آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 17 أبريل 2017

- الْرِّيَاضَةُ الْرُّوحِيَّة .

الإنسان الذي تنبَّه ، والذي تذكَّر ، ويريد أن يرجع إلى الله ماذا يفعل ؟ ، يقولون له : عليك أن تأخذ فترة تصفِّي نفسك ، وتطهِّر قلبك ، حتى تلمع فيه الحقائق ، ويظهر لك فيه نور الله عزوجل ، وبعد ذلك تدخل في قول الله :
( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ )42الحجر
فيعطوه الاستغفار ، ويعطوه الصلاة على النبي المختار ، ويعطوه أنواع الأذكار ، ومع ذلك يأمرونه بالصيام ، والقيام ، والنوافل ، والقربات ، وفعل الصالحات ، وكل هذه الرياضات لأهل البدايات .......
تلك الرياضة يا مسكين غايتها      ذل ومسكنة إن صح أنت أولى

حتى يكشفوا له ما ران على قلبه مما كسبه من الذنوب والأوزار والغفلات :
{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}   سورة المطففين

فإذا لم يستطع المريد القيام بهذه المجاهدات ... ، فحتى لو ظل ألف سنة ؛ فلن يشرف على مقامات المقربين !! ، بل سيظل كذلك من أهل اليمين ... ، ومع ذلك ينبِّهه الله عند وحلته ... !! ويوقظه الله عند غفلته ..!!...
ولكن لا يكشف الله عزوجل له عن أنوار السرائر ، ولا سرائر الأنوار ، لأنه لم يسر على قدم النبي المختار ، فيطهر قلبه كما طهر الله قلب حبيبه ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه .
فإذا أردت يا أخي الفضل الكبير ، والمنن العظام .... :
فهذا هو جهادك ، وهذه هي خدمتك ، وهذا بيان صدق إرادتك ، وهذا هو الدليل العام على إخلاصك في القصد ..؟... ، لأن المدعين كثيرون ، فالذي يكشف صدق المريدين .... هو الجهاد .!.... والجهاد للقرب والوداد

لا يكون إلا بتطهير النفوس والقلوب لربِّ العباد  ، فلا أجاهد حتى أكون شيخاً ..!!.. ، أو أجاهد حتى أكون من أهل الكشف ..!!.. ، أو أجاهد حتى أكون من أهل العلم الوهبي ..!!.. ، لكن أجاهد حتى أتيقن وأكون من أهل اليقين الذين فازوا باليقين في الدنيا قبل أن يخرجوا إلى ملكوت ربِّ العالمين  .
بعد هذا الجهاد مباشرة يجعل الله  لك مصباحاً في أفق قلبك ؛ ينير لك ظلمات هذه الحياة ..... فتكون في سيرك كما يقول الله : .....

(أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)  الأنعام

فتستفيد من كل كائن !!! ، ونأخذ الموعظة والحكمة ..!!.. حتى من الأشياء التي لا يلقى لها الناس بالاً.

-----------------------------------

🌹 اشراقة من كتاب اشراقات الإسراء (الجزء الأول)
🌹 لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

الأحد، 16 أبريل 2017

- الفرق بين نظرة السالك ونظرة الهالك.



