كثيراً من الآباء يعاني من ذلك أشد العناء، ولا ‏يستطيع الولد أن يفعل شيئاً إلا برأى هذه الصُّحبة، حتى عندما يحتاج أبوه إلى شيء يقولون له: خذ رأي أصحابه!!، ‏فلا يسمع لكلام أبيه ويسمع لكلام أصحابه.‏
فعزمتهم وأحضرتهم، وصاحبتهم!!، وأصبح بيني وبينهم صداقة، وحتى وقتنا هذا مع أنهم قد تزوجوا إلا أنهم ‏إذا احتاج أحدهم لأمر يستشيرني في هذا الأمر، لماذا؟ لأنني وثَّقتُ بينه وبينهم أولاً، وعرفت أنهم يجلسون في أول ‏صفٍّ في المحاضرات في الكلية فاطمأننت عليهم.‏
فلابد للأب من المتابعة، وليس الموضوع دروساً والصلاة والصوم فقط!!، ولكن المهم هو الرُّفقة الصالحة ‏وخاصة مع وجود النت، والنت أصبح في اليد ولا يحتاج أن يأتي بالنت في البيت، ولكن يشتري باقة ومعه في أى ‏مكان!!، إذا كان زميله سيئاً فتكون هنا الخسارة لأنه سيرشده إلى مواقع النت وما فيها من مفاسد بأنواعها، فيضيع ‏الولد مني ولا أشعر. حتى ولو حاولت أن أفتِّش وأبحث في تليفونه فهم أذكياء في هذه المواضيع ويمسحون ما فيه ‏أولاً بأول، فإذا بحثت لا تجد شيئاً.‏
فتحتاج إلى مصادقته، ونمشي معه على منهج الإمام علي: (لاعبه سبعاً وأدِّبُه سبعاً وصاحبه سبعاً) - من لحظة ‏بلوغه أجعله صاحباً لي، وأنا ألوم كثيراً من الآباء أن الولد أو البنت يبلغ سن الرشد ولا يعرف شيئاً عن فترة ‏البلوغ إلا من أصحابه، ولماذا لا أعلمه؟ وأقول له: يا بني سيظهر عليك كذا وكذا وهذا من علامة البلوغ، ‏وسيحدث لك شيءٌ اسمه احتلام، وسيحدث لك شيءٌ اسمه استمناء، وسيحدث لك شيءٌ اسمه كذا. وأشرحها له ‏وأعلمها له لأنني مرشده، والآباء عاملين حداً فاصلاً شديداً بينهم وبين أولادهم، ولو حاول أن يتكلم يقول له: ‏عيب لا يصحُّ أن تتكلم في هذا الأمر.‏
فإذا وجد الولد صدوداً من ذلك يتكلم مع أصحابه، وأصحابه يضللوه!!، ويمشي في طريق آخر خاطئ، ‏والبنت بنفس الكيفية.‏
أنا أريد أنا أصاحبه، وأقول له: تعالى اليوم نزور فلاناً، أو تعالى اليوم نحضر هذا الفرح، أو تعالى يا فلان ‏نذهب للصلاة في المسجد، ونتعوَّد أن نمشي مع بعضنا، ونصاحب بعضنا، وأشاوره في أمور البيت حتى أُعطيه ‏الفرصة. والرجوع لهذا المنهج هو المطلوب في زمننا هذا، لأن التربية في غاية الصعوبة مع الوسائل العصرية الخطيرة، ‏والخطيرة جداً والتي فاقت الحد.‏
النت أين هو الآن؟!!، موجود في اليد، وهو يفِّر مني، وإن لم يقصد شيئاً يأتيه، وبدون المواقع هم ينزلوها ‏بدون شيء الآن، وماذا يفعل؟!!، إن لم يكن الحاجز من داخله فيكون الحفيظ هو الله جلَّ في علاه. ‏
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم
منقول من كتاب { نوافـــــــــل المقربيـــن } لفضيلة الشيخ / فوزى محمد أبو زيــــــــــــــد .

- العلم عبادة الأنبياء والمرسلين

العلم عبادة الأنبياء والمرسلين 
اسمـــــــــــــــــعوا لهذا الحديث وعوه:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

{ مَنْ غَدا إِلى المسْجِدِ لا يُرِيدُ إِلا أَنْ يتَعلَّمَ خَيْراً، أَو يُعَلِّمَهُ، كان له أجْرُ حاجٍّ تاماً حجَّتَهُ } (1) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: { مَنْ جاءَ مَسْجِدَنا هذا يَتَعَلَّمُ خَيْراً وَيُعَلِّمُهُ، فَهو كالْمجَاهِدِ في سَبيلِ الله } (2) .

أى الذي يأتى إلى المسجد كي يتعلم يكتب له أجر حجة تامة كاملة .. كم ينفق الواحد منا ليحظى بهذا الأجر عندما يحج؟ وكم يبذل من التعب والعناء ليحظى بأجر الحج ؟ !!! كل ذلك وهو لا يعلم إن كانت حجته بعد هذا تامة وكاملة! أم ناقصة!

ولكن من جاء المسجد للعلم فقد حظى بهذا الأجر بفضل الله تاما غير منقوص! من غير تعب ولا عناء ولا شقاء ولا مصاريف ولا فلوس ! ومن يأتى المسجد كي يُعلّم؛ كذلك يكتب له خيرٌ من عبادة ستين سنة.

وهنـــــــــــــــــــــــــــــا إشارة ... لماذا ذكر صلى الله عليه وآله وسلم الإثنين ؟

لأنه كما قلنا فإنك تعلم وتتعلم ...فلا يوجد معلم وفقط! .. فسيدنا موسى -عليه السلام- عندما قال له بنو اسرائيل: من أعلم الناس يا موسى؟ قال: أنا! عاتبه الله -
عزّ وجلّ- على ذلك لأنه لم ينسب العلم إلى العليم سبحانه وتعالى ، ومع أنه نبي! وكليم! إلا أن الله - عزّ وجلّ - أمره أن يذهب إلى عبد متواضع متوارٍ! كالذين يقول فيهم الرءوف الرحيم صلى الله عليه وآله وسلم :
{ أَلاَ أُخْبِرُكَ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَىٰ. قَالَ: رَجُلٌ ضَعِيفٌ، مُسْتَضْعَفٌ، ذُو طِمْرَيْنِ، لاَ يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ } (3) .
وكان العبد على هذا المثال وقد مشى سيدنا موسى إليه وعندما سارا معا رأيا عصفوراً نقر نقرتين فى البحر فقال العبد لموسى كما جاء :
{ مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ } (4) . { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } .[ يوسف : 76] .

-------------------------------------------------------------
(1) رواه الطبرانى فى الكبير عن أبى أمامة رضى الله تعالى عنه .
(2) رواه الحاكم فى المستدرك عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه .
(3) رواه ابن ماجة عن معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه .
(4) رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما .
-----------------------------------------------------------
منقول من كتاب { نوافـــــــــل المقربيـــن } لفضيلة الشيخ / فوزى محمد أبو زيــــــــــــــد .

- Islam and Economy

Islam and Economy
There are lots of unfair appeals supported by enemies of Islam and those who fear it, they want to make the Qur'an only a book for worship and to separate religion from life, whereas the Noble Qur'an is a book for life.
Economy is the artery of this life, the basic for developing the society and the sign for the progress of its individuals, how could we separate it from religion? It guides and organizes all these matters. The Islamic view upon economic and social life is an integral view that can't be separated from its view for human life as a whole under the sovereignty of Sharia (Quran and prophet's Sunna).
The principles of Islamic economy is that it never deprive natural instinct of possessing among Muslims, but it refines and guides it for the protection of man himself as well as his society. Islam doesn't enchain the creative power of individuals for developing life, but it encourages them to produce, innovate, construct and progress on condition that all this is legal, without wastefulness and they should thank Allah for it.
Islam doesn't equalize people according to their possessions, but equalizes them in their rights and human dignity, it gives the weak rights from the strong to make them strong, it gives the poor a share from the wealth of the rich to support them, so weakness and poverty that are the enemies of economic progress are no longer existed in Muslim society, this also removes envy and hatred which are the enemies of social peace. Besides it encourages the poor to work hard and not to beg, so Islam urges all the work force in society, men and women to work and not to beg people, it also fights unemployment and laziness, it makes the whole society one integrated structure supporting each other for production.

الاثنين، 23 أكتوبر 2017

- أخلاق راقية ومعانى سامية

الامام المجدد محمد ماضي أبو العزائم

نسبه: سليل أهل البيت، حسني (أي من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب) من جهة والدته، حسيني (من ذرية الحسين بن علي) من جهة والده.
مولده: ولد يوم الاثنين 27 رجب سنة 1286هـ الموافق 2/11/1869م بمسجد سيدي زغلول برشيد.
وظائفه: عمل بالتدريس، ثم تدرج في سلك الوظائف حتى صار أستاذا للشريعة الإسلامية بجامعة الخرطوم.
إقالته من وظيفته: كان يرى أن أهم وظائف الرجل الديني الإرشاد والنصيحة للحاكمين، بل لعامة الناس، والتحذير من الوقوع في حبائل الاستعمار فأقصاه الحاكم العام الإنكليزي من وظيفته في يوم الأحد 19 رمضان سنة 1333هـ الموافق 1/8/1915م
مطالبته بعودة الخلافة: بعد أن قررت الجمعية الوطنية بأنقرة في يوم الأحد 26 رجب 1342هـ الموافق 2/3/1924م إلغاء الخلافة الإسلامية، دعا لتأسيس جماعات للخلافة الإسلامية بجميع أنحاء العالم الإسلامي، وانتخب رئيسا لجمعية الخلافة الإسلامية بمصر في يوم الخميس 13 شعبان 1342هـ الموافق 20/3/1924م، وناب عن شعب مصر في حضور مؤتمر الخلافة الإسلامية الذي انعقد في مكة المكرمة سنة 1344هـ 1926م في أشهر الحج.
دعوته: أسس جماعة آل العزائم سنة 1311هـ الموافق 1893م والطريقة العزمية سنة 1353هـ الموافق 1934م ومقرهما 114 شارع مجلس الشعب بالقاهرة.
تراثه: تذخر المكتبة الإسلامية بمئات الكتب من تراثه في التفسير، والفقه، وعلم الكلام، والتصوف، والفتاوى، والسيرة، والمواجيد.
انتقاله: انتقل إلى الرفيق الأعلى ليلة الاثنين 27 رجب سنة 1356 هـ الموافق 3/10/1937م وروضته بمسجده بشارع مجلس الشعب بالقاهرة.
أيا رفقة بالحق للحق صدقوا
ويا خلة للـه باللـه وفقوا