جِلاءُ الْقُــلُوب . 
كيف نصل إلى اليقين ؟
هذا كما وضَّحه لنا ربُّنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ عندما يستيقظ المرء من الغفلة ، ويتنبه من الجهالة ، فيسارع إلى مرآة قلبه يصفِّيها ، ويجلوها بذكر الله .. ، والتوبة النصوح لحضرة الله .. ، ولا يزال بها ....... حتى تصير مرآة ناصعة !!! تظهر فيها الحقائق التي بثَّها الله في الأكوان ......!!!.....
سيدنا يعقوب عليه السلام ، رأى في مرآة قلبه قميص يوسف وهو خـارج من هنا- من مصر ،
وقال لأبنائه ... ومن حوله : ...
 (  إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ )  سورة يوسف
ومن عجيب صنع الله عزوجل أن التلسكوب الفلكي عبارة عن مرآة فيها الكائنات العلوية ، وكلما كبرت كلما يظهر فيها من عوالم الله أكثر ، وكلما تصفو كلما تبيّن مجرات ونجوم أكثر وأكثر.......
وهكذا الأمر يا أخواني بالنسبة للسالكين في طريق الله عزوجل . فالذي يطهِّر مرآة نفسه ، يكشف له الله سبحانه وتعالى اللبس ، فلا يرى شيئاً في عالم الدنيا إلاّ ويكشف الله له عن حقيقته ، كما كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأكوان ، فيرى الناس أهل الغفلة الدنيا في صورة إمرأة جميلة عليها من كل زينة خلقها الله ، ويراها صاحب البصيرة بعين بصيرته كامرأة عجوز شوهاء ... قد أوشكت على مفارقة الحياة
هذا هو الفرق بين نظرة السالك ونظرة الهالك.
فالهالك يرى بهجة الدنيا ، وزخارفها ، وزينتها ، ونضارتها، فتغرُّه وتضرُّه ، والسالك يراها بعد صفاء مرآة نفسه ، فيرى أنها دار زوال لا دار إقبال ، ودار فناء وعناء ، لا دار سعادة وهناء ، فينزع عن زخارفها وزينتها طمعاً في المباهج الباقية ، وأملاً في رحمة الله  ونعيمه الذي لا ينفد في دار رضوانه وجناته !
وهذا الذي يجعلهم لا يركنون إلى الدنيا ، ولا يميلون إليها ويزهدون فيها ، وإلا فكيف يزهد في الدنيا من غير أن يرى حقيقتها ؟ !! ، وكيف تنزع نفسه عن الركون إلى الدنيا ! ؟ ، وهو يرى زينتها ! ، وبهجتها ! ، وزخارفها .... هي الهمُّ الأعظم والشأن الأكبر عنده ؟ !!!!!
فلابد أن يجلو مرآة نفسه ، ويرى الدنيا بالعين التي رآها بها أنبياء الله ، ورسل الله ، والصالحون من عباد الله عزوجل ، لكن الذي يراها بعين الهالكين- فرعون وقارون
وهامان ومن على أثـرهم - والعياذ بالله- فإنه هو الذي يتيه ويضلُّ سعيه في هذه الحياة ، وفيهم يقول الله عزوجل :
[  `وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ] الإسراء
ما معنى أعمى ؟...عن الحقائق التي أوجدها الله عزوجل  في الكائنات ، والمصنوعات ، والتي لا يطَّلع عليها ولا يراها إلاّ من سار على درب الصالحين ، ونظر بالعين التي توهب من سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ..... فمثل هذا فإنه يحتاج الحالة التي كان عليها الصالحون- ولا زالت إلى يوم الدين.

-----------------------------------

🌹 اشراقة من كتاب اشراقات الإسراء (الجزء الأول)
🌹 لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

السبت، 15 أبريل 2017

- تَسْبِيحِ الْكَائِنَات

الكائنات عندما تسبِّح ؛ لا تسبح مثلنا فتقول ( سبحان الله ) :
وإنما كل كائن له تسبيح يشاكل حالته ، ويسامت هيئته ، ويجعله يؤدى وظيفته التي من أجلها خلقه الله عزوجل ، فلا يقولوا سبحان الله كما نقول نحن ، بل كل كائن له تسبيح خاص به .
فتسبيح الجبال : ...." سبحان القوى " ، فإذا غفل الجبل لحظة عن تسبيح حضرة القوى إندك في الحال ، لأن الذي يحفظه هو القوى عزوجل .
وتسبيح السماء : ...." سبحان الرافع " ، فإذا غفلت لحظة- وسيكون ذلك في آخر الزمان - تهاوت وانتهت الحياة الدنيوية .
وتسبيح الماء : ....." سبحان الحي " ، ولذلك لا يصل الماء إلي أي كائن إلاّ وسرت فيه الحياة التي استمدها الماء من واهب الحياة عزوجل .
فإذا نسى الماء تسبيح الحي ؛ أجدبت الأرض ، فلا تنبت نباتاً ، ولا يحي بها حيوان ، ويموت كل من عليها ، لأنها تستمد سرّ الحياة من واهب الحياة عزوجل .
فكل كائن له تسبيح يلائم الوظيفة التي من أجلها خلق الله عزوجل هذا الكائن .
ولذلك لا يفقه تسبيحهم إلاّ من كشف الله عزوجل له بعين باطنه أمرهم ، ووضّح له بجلاء حالهم ، فيرى عوالم الله كلها تسبِّح الله بنغمات شجيَّة، وكلمات روحانيَّة، توضحّ المزية والخصوصية التي من أجلها أوجدهم الله في هذه العوالم الكونيَّة .
---------------------------------------------
🌹 اشراقة من كتاب اشراقات الإسراء (الجزء الأول)
🌹 لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- مُكَاشَفَـاتُ الْصَّـادِقِين