أيا سادة ذاقوا رحيقاً مقدساً
على منهج الصديق سادوا ورافقوا

وإخوان صدق بالعزيمة بادروا
لرشف مدام الحق حتى تحققوا

ويا عصبة المختار يا نجدة الـهدى
ومن بكمو  في منهج الحق رافقوا

ويا أولياء اللـه يا أهل وده
ومن لهمو المختار قد يتشوق

ومن خصصوا من سيد الرسل بالصفا
ومن هم بحاراً للـهدى تتدفق

أيا نخبة الرحمن أهل اختصاصه
ومن وجدهم خلق به لا َتَخُّلق

ومن خصصوا منه بفضل ورحمة
ومن هم شموس للأخلاء ترمق

ومن شاهدوا الآيات في كل مظهر
بأعين تسليم بها النور مشرق

أيا رفقتي يا  خلتي يا أحبتي
على العروة الوثقى فسيروا ورافقوا

إليكم إشاراتي فذوقوا سلافها
تحاببتمو في اللـه باللـه صادقوا

ألا فاجتماعا بالقلوب وألفة
وعونا على عمل المكارم تلحقوا

وإياكمو  أخلاق إبليس إنها
لقد أبعدته وهو طاووس رامق

دعوا الكبر والحسد القبيحين سادتي
دعوا طمعاً فيما يزول وسابقوا

وستراً لعورات الأحبة كلـهم
وعفواً عن الذلات فالعفو  أرفق

وغضو ا عن المكروه أعين عفة
وجودوا ببشر فالسماحة رونق

وإياكمو  وعدوكم سوء خلقكم
وطَمعاً وحب الجاه فهو يفرق

توادوا بروح اللـه باللـه وابذلوا
لإخوانكم بشر اللقا وتعانقوا

نصيحتكم بالرفق والحسن فابذلوا
لإخوانكم عند اللزوم وخالقوا

وكفوا عن التنفير واسعوا لجمعكم
على اللـه فالدنيا متاع مفارق

ألا من يكن في قلبه بعض ذرة
من الكبر والأحقاد ما هو ذائق

ألا طهرو الأخلاق والنفس زكها
وإلا فسهم البعد يرمي فيفتق 

ألا يا أخي بالذل ترقى وترفعن
وبالزهد تعطي ما لـه تتشوق

ويا صاحبي بالجد والعزم جاهدن
لتشهد ملكوتاً به الحق مشرق

ويا أيها الصديق يا مظهر الـهدي
بحالك ماضي العزم يمحي المنافق

ويا أيها الباب الذي نوره جلا
لرين خفا وبه أضاء المشارق

ويا أيها الفاني الذي حبه محى
معالمه في الحق والقلب يخفق

ويا أيها المحبوب مطلوبنا لنَا
ومن هو فان عن سوانا محقق

ويا أيها الراجي لوصل ونظرة
فظاهره يشتاق والروح أشوق

ويا باذلا ما في يديك تقربا
لنيل الرضا ولطيبهم تتنشق

ويا باذلا للنفس بيعاً بهمة
وبُشَّرَ   منهم بالقبول وصادقوا

تخلق بأخلاق الإلـه وحافظن
على منهج المختار في العقد تنسق

وكن ماضي العزم الذي لا يشوبه
شوائب تدليس وبالحق ناطق

ودع عنك ميلاً للحضيض وزينة
بها اشتغل اللاهون عنه ونافقوا

وقم داعيا بلسان حكمته الذي
به قد حباك اللـه وهو الموفق

ولا تسع في التفريق واجمع به لـه
عليه أولي التسليم إذ أنت واثق

فماضيكمو  الراجي بفضل محمد
أخوة طه هل مراد موافق

وقد صح (واشوقاه) منه لـهم به
فلبوا بعزم فالملبي موفق

وَهَا أنا (واشوقاه) مني لـه به
وَلولا اشتياقي كادت الروح تزهق

إذا كان منه الإشتياق لنَا بِه
فأولى بنا للوجد فيه نسابق

فقد خصنا المختار بالشوق خلتي
فشوقا لـه شوقا لـه لا يفارق

فهيا بصدق في العزائم وانهضوا 
لنيل أخوته به فهي أوفق

فهذا زمان الصدق في نصرة الـهدى
وأيام أهل العزم أين المصدق

ألا سارعوا أحيوا لسنة أحمد
ففتنة هذا العصر كالنار تحرق

ألا  أطفئوها باليقين تجردوا
عن الحظ والأهواء  فالحظ مفرق

وَجِدُّوا وجُودُوا بالنفوس تحفَظنَ
على السنة الغراء فاللـه خالق

ألا أيها الإخوان إن خشوعكم
وإخباتكم للـه من هو رازق

ألا بعتموا للـه مالا وأنفساً
بمفهوم (إن اللـه) والذكر ينطق

ألا حققوا واستبشروا يا أحبتي
ببيعة رضوان من اللـه تسبق

وعلما بأن الدين حسن عقيدةٍ
وخلق وأعمالٍ بها الذكر ناطِق

معَاملة تقضي بأن جميعنَا
بنور وإعظام بذاك تحقق

أعُبْادَ رب العرش سيروا برحمة
تكونوا بها أبناء طه تحققوا

بأنفسنا أولى بمحكم آيه
فداك نفوس طيبات وأنيق

فدا سنة المختار  مال وأنفساً
لتحفظها من كل غر ينافق

ألا عزة منكم على كل كافر
سعا منكرا للحق يرجو  يفرق

وكونوا أذلاء على كل مؤمن
ليجمع بالتوفيق هذا المفرق

ألا خلصوا الأرواح من سجن نأيها
وجودوا لتزكية النفوس وسابقوا

ألا جاهدوا تلك النفوس بهمة
تفوزوا برضوان من النار تعتق

ألا أسعدوني باجتماع وألفة
على منهج المختار فالنور مشرق

ولا تيأسوا من رحمة اللـه إخوتي
ومن نصره فاللـه بالعبد يرفق

على سنة المختار سيروا بهمة
عسى اللـه يحيينا به ويوفق

عساه بحول منه يمنحنا الـهدى
ويحيي بنا أسرارها ويحقق

ويمحو بنا البدع التي عم نشرها
لتشرق شمس العين والشرق مشرق

ويمحو بنا الإلحاد والبغي والجفا
وتشرق شمس الدين والنور مشرق

ألا فابغضوا من أكد اللـه بغضه
أحبوا بحب اللـه والحظ فارقوا

ألا فاحفظوا الأركان أركان ديننا
صلاة صياما ثم حجا تصدقوا

أديموا لذكر اللـه فالذكر نوره
لأهل الـهدى، والغي لا شك فارقوا

توادوا بروح اللـه فيه تزاوروا
تحابوا بحب اللـه فيه ترافقوا

ألا عظموا لشعائر اللـه تعظموا
بها وتسودوا في القيامة تسبقوا

وإني عبد خاضع أرتجي الرضا
وأرجو بفضل اللـه في العقد أنسق

بعقد المعية آخر الفتح بينت قبلتي 
وأوصاف أهليها بها أتحقق

ظلوم لنفسي بل جهول وغافل
ولكنني في اللـه بالعفو واثق

إلـهي بفضل منك عفوا وتوبة
بها تمح  أوزاري وفضلا أوفق

إلـهي إلـهـي مذنب ومقصر
غريب فقير في الضلالة غارق

تفضل على ماضي إلـهي بنظرة
بأعين إحسان بها الفضل يغدق

توسلت بالمختار طه وحزبه
وأنصاره من للـهداية سابقوا

بآيات فرقان بوصف حنانة
أفض منك بحر الجود لي يتدفق

وجد لي وإخواني وأهلي جميعهم
بمحض العطايا والـهبات تسابق

إلـهي على طه الحبيب محمد
أفض غيث صلوات بها القلب يشرق

وآل وأصحاب كرام أئمة
ومن تابعوا المختار بالحال صدقوا

- من امراض العصر التطرف الفكري وانفلات الأخلاق

مخاطر التطرف الفكري وانفلات الأخلاق 
خطبة جمعه لفضيلة الشيخ فوزي محمد ابوزيد 
الحمد لله رب العالمين، نحمده عزَّ وجلَّ على ما أعطانا حيث اختارنا وجعلنا من أمة الإسلام، وكتب في قلوبنا الإيمان والصدق والإخلاص، وجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين،
سبحانه سبحانه، قلوب العباد بيديه، يغير ولا يتغير، ويحوِّل ولا يتحوَّل، وبيد وحده تصريف القلوب والأمور.
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8آل عمران).
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له خلق خلقاً وجعلهم أنصاراً لشريعته، وأتباعاً لخير بريته، وكتب لهم في الدنيا هدايته، وفى الآخرة سعادته
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أمره الله عزَّ وجلَّ بتبليغ رسالته، والدعوة إلى العمل بشريعته، وأن يجاهد الكفار ومن يعاونهم ممن حولهم من المنافقين لأنهم أضرُّ على المؤمنين من الكافرين،
وقال له عزَّ وجلَّ في شأنهم:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73التوبة).
اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي حمَّله مولاه في الدنيا لواء هدايته، وفى الآخرة لواء شفاعته، وفى الجنة لواء أهل سعادته، صلى الله عليه وعلى آله الذين اقتدوا بهداه، وأصحابه الذين آزروه ونصروه في شرع الله، وأتباعه المباركين الذين سلكوا على هداه واجعلنا منهم أجمعين آمين يا رب العالمين.
أيها الأخوة جماعة المؤمنين:
ما ترك الله عزَّ وجلَّ المبين شيئاً يهم أمور المؤمنين في دنياهم، ولا شيئاً يبلغهم رضا الله والفوز بجواره في أخراهم، إلا ووضحه لهم في كتاب الله، وبينه بأبلغ بيانٍ في كلمات الله جلَّ في عُلاه، لأن المؤمنين دائماً وأبداً يتسمون بطيبة القلب وسلامة الفؤاد، فيُخدعون بمن يخدعهم بظاهره.
كان سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، رجلاً من المؤمنين طيب القلب سليم الفؤاد، وكان يشترى العبيد، فكانوا يتظاهرون بطاعة الله والصلاة والصيام، حتى يرقَّ قلبه لهم فيعتقهم لوجه الله عزَّ وجلَّ، فيقولون له: إنهم يخدعونك، فيقول رضي الله تبارك الله تعالى عنه وعن أبيه:
[من خدعنا بالله عزَّ وجلَّ انخدعنا له].
نبَّه الله عز وجل النبي وأصحاب النبي وأتباع النبي إلى يوم الدين أن العدو الأشرس في حربه للمسلمين في كل وقتٍ وحين هم طائفة يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، يظهرون المحبة ويبطنون البُغض، يظهرون المودَّة ويبطنون الحقد والحسد، ولأنهم بين المسلمين يعرفون خفاياهم ويطلعون على كل عوراتهم وكل أمورهم فيكونون أشد عليهم من الكافرين ولذلك قال للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن حوله ولنا أجمعين:
هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4المنافقون).
هذه الطائفة الذين تظاهروا بالإسلام لكنهم في قلوبهم لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون برسول الله، ولا يؤمنون بكتاب الله وإنما كفارٌ وإن تظاهروا بغير ذلك لخداع المؤمنين والمؤمنات، جعلهم الله عزَّ وجلَّ في الآخرة في أسفل قاع النار، فإن الله عزَّ وجلَّ جعل الجنة درجات:
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله (163آل عمران).
والدرجات للصعود، وجعل لجهنم دركات، والدركات السلالم التي تهوى إلى أسفل، فجعل في أسفل هذه الدركات المنافقين:
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاسْفَلِ مِنَ النَّارِ (145النساء).
لأنهم خدعوا الله ورسوله، وخدعوا المؤمنين.
هؤلاء القوم حذَّر الله عزَّ وجلَّ النبي وأصحابه منهم، ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم يحرصون كل الحرص على أن ينزهون أنفسهم من الوقوع في هذا الجُرم العظيم وفى هذا الإثم الكبير، فكانوا يحرصون أشد الحرص حتى كان أحدهم إذا سُئل هل أنت مؤمن؟ يقول: مؤمنٌ إن شاء الله ولا يجزم لنفسه بالإيمان، لأنه يعلم أن الإيمان يلزم لكي يشهد لنفسه به أن يعلم أنه معه حتى حُسن الختام حتى يتوفاه الله مسلماً ويلحقه بالصالحين.
وقد علمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا الله عزَّ وجلَّ الثبات على الإيمان، لأن هذا أمرٌ متعلقٌ بحضرة الرحمن عزَّ وجلَّ، إذا كان النبي بذاته صلوات ربى وتسليماته عليه، كان يقول عقب كل صلاة:
(الله يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك يا ألله).(1)
ووجهنا إلى أن نرددها عقب كل صلاة، لأن ثبات القلوب لا يكون إلا من حضرة الله جلَّ في عُلاه.
وأصل هؤلاء أن رجلاً من الأنصار ـ وكان الأنصار قبيلتين في المدينة هم الأوس والخزرج، وكان بينهما حروبٌ مستمرة، وفى نهاية المطاف اتفقوا على أن تنتهي النزاعات والحروب فيما بينهم وأن يكون أمرهم جميع، واختاروا واحداً من عظمائهم ليكون ملكاً عليهم، هذا صادف قبل استلامه الملك مجيء الإسلام ومجيء النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى المدينة.
فكوَّن كتيبة من المنافقين حوله يكيدون للنبي ويتفننون في إيذاء النبي ويدعون المؤمنين الصادقين في أوقات الشدائد للتخلي عن النبي، وينشرون الشائعات على المسلمين وعلى النبي، ليبلبلوا أفكار الناس ويُزعزعوا ما في نفوسهم من الإيمان بالواحد الأحد عزَّ وجلَّ، وكلما تحدث الرسول صلى الله عليه وسلَّم عن هذا الرجل وهو عبد الله بن أبىّ بن سلول.
قال له الصادقين من الأنصار:
يا رسول الله أعذره فإن التاج قد صُنع له وكان سيضعه على رأسه، وأنت بمجيئك إلى المدينة قد حرمته من هذا التاج، فكان يصبر عليه النبي صلى الله عليه وسلَّم، وذات مرةٍ قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أقطع هذا المنافق، قال:
(لا يا عمر ماذا يتحدث الناس عنى؟ أيقولون إن محمدٍ يقتِّل أصحابه؟).
وكان ابنه رجلٌ من الصالحين فسمع بما يتهامس به أصحاب النبي فجاء إليه وقال له: يا رسول الله لو قتل رجلٌ مؤمنٌ أبى لم ترضى نفسي أن أرى قاتل أبى يمشى أمامي فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر، يا رسول الله ائذن لي أن أقطع عنق أبى حتى لا أقتل مؤمناً بكافر، فقال صلى الله عليه وسلَّم: لا ورفض ذلك ونهى عن ذلك صلوات ربى وتسليماته عليه.
فكان أصحابه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين يحرصون على معرفة أوصاف هؤلاء المنافقين، والله عزَّ وجلَّ فيما أنزل من القرآن أنزل ثلاثين سورة في المدينة منها سبعة عشر سورة في المنافقين، حتى قال بعض العلماء:
كاد القرآن كله ينزل في المدينة في المنافقين، يعرف بأوصافهم حتى ينزِّه المؤمنون أنفسهم عن هذه الأوصاف، ويبتعدون عمن فيهم هذه الأوصاف وأمرهم أمراً صريحاً فقال عزَّ وجلَّ في قرآنه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119التوبة).
وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم يقسِّم الأعمال والأسرار بين أصحابه، فجعل في حضرته سكرتيراً خاصّاً أطلعه على المنافقين وألقابهم وهو وحده الذي يعرفهم، وكان اسمه حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه ـ ولأنه يعرف ذلك ـ إذا جيء بجنازة إلى المسجد ينظر إلى حذيفة، فإن قام حذيفة ليصلى عليها، دخل عمر فصلى عليها، وإن امتنع حذيفة عن الصلاة عليها امتنع عمر، لأن الله قال لحبيبه على هؤلاء:
وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا (84التوبة).
نهاه حتى عن الصلاة عليهم لأنهم في قلوبهم الكفر وإن كانوا يظهرون أعمال أهل الإسلام، وجاء عمر مرة ليصلى على رجلٍ منهم فناداه حذيفة:
يا أمير المؤمنين إنه منهم فلا تصلى عليه، فقال له عمر: وأنا منهم؟
أنظر إلى الصادقين مع الله ـ قال وهل وأنا منهم؟ قال: لا ولن أصرِّح بذلك لأحدٍ بعدك أبداً.
هؤلاء المنافقين يا أحبة هم الطابور الخامس الذي يرتع في هذه البلاد وبين هذه العباد، وهو الذي أشد علينا من الكافرين والمشركين لأنهم يعلمون كل شيء عن المسلمين وعن المؤمنين، وهم من يُسمَّى في عصرنا هذا بالجواسيس الذين يتجسسون على أحوال المؤمنين ويذيعونها للكافرين والمبغضين.
والطامة الكُبرى والتي ظهرت في عصرنا والتي نهى عنها نبينا صلى الله عليه وسلم ، أنه نبَّه أن هناك نوعٌ من النفاق سُمَّى بالنفاق الأصغر، والنفاق الأصغر هو أن يكون المرء مسلماً ومؤمناً ومُصلياً وصائماً وعابداً لله، لكن يروج أفكار فيها أوصافٌ وصف النبي صلى الله عليه وسلم أن من يتصف بها بأنه فيه صفة من صفات المنافقين، وكل مشاكل مجتمعنا الآن فيما بيننا بسبب تمسك البعض بهذه الأوصاف التي نهى عنها نبينا الكريم صلوات ربى وتسليماته عليه.
كأن يتصف بالكذب، والنبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:
(جُبل المؤمن على كل شيء إلا على الكذب والخيانة).(رواه احمد عن أبي أمامة رضي الله عنه)
ليس عند المؤمن كذباً ولا خيانة، وقيل يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً؟
قال: (قد يكون، قيل أيكون المؤمن بخيلا؟ً قال: قد يكون قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا المؤمن ليس بكذاب المؤمن ليس بكذاب المؤمن ليس بكذاب). (مالك في الموطأ والبيهقي في الشعب عن صفوان بن سليم)
فالكذب من الصفات المشينة التي نزَّه الله عزَّ وجلَّ المؤمنين أجمعين عنها، لأنه سمانا جميعاً الصادقين:
اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119التوبة).
والكاذب يجعل الإنسان لنفسه مستقراً والعياذ بالله في جهنم مصيراً إن أصَّر على كذبه ولم يتب إلى الله من الكذب ويتحلى بصفة الصدق لقوله صلى الله عليه وسلَّم:
(لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابا، والكذب يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار).(2)
والكذاب يجعل الله عزَّ وجلَّ الملائكة الحفظة الكرام البررة الذين يتبعونه ويحيطون به ويسجلون أعماله إذا كذب يقول في ذلك حضرة النبي صلى الله عليه وسلَّم:
(إذا كذب العبد تباعد عنه الملائكة قدر ميل ـ(الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما ) وميل يعنى اثنين كيلومتراً إلا ربعاً ـ من شدة رائحة فمه).
يشمون لفمه رائحة كريهة لا يستطيعون شمَّها ويبتعدون عنه لأنه كذب، والكذب أشدَّه الكذب على الله، أو الكذب على رسول الله، ثم الكذب على خلق الله عزَّ وجلَّ.
والذي يكذب على الله عزَّ وجلَّ هو الذي يخترع في شرع الله ما ليس منه ويدعى الكذب أنه من دين الله، لينال مصلحة دنيوية أو لينال مكسباً فانياً.
والذي يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم هو أن يسند إليه قولاً لم يقله، أو حديثاً لم يخرج من فيه، ويزعم أن الرسول قاله، مع قوله صلى الله عليه وسلَّم:
(من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من جهنم).( رواه أحمد وأبو يعلى)
بل إن الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلَّم أمر المؤمنين أن يكون أهم ما يحرصون عليه في تربية الأبناء والبنات الصدق وعدم الكذب.
فقد كانت عنده امرأة أنصارية وجاء ولدها فقالت له: إن فعلت كذا سأعطيك تمرة، فراح وفعل ثم جاء فأعطته التمرة، فقال لها صلى الله عليه وسلَّم:
(لو لم تعطها له لكتبت عليك كذبة ولحاسبك الله عزَّ وجلَّ عليها يوم القيامة).(3)
إذا كان مجتمع المؤمنين فيه صفة الصدق هي السائدة بين الناس، فكيف يكون حالهم؟ وكيف يكون حال مجتمعهم؟
إن حال المؤمنين في ذلك سيكون كأنهم يعيشون في جنة النعيم لأنهم سيكونون كما قال الله:
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً (11) (الغاشية).
ومن الأوصاف التي حذَّر النبي منها كذلك وجعلها علامات على النفاق هي صفة الغدر وصفة الخيانة وغيرها من الصفات التي قال في بعضها في حديثه الشريف:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خُلَّة منهن كانت فيه خُلَّة من نفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا خاصم فَجَر(البخاري ومسلم )
والمسلمون يحرصون على سلامة الإسلام بالسلامة من الكذب، والوقاية من الخيانة والبعد عن الغدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان ابن فلان).(البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)
ويبتعدون عن الأوصاف التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم وبين أن صاحبها يكون فيه خصلة من خصل النفاق، لأنهم يريدون أن يدخلوا في قول الله:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ (29الفتح).
وهل يجوز أن يكون معه خائن؟ هل يجوز معه في معيته كاذب؟ هل يجوز أن يكون في معيته غادر؟ هل يجوز أن يكون معه في معيته فاجرٌ في خصومته؟ لا يكون ذلك أبداً، ولذلك كانوا يحرصون أشد الحرص على سلامة الإيمان من أوصاف المنافقين.
لو سلم أفراد مجتمعنا من هذه الأوصاف فكيف يكون حالنا؟ وكيف تكون الثقة بيننا؟ وكيف يكون التعامل فيما بيننا؟ إن كان في العمل أو في البيت أو في الشارع أو في السوق؟
سنكون كما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم.
أو كما قال: (أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة).
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي أظهر دينه في أخلاق وأفعال وأحوال سيِّد الأولين والآخرين، وجعل على هديه الثُّلة المباركة من الصحابة والتابعين، والعلماء العاملين، والأولياء والصالحين إلى يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُحِبُّ الخير ويحُضُّ عليه، وينهي عن الشرِّ ويكافئ مَنْ تجنَّبه وتودَّد بتركه إليه عزَّ وجلَّ.
وأشهد أن سيدنا مُحَمَّداً عَبْدُ الله ورسولُه، الرحمة التامة لجميع الأنام، والنعمة السابغة في الدنيا والآخرة للأولين والآخرين.
اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد وآله الحكماء، وصحابته الوجهاء، وكل مَنْ تبعهم على هذا الهدى إلى يوم الدين، آمين .. آمين، يا ربَّ العالمين.
إخواني جماعة المؤمنين:
وضع النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم لنا ضوابط في المُسميات الإسلامية، حتى لا نزِّل ولا نضِّل، ولا نحكم أحكاماً غير صحيحة، فوضع تعريفاً للمسلم حتى نعلمه جميعاً. مَنْ المُسْلِمُ؟ قال صلى الله عليه وسلَّم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)(4). سَلِمَ المسلمون من لسانه، لا يكذب ولا يقول زوراً، ولا يسُبُّ ولا يشتم ولا يلعن، ولا يغتب ولا ينم، ولا يفعل أي عملٍ مذموم بلسانه، لأنه مشمولٌ بقول الله:
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (24الحج).
ويسلم المسلمون من يده، فلا يسرق ولا يظلم ولا يعين ظالم ولا يقتل ولا يجرح ولا يُصوِّب سهماً أو رمية أو بندقية أو رصاصة إلى مسلم، لأن الله عزَّ وجلَّ جعل هذا الجُرم أكبر من فناء السماوات والأرض: (لزوال السماوات السبع والأراضين السبع أعظم عند الله من إراقة دم مسلمٍ بغير حق)(5).
أما المسلم في نظرنا الذي يقيم الليل ويصوم النهار ويحُج كل عام ويعتمر كل أسبوع أو كل شهر، إذا لم يكن معه فضائل الأخلاق ماذا قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلَّم، قالوا: يا رسول الله فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: (لا خير فيها، هي في النار)(6).
إذن العبادة لا تنفع ولا ترفع، والإيذاء باللسان،
فما بالكم إذا كان الإيذاء باليد؟!! إذا كان ترويعٌ للآمنين؟!! إذا كان إهلاكٌ للمسالمين؟!!
إذا كان تيتمٌ لصبيان وفتيات المؤمنين؟!! إذا كان ترميلٌ للنساء المساكين؟!! أنترك جهاد اليهود ونجاهد في صفوف المسلمين، وندَّعي أن هذا هو الدين؟!! أيُّ دينٍ هذا؟!!
هل جهاد بيت المقدس أصبح في مصر؟!! وأصبح الذين يريدون تحرير بيت المقدس لابد وأن يبدأ بمصر أولاً؟!! أيُّ جهاد هذا الذي يتحدثون عنه؟ وهل يؤيد الدين ذلك؟ ومن قال هذا؟
قال صلى الله عليه وسلَّم: (إذا كان آخر الزمان كثُر الهرج والكذب، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل، قالوا: وما أكثر ما نقتل الآن ـ يقصدون القتل لنشر دين الإسلام ـ قال: ليس قتلكم الكفار، ولكن قتل بعضكم بعضا)(7). وهذا الذي تنبأ به حبيبنا ونراه بأعيننا الآن ممن ينتسبون إلى الإسلام!!
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، عبادته بينه وبين مولاه لا نتدخل فيها لأن الله أعلم بالنوايا، وهو الذي يطلع على القلوب، لكن نتيجة العبادات تظهر في السلوكيات مع المؤمنين والمؤمنات، فإذا لم تؤدِ إلى النتيجة التي ذكرها النبيُّ فهي عبادة غير مقبولة عند الله عزَّ وجلَّ، وصاحبها مُغَرَّرٌ به أو مستدرجٌ به، لأنه خالف هدى حبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلَّم.
وسئل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلَّم كذلك عن المؤمن فقال: (ليس المؤمن بطعَّان ولا لعَّان ولا فاحشٍ ولا بذيء)(8)
لا يخرج من لسانه إلا الطيب، ولا يخرج من جوارحه إلا كل فعل طيب، ولا يقدِّم لكل من حوله إلاَّ كلَّ طيِّب. ولذلك دخل الناس في عهد النبيِّ والخلفاء الراشدين ومن بعدهم في دين الله،
لِمَ دخلوا في دين الله؟ أبالسلاح؟ كلاَّ والله، دخلوا عندما أُعجبوا بأخلاق المسلمين، وعندما استصوبوا ما عليه المؤمنون في معاملاتهم وفي تعاملاتهم وفي أخلاقهم مع المؤمنين وغير المؤمنين.
هذه النظرات النبوية لنا جماعة المؤمنين، لنحكم بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ونقدِّر الأمور قدرها، ونحاول أجمعين أن نتجمَّل بأخلاق النبيِّ بيننا وبين بعضنا، بالعفو والصفح والمسامحة، والمحبة والمودَّة والألفة، والشفقة والعطف والحنان، والتعاون على البِرِّ والتقوى، والتماسك والمساعدة على فعل الخيرات وعمل الصالحات، إذا كنا كذلك، فإنَّ الله سينظر إلينا نَظَرَ عطفٍ وحنان، يبدِّل حالنا إلى خير حال..... ثم الدعاء
**********************************************
(1) رواه الترمذي واحمد عن أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)
(2) رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا
(3) رواه أبو داود عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه أنه قال: "دعتني أمي يوما ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعدٌ فى بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وما أردت أن تعطيه؟ ) ،قالت: أعطيه تمرا!!، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليك كذبة)
(4) البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
(5) رواه ابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حقٍّ).
(6) رواه البخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، واحاكم، وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) رواه أحمد وابن ماجة عن أبي موسى رضي الله عنه
(8) البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