السالك الذي يسير في طريق الله عزوجل حتى يتحقق صدقه ، ويتبين صفاء مقصده ، ويعرف خالص طويته ، ويتأكد من صدق نيَّـته ، يكاشفه الله عزوجل إما بعقله ، وإما بعين نفسه ، وإما بسريرة قلبه .... بأي شئ تقع عليه عين حسِّه.
إذا كان من أهل اليمين، فعندما يرى أي منظر يجد في نفسه عبرة وعظة :
{ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} الحشر
وأهل العبرة هم الذين لم تشغلهم الدنيا بزخارفها ، وزينتها ، وزهرتها ، عن الدار الآخرة- فعندما يرى أي منظر يجد من الله عزوجل معيناً له على سلوكه ، عظة وعبرة تظهر له في نفسه ، ويعلمها بعقله ، تهديه إلى سلوك الطريق المستقيم .
فإن الذي لا يمدُّه الله عزوجل بهذا الإمداد هو الذي- والعياذ بالله- في هاوية الصّدّ والبعاد ؛ مشغول بشهواته ، مفلس في قضاء أوقاته ، ضائع في غفلاته
………………………………………………………………………
🌹 اشراقة من كتاب اشراقات الإسراء (الجزء الأول)
🌹 الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

الاثنين، 10 أبريل 2017

- خياركم كلّ مفتّن توّاب

الذنوب قدر واقع لا بد منه؛ لأن الأرض مليئة بأسباب الذنب، من شيطان لا هم له إلا غواية البشر والقعود لهم بكل صراط، ونفس أمارة بالسوء، وهوى مضل عن سبيل الله، مردٍ في أنواع المهالك، إلى شياطين الإنس الذين يميلون بالناس إلى الشهوات ميلا عظيما، ويوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن يبغونها عوجا، فمهما اتخذ الإنسان الحيطة والوقاية والحذر من الذنوب فإنه غير سالم منها؛ لأنها قدر واقع لا يمكن دفعها بالكلية، كما لا يمكن دفع الأمراض العضوية بالكلية مهما تخذنا من أسباب الحيطة، فالذنوب من قدر الله تعالى، وكل إنسان مكتوب عليه حظه منها كما كتب عليه حظه من المرض.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ}، قال طاووس: "ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" [رواه البخاري].

ولكن هذا لا يعني التراخي والتهاون مع الذنوب وركوبها في كل خاطرة وسانحة بدعوى أنها قدر وواقع لا مفر منه. كما لا يمنع من مكافحة الذنب وعلاجه والتخلص منه ومن آثاره، لأنه كما يمكن الاحتياط من المرض العضوي، كذلك يمكن الاحتياط من الذنب، وكما أن للمرض علاجا، فكذا للذنب علاجا، ولأن المرض إذا ترك بدون علاج تفاقم وأهلك البدن، وكذا الذنب إذا ترك بدون علاج تفاقم وأهلك الروح، وهلاك الروح أشد من هلاك البدن.
والشرع حين يذكر أن الذنب حقيقة مقدرة على البشر، لا يفوته أن يذكر فضل المدافعين له والمتحامين منه.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف:201]
ويقول -عليه الصلاة والسلام-: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" [الترمذي، صحيح الجامع: 4515] 
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال -صلى الله عليه وسلم-:"مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ الدنيا، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ". [رواه الطبراني، صحيح الجامع: 5735].

قال المناوي: "(ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة) أي الحين بعد الحين والساعة بعد الساعة، يقال: لقيته فينة والفينة (أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه أبداً حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتناً) أي ممتحناً، يمتحنه اللّه بالبلاء والذنوب مرة بعد أخرى، والمفتن الممتحن الذي فتن كثيراً (تواباً نسياً إذا ذكر ذكر) أي يتوب ثم ينسى فيعود ثم يتذكر فيتوب".
يروى أنه لما شرب قدامة بن عبد الله الخمر متأولا جلد، فكاد اليأس يدب في قلبه فأرسل إليه عمر يقول: قال تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ما أدري أي ذنبيك أعظم، استحلالك للخمر أولا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيا؟.

وهذا منهج إسلامي إيماني، يمنح العاصين الفرصة للعودة مرة أخرى إلى رحاب الطاعة، ويغلق دونهم أبواب اليأس، ويزرع الأمل في نفوسهم .. جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه، لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله بصره ثم قال: "ردوه علي"، فردوه عليه، فقرأ عليه: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} فقال معاذ: يا رسول الله أله وحده، أم للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة" [مسلم] 
وعن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من عبد يذنب ذنبا، فيتوضأ فيحسن الطُهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله بذلك الذنب إلا غفر الله له" [أحمد، صحيح الجامع 5738].