السبت، 21 أكتوبر 2017

- Is Islam the perfect religion suitable for humanity

Is Islam the perfect religion suitable for humanity
Islam is the perfect religion suitable for humanity for many reasons:
1-It is the religion that addresses mind and feelings.
2-It is the religion that keeps up with modern science.
3-It establishes love and cordiality in the hearts of all people and takes out rancor, envy, hatred, fanaticism and enemity.
4-It makes all people co-operative, loving each other, willing good for all, dismiss evils amongst them, love others, be loved by others and help each other to do good for all people.

الجمعة، 20 أكتوبر 2017

- الإسلام ومراعاة مشاعر الناس


إن ديننا الإسلامي الحنيف دين قامت دعائمه الأولى على أساس أخلاقي قويم ؛ بل إن الهدف الأول والأسمى من دعوة محمد – صلى الله عليه وسلم - هو تتميم ذلك البنيان ، وترسيخ ذلك الأساس والسمو به إلى ذروة تمامه وكماله , قال – صلى الله عليه وسلم - : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".
ووصف الله نبيه الكريم بالخلق العظيم فقال : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4).
ولقد جاء الإسلام لإسعاد الناس وصلاحهم, وليس لقهرهم وإكراههم، و المسلم إنسان حساس يراعي مشاعر وأحاسيس جميع الناس, فهو يتمتع بدرجة عالية من الإحساس والتأثر وهو صاحب قلبِ حيّ نابض، وينعكس ذلك كله على سلوكه وتصرفاته.
ولقد وضع الإسلام كثيراً من المبادئ والأسس التي من خلالها تُصان المشاعر وتراعى الأحاسيس، ومن هذه المبادئ:
1-الالتزام بأدب الحديث :

فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرفق واللين في القول فقال سبحانه : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران :159).
وأمرنا بذلك فقال : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً } (البقرة:83).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء".
ولقد ضرب النبي – صلى الله عليه وسلم –أروع الأمثلة في حسن مراعاة مشاعر الناس وأحاسيسهم , وروت لنا كتب السنة والسيرة نماذج رائعة في ذلك منها :
ما رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين تحدث عن قوم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ،فقام عكاشة بن محصن فقال:ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "أنت منهم". ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال:"سبقك بها عكاشة ".
َقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قِيلَ: إِنَّ الرَّجُل الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِقّ تِلْكَ الْمَنْزِلَة وَلَا كَانَ بِصِفَةِ أَهْلهَا بِخِلَافِ عكاشة ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَ مُنَافِقًا فَأَجَابَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ مُحْتَمَل ، وَلَمْ يَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّصْرِيح لَهُ بِأَنَّك لَسْت مِنْهُمْ لِمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة.
فقد راعي النبي صلى الله عليه وسلم مشاعر الرجل الذي قال للنبي "ادع الله أن يجعلني منهم" ولم يرد أن يجرحه أو يحرجه.
وروت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة"، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة متى عهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره".
2-عدم جرح مشاعر المخطئ :

إن الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين أمر ممقوت يعرض صاحبه للزلل والخطأ والوقيعة في الآخرين ، وهو مخالف أيضاً للمنهج الرباني الآمر بالتثبت والتبين والتبصر ، كما أنه بعيد عن منهج الإسلام في العفو عن المسيء وقبول عذر المعتذر .
وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نماذج رائعة تؤكد ذلك منها :
ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال‏:‏انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا‏:‏ أخرجي الكتاب‏.‏ قالت‏:‏ ما معي كتاب‏.‏ قلنا‏:‏ لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما هذا يا حاطب‏؟‏ قال‏:‏ لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم‏:‏ قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي،وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ صدق، فقال عمر‏:‏ دعني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأضرب عنقه، فقال إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. (9).
فقد أخطأ حاطب بن أبي بلتعة في ظنه إعلام قومه بخبر قدوم النبي إليهم لفتح مكة ، وهو خطأ لا يقصد منه صاحبه خيانة الله ورسوله , لكن انظر كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الخطأ الغير مقصود ، فلم يجرح صاحبه ، بل ولم يعنفه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}( المجادلة :22).
وفي فتح مكة – أيضاً- كان سعد بن عبادة قائداً من قادة الجيش فلما نظر إلى مكة وسكانه. وتذكر فإذا هم الذين حاربوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم..وضيقوا عليه..وصدوا عنه الناس..وإذا هم الذين قتلوا سمية وياسر..وعذبوا بلالاً وخباباً,,كانوا يستحقون التأديب فعلاً..هز سعد الراية..وهو يقول:
اليوم يوم الملحمة * * * * * اليوم تستحل الحرمة سمعته قريش فشق ذلك عليهم ..وكبر في أنفسهم..وخافوا أن يفنيهم بقتالهم..فعارضت امرأة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهو يسير..فشكت إليه خوفهم من سعد..وقالت:
يا نبي الهدى إليك لجائي ‍* * * قريش ولات حين لجاء

حين ضاقت عليهم سعة ‍* * * الأرض وعاداهم إله السماء

إن سعداً يريد قاصمة الظهر ‍* * * بأهل الحجون والبطحاء

خزرجي لو يستطيع من ‍* * * الغيظ رمانا بالنسر والعواء

فانهينه إنه الأسد الأسود ‍* * * والليث والغٌ في الدماء

فلئن أقحم اللواء ونادى ‍* * * يا حماة اللواء أهل اللواء

لتكونن بالطباع قريش ‍* * * بقعة القاع في أكف الإماء

إنه مصلت يريد لها القتل * * * صموت كالحية الصماء

فلما سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-..هذا الشعر..دخله رحمة ورأفة بهم..وأحب ألا يخيبها إذ رغبت إليه..وأحب ألا يغضب سعداً بأخذ الراية منه بعد أن شرفه بها..فأمر سعداً فناول الراية لابنه قيس بن سعد..فدخل بها مكة…وأبوه سعد يمشي بجانبه..ففرحت المرأة وقريش لما رأت يد سعد خالية من الراية..ولم يغضب سعد؛ لأنه بقي قائداً لكنه أريح من عناء حمل الراية وحملها عنه ابنه ( العريفي، استمتع بحياتك ص 61 ).

وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "دعوه وأريقوا على بوله سجلا ( دلوا ) من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ". أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بترك هذا الأعرابي الجاهل حتى ينتهي من بوله ، فلما انتهي أمر أن يراق على بوله ذنوبا من ماء فزالت المفسدة . ثم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ، الأعرابي فقال : "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة وقراءة القرآن ".

كما روى معاوية بن الحكم السلمي فقال : بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت : يرحمك الله ، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلى ؟ فـجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني سكت ، فلما صلى ، عليه الصلاة والسلام ، فبأبي هو وأمي ، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فوالله ما كرهني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال : "إن هذه الصلاة لا يصح فيهما شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً ".
وها هو الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى لله ضعفك، قال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني ، قال: والله ما أردت إلا الخير. فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير.فهكذا تكون الأخوة الحقيقية إحسان الظن بالإخوان حتى فيما يظهر أنه لا يحتمل وجها من أوجه الخير.
من كان يرجو أن يسود عشيرة ‍* * * فعليه بالتقوى ولين الجانب

ويغض طرفا عن إساءة من أساء * * * ويحلم عند جهل الصاحب

فالمخطئ قبل أن نعاتبه أو نحاسبه لا بد أن نتفهم سبب الخطأ, ونلتمس له الأعذار وفي كل ذلك لا بد أن تحترم مشاعره حتى لا يعاند ويصبح الخطأ خطأين.
سَامِحْ أَخَـاكَ إِذَا وَافَاكَ بِالْغَلَــطِ ‍* * * وَاتْرُكْ هَوَى الْقَلْبِ لا يُدْهِيْكَ بِالشَّطَطِ

فكم صَدِيْقٍ وفيٍّ مُخْـلِصٍ لَبِــقٍ ‍* * * أَضْحَى عَدُوًّا بِـــمَا لاقَاهُ مِنْ فُرُطِ

فَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَعْصُوْمٌ سِوَى رُسُلٍ ‍* * * حَمَاهُـمُ اللهُ مِـنْ دَوَّامَـةِ السَّقَـطِ

أَلَسْتَ تَرْجُـوْ مِنَ الرَّحْمَنِ مَغْفِـرَةً * * * يَوْمَ الزِّحَـامِ فَسَامِحْ تَنْجُ مِنْ سَخَـطِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه ، وبعد:
فقد تكلمنا في مقال سابق عن حث الإسلام على مراعاة المشاعر والأحاسيس ونكمل في مقالنا هذا الحديث عن جملة من المبادئ التي صان من خلالها الإسلام المشاعر والأحاسيس
3-معرفة أدب التناصح :

من أخلاق المؤمن أن يكون مرآة لأخيه ، إن رأى خيراً شجَّعه على الخير، ورغَّبه فيه، وحثه على الاستمرار عليه، وإن رأى خللاً، أو خطأً، أو نقصاً، سعى في سده وجبره فقد قال تعالى في محكم تنزيله :{ وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لوفى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ}( العصر:1-3).
والمنصوح امرؤ يحتاج إلى جبر نقص وتكميله، ولا يسلم المرء بذلك من حظ نفسه إلا لحظة خلوة وصفاء، وهذه اللحظة تكون عند المُسارة في السر، وعندها تؤتي النصيحة ثمرتها، ولا يكون الناصح عوناً للشيطان على أخيه، فإن الناصح في ملأٍ يعين الشيطان على صاحبه، ويوقظ في نفسه مداخل الشيطان، ويغلق أبواب الخير، وتضعف قابلية الانتفاع بالنصح عنده.
قال أحد الدعاة: ( لتكن نصيحتك لأخيك تلميحاً لا تصريحاً وتصحيحاً لا تجريحا ) .
وقال الإمام الشافعي : " من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه ".
وأنشد رحمه الله :

تعمدني بنصحك في انفـرادي ‍* * * وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نـوع ‍* * * من التوبيخ لا أرضى استماعه

وإن خالفتني وعصيت قولـي * * * فلا تجزع إذا لم تعط طاعـة

4-عليك بأدب التغافل:

هناك ما يسمى بأدب التغافل أو الإغضاء عن هفوات الناس كنوع من مراعاة المشاعر والأحاسيس.
وقد نبه الله إليه في كتابه الكريم فقال : {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } (التحريم :3) .
وقال الحسن : "ما استقصى كريم قط ، قال الله تعالى: عرف بعضه وأعرض عن بعض " (تفسير القرطبي ج18 ص188) .
ذكر ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال : إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد.
وقال أبو علي الدقاق: جاءت امرأة فسألت حاتماً عن مسألة ، فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة فخجلت ،فقال حاتم : ارفعي صوتك فأوهمها أنه أصمّ فسرّت المرأة بذلك ، وقالت : إنه لم يسمع الصوت فلقّب بحاتم الأصم.

ولقد دخل رجل على الأمير المجاهد قتيبة بن مسلم الباهلي، فكلمه في حاجة له، ووضع نصل سيفه على الأرض فجاء على أُصبع رجلِ الأمير، وجعل يكلمه في حاجته وقد أدمى النصلُ أُصبعه، والرجل لا يشعر، والأمير لا يظهر ما أصابه وجلساء الأمير لا يتكلمون هيبة له، فلما فرغ الرجل من حاجته وانصرف دعا قتيبة بن مسلم بمنديل فمسح الدم من أُصبعه وغسله، فقيل له: ألا نحَّيت رجلك أصلحك الله، أو أمرت الرجل برفع سيفه عنها؟ فقال: خشيت أن أقطع عنه حاجته.
وأنشد الشافعي رحمه الله:
أحب من الإخـوان كـل مواتـي * * * وكل غضيض الطرف عن عثراتي

 يوافقنـي فـي كـل أمـر أريـده * * * ويحفظنـي حيـاً وبعـد مماتـي

 فمن لي بهذا ؟ ليت أنـي أصبتـه * * * لقاسمته ما لـي مـن الحسنـات

 تصفحت إخوانـي فكـان أقلهـم * * * على كثرة الإخوان أهـل ثقاتـي

5-لا تنس أدب المناجاة:

قال تعالى : {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (المجادلة :10).
وعَنْ عَبْدِ اللّهِ بن مسعود . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم "إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ. حَتّىَ تَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يحْزنَهُ" (مسلم).
قال الخطابي : وإنما قال ليحزنه لأنه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي سوء رأيهما فيه أو لدسيسة غائلة له. أ.هـ.

 6 - خذ بأدب الاستئذان :

قال تعالى : {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (النور :28).
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أستأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع "( متفق عليه) .
فمن استأذن على الناس ثلاثاً ولم يؤذن له فعليه بالرجوع ولا يصر على الدخول ؛ لأن في ذلك إيذاء لمشاعر الآخرين ، وقد تؤذى مشاعره كذلك .

7- لا تسب الأموات:
نهى الإسلام عن سب الأموات لأن في سبابهم إيذاء لمشاعر الأحياء ، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". (البخاري) .

8- مراعاة مشاعر الضعفاء والمرضى وذوي الحاجات:
إذا كان كل إنسان يحتاج إلى من يراعي مشاعره وأحاسيسه فإن أحاسيس ومشاعر المرضى والضعفاء وذوي الأعذار والحاجات أولى بالمراعاة والتقدير .
روى جابر رضي الله عنه قال : كانَ معاذٌ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي فيؤمُ قومَه ، فصلّى ليلةً معَ النبي صلى الله عليه وسلم العشاءَ ثم أتى قومَه فأمَّهم فافْتَتَحَ بسورةِ البقرةِ فانْحَرَفَ رجلٌ مسلمٌ ثم صلّى وحدَه وانصَرَفَ ، فقالوا له : أنافَقْتَ يا فلانُ ؟ قال : لا واللهِ، ولآتِيَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فلأُخْبِرَنَّه ، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسولَ الله ، إنا أصحابُ نواضحَ نعملُ بالنهارِ ، وإنَّ معاذاً صلى معكَ العشاءَ ثم أتى فافتَتَح بسورةِ البقرةِ ، فأقبَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : "يا معاذُ أفتّانٌ أنتَ ؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا " (مسلم).
وعن عثمانَ بنِ أبي العاصِ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أُمَّ قومَكَ ، فمنْ أمَّ قومَه فليُخَفَّفْ؛ فإن فيهم الكبيرَ وإن فيهم المريضَ وإن فيهم الضعيفَ وإن فيهم ذا الحاجة ، وإذا صلى أحدُكم وحدَه فليُصَلِّ كيفَ شاءَ " (مسلم).
إن مراعاة مشاعر الناس وأحاسيسهم مما يزيد في الود ويؤلف بين القلوب ، فقد لا ينسى أحدنا موقفاً لشخص ما راعى فيه مشاعره وشاركه أحاسيسه .
فحينما تخلف كعب بن مالك عن غزوة " تبوك " ثم تاب الله عليه ، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله عليه وعلى من معه حين صلى الفجر ، يقول كعب : " فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنؤوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد ، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس ، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني ، والله ما قام رجل إلي من المهاجرين غيره ، لا أنساها لطلحة ".
إن صاحب الإحساس والتأثر يراعي مشاعر إخوانه، ويحترمها، ويحذر أن يمسها بسوء.
ورد في صحيح مسلم أن أبا سفيان ـ في هدنة صلح الحديبية ـ قبل إسلامه، مر على سلمان وصهيب وبلال، فأرادوا أن يسمعوه قولاً يغيظه، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فاستنكر عليهم أبو بكر ما قالوا، وقال لهم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ وذهب أبو بكر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما جرى، فكان أول أمر أهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تساءل عن مشاعرهم تجاه ما صدر من أبي بكر، فقال له:" يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك"، فأتاهم أبو بكر يسترضيهم، ويستعطفهم، قائلاً: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا . يغفر الله لك .
ولقد كان من دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم : "اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم "(الترمذي).
اللهم جنبنا الزلل في القول والعمل ، واجعلنا ممن يقول فيعمل ويعمل فيخلص ، ويُخلص فيُقبل منه .