إن من الأخطاء الّتي تسرّبت إلينا من شطحات فكر البعض: طلب الوصول إلى حالة السّلامة الكاملة من الذّنوب، وهذا محال. لأنّ جنس الذّنب لا يسلم منه بشر، وكون المؤمن يجعل هذا غايته فهو يطلب المستحيل، فالله تعالى خلق الإنسان في هذه الحياة وجعل له أجلاً يكتسب فيه الصّالحات، فمن قدم على الله بميزان حسنات راجح فهو النّاجي إن شاء الله تعالى، بغضّ النّظر عمّا وقع فيه من السّيّئات إذا كان موحّداً .
وإنّ النّاظر إلى النّصوص الشرعية يدرك بجلاء أنّ مراد الله تعالى من العبد ليس مجرّد السّلامة من المخالفة، بل المراد بقاء العلاقة بين العبد وربّه، فيطيعه العبد فيُؤجر، ويذنب فيستغفر، وينعم عليه فيشكر، ويقتّر عليه فيدعوه ويطلب منه، ويضيّق أكثر فيلجأ ويضطر، وهكذا.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" [ صحيح الجامع: 7074].
قال الطِّيبي: "ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله؛ فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب، بل بيان لعفو الله تعالى، وتجاوزه عن المذنبين؛ ليرغبوا في التوبة".

ولهذا كان النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مع سلامته من الذّنوب يكثر من أن يستغفر، إمّا لرؤيته تقصيراً من نفسه في حقّ ما يرى من نعمة الله عليه، أو لأنّه يرى من نفسه تقصيراً في الذّكر خصوصاً عندما يدخل الخلاء أو نحو ذلك .
أي أنه -صلى الله عليه وسلم- يحقّق الإرادة القدسيّة في أن يستمرّ العبد في طلب المغفرة من الله تعالى، كبيان أنّه لا يسلم عبد ما من جنس التّقصير الّذي يوجب طلب المغفرة، إمّا تقصيراً عن الأكمل في نظرهم كما في حقّ الأنبياء، أو وقوعاً في الذّنب كما في حقّ غيرهم .
ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: "سددوا وقاربوا وأبشروا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة[متفق عليه] ففيه معنىً لطيف يقطع الطّمع على المؤمن أن يبلغ حقيقة التّديّن التامة والقيام بحقوق الله تعالى، بل المطالبة أن يسدّد العبد وأن يقارب فكأنّ الإصابة غير ممكنة، ولكن كلّما كان سهم العبد أقرب إلى الإصابة فهو أقرب للسّلامة.

وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أنّ رجلاً أذنب ذنباً فقال: أي ربّ أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثمّ أذنب ذنباً آخر، فقال: ربّ إنّي عملت ذنباً فاغفر لي، فقال: علم عبدي أنّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثمّ عمل ذنباً آخر فقال: ربّ إنّي عملت ذنباً آخر فاغفر لي، فقال الله تبارك وتعالى: علم عبدي أنّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ به، أشهدكم أنّي قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" [البخاري ومسلم]
وفي المستدرك أنّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- جاءه رجل فقال: يا رسول الله أحدنا يذنب، قال: "يُكتب عليه"، قال: ثمّ يستغفر منه، قال: "يُغفر له ويُتاب عليه"، قال: فيعود فيذنب، قال: "يُكتب عليه"، قال: ثمّ يستغفر منه ويتوب، قال: "يُغفر له ويُتاب عليه، ولا يملّ الله حتّى تملّوا" [المستدرك 1 / 59 وصحّحه ووافقه الذّهبي]
وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: "خياركم كلّ مفتّن توّاب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: حتّى متى؟ قال: حتّى يكون الشّيطان هو المحسور".
وقيل للحسن: ألا يستحي أحدنا من ربّه يستغفر من ذنوبه ثمّ يعود ثمّ يستغفر ثمّ يعود، فقال: ودّ الشّيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملّوا من الاستغفار.
 

- ما أمنية الشيطان

يدأب الشيطان محاولًا صرف المؤمن عن سبيل ربه، ويستحدث له الطرق والأساليب 
والوسائل والأفكار التي تلهيه عن الصراط السوي، وأكثر ذلك أن يلهيه عن التوبة والاستغفار.
فتارة يثقلها عليه، ويوسوس له بأنها عمل صعب ثقيل، وأنه لن يقدر عليه لأنه يحتاج جهدًا واجتهادًا.
وتارة يصعب التوبة عليه من باب أن ذنوبه أثقل من أن تغفر، وأن معاصيه أكثر من أن يتوب منها!
وتارة أخرى ييئسه من قبول تلك التوبة، لأنها غير مخلصة وغير نقية، وأنه مدنس بالآثام.
ولو لم تجد أمامه تلك الطرق وسوس له صارفًا له عن الاستغفار والتوبة بكونه كثيرًا ما يستغفر ثم يعود، وأنه بذلك يخادع ربه، وأنه يجب أن يتوقف عن ذلك!.