الخميس، 19 أكتوبر 2017

- شيخ أبو مَدْيَنَ شُعَيْبُ بنُ حُسَيْنٍ الأَنْدَلُسِيُّ الزَّاهِدُ

شيخ المشايخ أبو مدينأَبُو مَدْيَنَ شُعَيْبُ بنُ حُسَيْنٍ الأَنْدَلُسِيُّ الزَّاهِدُ، شَيْخُ أَهْلِ الـمَغْرِبِ، وسيد العارفين وقدوة السالكين في عصره. واشتهر بشيخ المشايخ، كَانَ مِنْ أَهْلِ العمل وَالاجتهَاد، مُنْقَطِع القرِيْن فِي العِبَادَةِ وَالنُّسك.
قال الشيخ أبو عبد الله التلمساني في كتابه: النجم الثاقب فيما لأولياء الله تعالى من المناقب:
 كان الشيخ سيدي أبو مدين فردًا من أفراد الرجال وصدرًا من صدور الأولياء الأبدال جمع الله له علم الشريعة والحقيقة.اهـ
من مناقبه
وذكر التادَلي وغيره أنه خرّج على يده ألف شيخ من الأولياء أولي الكرامات.اهـ
وقال التادلي: كان مبسوطًا بالعلم مقبوضًا بالمراقبة كثير الالتفات بقلبه إلى الله تعالى حتى ختم له بذلك.اهـ
وقال أبو الصبر كبير مشايخ وقته: كان أبو مدين زاهدًا فاضلا عارفًا بالله تعالى خاض بحار الأحوال ونال أسرار المعارف خصوصًا مقام التوكل لا يشق غباره ولا تجهل آثاره. اهـ
نشأته وطلبه العلم:
كَانَ مِنْ أَهْلِ حِصنِ مَنتُوجَبْ، مِنْ عَمل إِشْبِيْلِيَة، بالأندلس، جَال، وَسَاح، وَاسْتَوْطَنَ بِجَايَة مُدَّة، ثُمَّ تِلِمْسَان. جال في رحلته لطلب العلم، في المغرب وزار سبتة وطنجة بالشمال، واشتغل مع الصيادين ثم انتقل إلى مراكش بالجنوب وانخرط في سلك الجندية وفيها عرض أمره وغايته على من رآه نصوحًا فقال له: عليك بفاس.اهـ وفاس مدينة في بلاد المغرب.
يقول أبو مدين:" سرت إليها ( أي إلى مدينة فاس ) ولازمت جامعها ورغبت في من علمني أحكام الوضوء والصلاة ثم سألت عن مجالس العلماء فسرت إليها مجلسًا بعد مجلس". اهـ
وفي هذه المجالس أخذ عن شيوخ ولازمهم، ومال عن آخرين، وممن لازم وأخذ عنهم، الشيخ أَبُو يَعْزَى يلنور، (ت سنة 572هـ )، والشيخ أبو الحسن علي بن حِرْزِهِم، بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وبعدها زاي، المشهور بابن حرازم رضي الله عنه(ت سنة 559 هـ). وقرأ عليه "الرعاية للمحاسبي".
ومن الشيوخ كذلك الذين أخذ عنهم، الشيخ أبو الحسن بن غالب، فقيه فاس؛ أخذ عنه كتاب السنن للترمذي، والشيخ أبو عبد الله الدقاق وأخذ عنه التصوف.
ذكر عنه رضي الله عنه أنه قال: كنت في أول أمري وقراءتي على الشيوخ إذا سمعت تفسير آية أو معنى حديث قنعت به، وانصرفت لموضع خال خارج فاس، أتخذه مأوى للعمل بما فتح به علي، فإذا خلوت به تأتيني غزالة تأوي إلي وتؤنسني، وبقيت كذلك مدة وأخبار سيدي أبي يعزى ترد علي وكراماته يتداولها الناس وتنقل إلي فملأ قلبي حبه، فقصدته مع جماعة الفقراء، وشاهدت في الوقت عجائب من بركاته، ثم استأذنته في الانصراف بنية أداء الفريضة ( أي الحج) فأذن لي.اهـ
فتوجه الشيخ أبو مدين للشرق، وأنوار الولاية عليه ظاهرة، فأخذ عن العلماء واستفاد من الزهاد والأولياء، وتعرف في عرفة بالشيخ عبد القادر الجيلاني فقرأ عليه في الحرم الشريف كثيرا من الحديث وألبسه خرقة الصوفية.
وبعد زيارته المباركة للمشرق، عاد واستوطن مُدَّة في شرق الجزائر في مدينة بجاية. وكان يقول عنها:" إنها معينة على طلب الحلال".اهـ ولم يزل بها يزداد حاله على مر الليالي رفعة، ترد عليه الوفود وذوو الحاجات من الآفاق.
وفيها تزوج، وأنجب ولدًا. قال الشعراني في الطبقات الكبرى: "وولده مدين هو المدفون بمصر بجامع الشيخ عبد القادر الدشطوطي، ببركة القرع، خارج السور، مما يلي شرقي مصر، عليه قبة عظيمة، وقبره يزار".اهـ
حاله بين العلماء
كان رضي الله عنه من أعلام العلماء، وترد عليه الفتاوى في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه فيجيب عنها في الوقت، وله مجلس وعظ يتكلم فيه فتجتمع عليه الناس من كل جهة وتمر به الطيور وهو يتكلم فتقف تسمع وربما مات بعضها، وكثيرا ما يموت بمجلسه أصحاب الحب، تخرج عليه جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين وأرباب الأحوال. وكان أولياء وقته يأتونه من البلدان للاستفتاء فيما يعرض لهم من المسائل.
قال الشعراني في " الطبقات الكبرى": قال الشيخ أبو الحجاج الأقصري سمعت شيخنا عبد الرزاق رضي الله عنه يقول: لقيت الخضر عليه السلام سنة ثمانين وخمسمائة، فسألته عن شيخنا أبي مدين، فقال: هو إمام الصديقين في هذا الوقت.اهـ
قلت: وأجمعت المشايخ على تعظيمه وإجلاله وتأدبوا بين يديه وكان ظريفا جميلا متواضعا زاهدا ورعا محققا مشتملا على كرم الأخلاق رضي الله عنه.اهـ كلام الشعراني.
 قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قَالَ مُحْيِي الدِّيْنِ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَانَ أَبُو مَدْيَنَ سُلْطَانَ الوَارِثِيْنَ، وَكَانَ جمَال الحُفَّاظ عَبْدُ الحَقِّ الأَزْدِيّ قَدْ آخَاهُ بِبجَايَة، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَيَرَى مَا أَيَّده الله بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، يَجد فِي نَفْسِهِ حَالَة سَنِيَّةً لَمْ يَكُنْ يَجِدُهَا قَبْل حُضُوْر مَجْلِس أَبِي مَدْيَن، فَيَقُوْلُ عِنْدَ ذَلِكَ: هَذَا وَارِث عَلَى الحقيقَة.اهـ
عقيدته:
من مصنفاته: أنس الوحيد ونزهة المريد في علم التوحيد والحكم.
قال الشيخ أبو مدين في عقيدته: الحمد لله الذي تنـزه عن الحد والأين والكيف والزمان والمكان المتكلم بكلام قديم أزلي صفة من صفاته قائم بذاته لا منفصل عنه ولا عائد إليه ولا يحُل في المحدثات ولا يجانس المخلوقات ولا يوصف بالحروف والأصوات تنـزَّهت صفات ربنا عن الأرض والسمـٰوات. اللهم إنّا نُوَحِّدُك ولا نَحُدُّك ونؤمن بك ولا نكَيِّفُك ونعبدك ولا نُشَبِّهُك ونعتقد أن من شبهك بخلقك لم يعرف الخالق من المخلوق اﻫ
وقال فيها: القُدُّوس على العرش استوى من غير تمكن ولا جلوس. اﻫ
وقال: العرش له حدٌّ ومقدار والرب لا تدركه الأبصار. العرش تُكَيِّفُه خواطر العقول وتصفه بالعرض والطول وهو مع ذلك محمول وهو الذي لا يحول ولا يزول. العرش بنفسه هو المكان وله جوانب وأركان وكان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ليس له تحتٌ فيُقِلَّه ولا فوقٌ فيُظِلَّه ولا جوانب فتعدله ولا خلْف فيسنده ولا أمام فيحده. اﻫ عن مخطوط في المكتبة الوطنية بباريس رقم 5485.
ومن أقواله المشهورة:
وكان أبو مدين يقول: كرامات الأولياء نتائج معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم وطريقتنا هذه أخذناها عن أبي يعزى بسنده عن الجنيد عن سري السقطي عن حبيب العجمي عن الحسن البصري عن علي رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.اهـ
وقال: من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم، ومن اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل، ومن لم يجد من قلبه زاجرا فهو خراب.اهـ
 وقال: بفساد العامة تظهر ولاة الجور، وبفساد الخاصة تظهر دجاجلة الدين الفتانون.اهـ
وقال: من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه، ومن خدم الصالحين ارتفع، ومن حرمه الله تعالى احترامهم، ابتلاه الله بالمقت من خلقه.اهـ
وقال: عُمْرُكَ نَفَسٌ وَاحِدٌ فَاحْرِصْ أنْ يَكُونَ لَكَ لاَ عليك. انتهى
وقال: احذر صحبة المبتدعة اتقاء على دينك.اهـ
وقال: الزهد عافية.اهـ
وقال: بالمحاسبة يصل العبد إلى درجة المراقبة.اهـ
ونختم هذه المأثورات بأبيات لأبي مدين نالت قبولا لدى الخاصة والعامة وتغنى بها المنشدون وتعالت بها أصواتهم في مجالس الذكر والإنشاد.
قال الشيخُ أبو مدين رحمه اللَّه :
مَا لذّةُ العَيشِ إلاّ صُحبَةُ الفُقَرا
هُم السّلاَطين والسَّادَاتُ والأُمَرا
فَاصْحَبْهُمُو وتأدَّب في مَجَالِسِهِم
وخلِّ حظَّكَ مَهمَا قدموك ورَا
واستغنم الوقت واحضر دائمًا معهم
واعلم بأن الرضا يختص من حضرا
أي ما لذة عيش السالك في طريق مولاه إلا صحبة الفقراء، والفقراء جمع فقير، والفقير هو المتجرد عن العلائق المعرض عن العوائق.
من كراماته:
 الله تعالى أكرمه بكرامات كثيرة، قال الشيخ أحمد بن محمد الْمُقْرِي التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: ومن مشهور كراماته أنه كان ماشيا يوما على ساحل فأسره العدو وجعلوه في سفينة فيها جماعة من أسرى المسلمين فلما استقر في السفينة توقفت عن السير ولم تتحرك من مكانها مع قوة الريح ومساعدتها، وأيقن الروم أنهم لا يقدرون على السير، فقال بعضهم: أنـزلوا هذا المسلم، ولعله من أصحاب السرائر عند الله تعالى، وأشاروا له بالنـزول، فقال: لا أفعل إلا إن أطلقتم جميع من في السفينة من الأسارى، فعلموا أن لا بد لهم من ذلك، فأنزلوهم كلهم وسارت السفينة في الحال. اهـ
وذكر ابن بطوطة في رحلته أنه: يحكى أن الشيخ الولي أحمد الرفاعي رضي الله عنه كان مسكنه بأم عبيدة بمقربة من مدينة واسط، وكانت بين ولي الله تعالى أبي مدين شعيب بن الحسين وبينه مؤاخاة ومراسلة. ويقال: إن كل واحد منهما كان يسلم على صاحبه صباحًا ومساء فيرد عليه الآخر. اهـ
تلامذة الشيخ أبي مدين:
قال اليافعي في"مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان": وتخرج به جماعة من أكابر المشايخ الأصفياء، مثل الشيخ أبي محمد عبد الرحيم القنادي، والشيخ أبي عبد الله القرشي، والشيخ أبي محمد عبد الله الفارسي، والشيخ أبي محمد صاحب الدكالي، والشيخ أبي غانم سالم، والشيخ أبي علي واضح، والشيخ أبي الصبر أيوب المكناسي، والشيخ أبي محمد عبد الواحد، والشيخ أبي الربيع المظفري، والشيخ أبي زيدين هبة الله وغيرهم من العلماء ".اهـ
وفاته:
ولما اشتهر الشيخ أبو مدين، وكثر رواده وطلبته، وشى به بعض الحاقدين عند يعقوب المنصور، وقالوا:" إنا نخاف منه على دولتكم، وأتباعه كثيرون في كل بلد"، فبعث إليه السلطان ليختبره، وكتب لصاحب بجاية بالوصية والاعتناء بحمله، فشق ذلك على أصحاب الشيخ، حتى قال لهم:" إن منيتي قربت، فبعث الله من يحملني إليه برفق، وأنا لا أرى السلطان ولا يراني". اهـ
فارتحل به موكب السلطان إلى أن وصل مدينة العبَّاد بتِلِمْسَان، غرب الجزائر، فقال لأصحابه: " ما أصلحه للرُّقَادِ"، ومرض مرض موته، فتوفى هناك سنة أربع وتسعين وخمسمائة594هـ.
قال الصفدي في "الوافي بالوفيات": " كان آخر كلامه: الله الحي، ثم فاضت نفسه."اهـ
قال الشعراني في " الطبقات الكبرى": وكان سبب دخوله تلمسان أن أمير المؤمنين لما بلغه خبره أمر بإحضاره من بـجاية ليتبرك به، فلما وصل الشيخ شعيب إلى تلمسان، قال: ما لنا وللسلطان، الليلة نزور الإخوان، ثم نـزل وذهب إلى المسجد الجامع هناك، واستقبل القبلة وتشهد، وقال: ها قد جئت، ها قد جئت، وعجلت إليك رب لترضى، ثم قال: الله الحىّ، ثم فاضت روحه رضي الله عنه.اهـ
وسمع أهل تلمسان بجنازته فكانت من المشاهد العظيمة والمحافل الكريمة. ونقل المعتنون بأخباره أن الدعاء عند قبره مستجاب وجربه جماعة.
 وقد أطال في ترجمته يوسُفُ بن يَحْيَى التَّادَلِيُّ في كتابه: التشوف لرجال التصوف، وقد أفردها أبو العباس القُسمطيني الشهير بابنِ الخطيب وابنِ قُنفذ، بتأليف سماه: أنس الفقير.اهـ
رضي الله عنه وجمعنا معه تحت لواء المصطفى عليه السلام ءامين.

- تفسيرقوله تعالى : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ

{ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }

يقول الحق جل جلاله: { الله نورُ السموات والأرض } أي: منور أهلهما [بنور الإسلام والإيمان؛ لأهل الإيمان]، وبنور الإحسان؛ لأهل الإحسان، فحقيقة النور: هو الذي تنكشف به الأشياء على ما هي عليه، حسية أو معنوية، والمراد هنا: المعنوية؛ بدليل قوله { يهدي الله لنُوره من يشاء } ، فإن انكشف به أحكام العبودية، باعتبار المعاملة الظاهرة، يُسمّى: نُورُ الإسلام، وإن انكشف به أوصاف الذات العلية وكمالاتها، من طريق البرهان، يُسمى: نُور الإيمان، وإن انكشف به حقيقة الذات وأسرارها، من طريق العيان، يُسمى: نور الإحسان. فالأول: يشبه نور النجوم، والثاني: نور القمر، والثالث نور الشمس، ولذلك تقول الصوفية: نجوم الإسلام، وقمر الإيمان، وشمس العرفان.

ثم ضرب المثل لذلك النور، حين يقذفه في قلب المؤمن، فقال { مَثَلُ نُورِهِ } أي: صفة نوره العجيبة في قلب المؤمن - كما هي قراءة ابن مسعود - { كمشكاةٍ } أي: كَصِفَةِ مِشْكَاةٍ، وهي الكُوَّةُ في الجدار غير النافذة؛ لأن المصباح فيها يكون نوره مجموعاً، فيكون أزهر وأنور، { فيها مصباح } أي: سراج ضخم ثاقب، { المصباحُ في زجاجة } أي: في قنديل من زجاج صافٍ أزهر، { الزجاجةُ } من شدة صفائها { كأنها كوكب دُرِّيِّ }؛ بضم الدال وتشديد الراء، منسوب إلى الدر؛ لفرط ضيائه وصفائه، وبالكسر والهمز: " أبو عمرو "؛ على أنه يدْرأ الظلام بضوئه. وبالضم والهمز: أبو بكر وحمزة، شبهه بأحد الكواكب الدراري، كالمشتري والزهرة ونحوهما. { تَوَقَدُ } بالتخفيف والتأنيث، أي: الزجاجة، أو { يُوقَدُ } بالتخفيف والغيب، أو: { تَوَقَّدَ } بالتشديد، أي: المصباح { من شجرةٍ } أي من زيت شجرة الزيتون، أي: رويت فتيلته من زيت { شجرةٍ مباركةٍ }؛ كثيرة المنافع، أو: لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين، وهي الشام، وقيل: بارك فيها سبعون نبياً، منهم إبراهيم عليه السلام.
{ زيتونةٍ }: بدلٌ من { شجرة } ، من نعتها { لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ } أي: ليست شرقية فقط، لا تُصيبها الشمس إلا في حالة الشروق، ولا غربية، لا تصيبها إلا في حال الغروب، بل هي شرقية غربية، تصيبها الشمس بالغداة والعشي، فهو أَنْضَرُ لها، وأجود لزيتونها. وقيل: ليست من المشرق ولا من المغرب، بل في الوسط منه، وهو الشام، وأجودُ الزيتونِ زيتون الشام.
{ يكادُ زيتُها يٌضيءُ ولو لم تمسسه نارٌ }؛ هو في الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضيء بنفسه من غير مسَاس نَارٍ أصلاً. { نورٌ على نورٍ } أي: نور المصباح متضاعف على نور الزيت الصافي، فهذا مثال النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن؛ فالمشكاة هو الصدر،والمصباح نور الإيمان أو الإسلام أو الإحسان، على ما تقدم، والزجاجة هو القلب الصافي، ولذلك شبهه بالكوكب الدُرّيّ، والزيت هو العِلْمُ النافع الذي يقوي اليقين. ولذلك وصفه بالصفاء والإنارة.
يكاد صاحبه تشرق عليه أنوار الحقائق، ولو لم يمسسه علمها. { نورٌ على نورٍ } أي نور الإيمان مُضَافٌ إلى نور الإسلام، أو نور الإحسان مضاف إلى نور الإيمان والإسلام.
{ يهدي الله لنوره } أي: لهذا النور الباهر { من يشاء } من عباده؛ إما بإلهام أو بواسطة تعليم. وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية إنما هي بمشيئته تعالى، وأن الأسباب لا تأثير لها. { ويضرب الله الأمثالَ للناس }؛ تقريباً للفهم، لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس { والله بكل شيءٍعليمٌ } ، معقولاً كان أو محسوساً، فيبين الأشياء بما يمكن أن تُعْلَم به. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الكون كله من عرشه إلى فرشه قطْعةٌ من نور الحق، وسر من أسرار ذاته، مُلْكٌ، وباطنه ملكوت فائض من بحر الجبروت، فالكائنات كلها: الله نُورُها وسرُّها، وهو القائم بها. ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء من العارفين بالله، وحسبُ من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وتحققوه ذوقاً وكشفاً.
ثم ضرب الحقُّ تعالى مثلاً لنوره الفائض من بحر جبروته، فقال: { مثل نوره } الظاهر، الذي تجلى به في عالم الشهادة، { كمشكاة فيها مصباح } أي: كطاقة انفتحت من بحر اللّطَافَةِ الكَنْزِيَّةِ، خرج منها نور كثيف كالمصباح، فالكون كله مِصْبَاحُ نورٍ، انفجر من نور النور، ومن ذلك المصباح تفرعت الكائنات، فهي كلها نور فائض من بحر نوره اللطيف، ثم جعل الحق تعالى يصف ذلك المصباح في توقده وتوهجه بقوله: { المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُري... } إلخ. فالآية كلها من تتمة التمثيل.
وقوله تعالى: { ولو لم تمسسه نار } قيل: الإشارة فيه إلى استغناء العبد في تلك الحالة عن الاستمداد إلا من رب العزة، فيستغني عن الوسائط. وقوله تعالى: { نورٌ على نور } أي: نور ملكوته على نور جبروته، { يهدي الله لنوره } أي: لشهود نوره، أو لمعرفة نوره، { من يشاء } من خواص أحبابه، كأنبيائه وأوليائه، فمن لم يشهد هذا النور، ولم يعرفه، لا خصوصية له؛ يتميز بها عن العوام، فهو من عامة أهل اليمين، ولو كثر علمه وعمله؛ إذ لا عبرة بالعلم والعمل مع الحِجَاب. وفي الحكَم: " الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته " ، والمحجوب برؤية الأكوان من جملة العوام عند أهل العيان، ينسحب عليه معنى المثال الآتي في ضد هذا بقوله: (أو كظلمات...) إلخ.
وفي الحِكَم: " الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهورُ الحَقِّ فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه، أو عنده، أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسُحب الآثار ". فالكون عند أهل العيان كله نور، وعند أهل الحجاب كله ظلمة، وهو محيط بهم، فالظلمة محيطة بهم، وقد ألف الغزالي في هذه الآية كتابه: (مشكاة الأنوار)، وكلامه فيه يدور على أن معنى اسمه تعالى " النور ": يرجع إلى ما ثبتت به الأشياء وظهرت من العدم، ولذلك قال قائلهم:
فَالنُّورُ يُظْهِرُ مَا تَرَى مِنْ صُورَةٍ     وبه ظهور الكَائِنَاتِ بِلاَ امْتِرَاءِ
وفي لطائف المنن: الله نور السموات والأرض؛ نور سموات الأرواح بمشاهدته، ونور أرض النفوس بمطالعته وخدمته، وجعل قلوب أوليائه مَجْلاَةً لذاته ولظهور صفاته، أظهرهم ليظهر فيهم خصوصاً، وهو الظاهر في كل شيء عموماً، ظهر فيهم بأنواره وأسراره، كما ظهر فيهم، وفيما عداهم بقدرته واقتداره. هـ.
ثم ذكر محل ظهور ذلك المصباح، فقال: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ... }

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة
جاري التحميل...