كل ذلك من كيد الشيطان، وكل ذلك ينبغي ألا يفت في عضد المؤمن، ويجب أن يتفطن المؤمن إليه، فطريق التائبين ليس مجرد كلمة تقال بل إيجابية وعمل ونية صالحة وإرادة قوية وعزم أكيد يصحب تلك التوبة وذلك الاستغفار.
قيل للحسن بن علي: ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يكرر الذنب؟! فقال: "ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار".
إنها أمنية الشيطان، أن يظفر من المؤمن بذلك، فيقنعه بأن يتوقف عن الاستغفار بحجة أو بأخرى، خصوصًا تلك الحجة التي هي من طبيعة بني آدم، كونهم يعاودون الذنوب بعد الاستغفار منها. هي أمنية الشيطان، ويجب علينا أن نعمل على دحض تلك الأمنية بكل سبيل.
كثير من المؤمنين يقعون في تلك المصيدة الشيطانية، مصيدة اليأس، فيقعون صيدًا سهلًا للشيطان، وعندئذ تتضاعف معاصيهم، وتهون عليهم الكبائر خطوة خطوة، وكلما سقطوا سقطة زاد ولوغهم في الإثم، وزاد بعدهم عن التوبة، ذلك لأنهم اقتنعوا بأن الاستغفار لا ينبغي لمن عاد للذنب بعد التوبة منه فكرره وأدمنه.
النفس الإنسانية صعبة المراس، نعم، لكنها ممكنة القياد أيضًا إذا عرفنا دواءها، ودواؤها ها هنا أن نربيها على الثوابت ونرسخ بداخلها المعاني باعتبارها رواسخ لا تتزعزع، ثم ندفعها للبدء في التطبيق، ولا نتركها لتتراخى في التنفيذ.
أما الثابت ها هنا فهو أن من طبيعة الإنسان الخطأ والضعف والسقوط في الإثم، وأن الله سبحانه علم ذلك من بني آدم فقبل منهم التوبة مرارًا وتكرارًا، ووعدهم بألا يقنطوا ولا ييأسوا ما دامت فيهم حياة.

قال الله سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]. وفي الحديث القدسي الصحيح: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا» (الطبراني، صحيح الجامع).
وانظر إلى جميل عفوه سبحانه وواسع مغفرته سبحانه كما في الحديث القدسي العظيم: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (أخرجه الترمذي).

وانظر إلى فعل التوبة الصادقة في الذنوب، كما يقوله صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (أخرجه ابن ماجه، وحسّنه الألباني).
وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» (أخرجه أصحاب السنن). وقال صلى الله عليه وسلم: «إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت الأخرى حتى يخرج إلى الأرض» (صحيح الجامع). وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم» (رواه مسلم).

لكن احذر يا أيها النادم التائب، فإنه لا بطالة مع التوبة، ولا قعود ولا كسل مع التوبة، فلا بد للتوبة كي تكتمل من عمل صالح، فكما أنها ترك لما يكره سبحانه فإنها فعل لما يحب سبحانه، وكما أنها تخلٍ عن معصية فإنها تحل بطاعة.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن أحد الصالحين كان يسير في بعض الطرقات، فرأى بابًا قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه، ودخلت فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرًا، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب مغلقًا فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام ودموعه على خديه، فخرجت أمه بعد حين، فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين ذهبت عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني؟ ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت، فتأمل قول الأم... وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها» (رواه مسلم)، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟! فإذا أغضبه العبد بمعصيته ثم تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.
فإذا هداك الله إلى توبة قلبية مخلصة، فاحذر الذنوب، واحذر أن تحترق بنارها مرة أخرى، وإذا ما زلت بك قدمك فسارع بالاستغفار فورًا، وبالعمل الصالح، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «وأتبِع السيئة الحسنة تمحها».
 

- خطورة الوساوس والخطرات


قال الإمام ابن القيّم – رحمه الله تعالى – في كتابه الفوائد:
مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة.

فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها، فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلاهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحابه فإنّه سبحانه به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء، فيظفر العبدُ بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته، وطرق عبوديته وإنزاله إياه حاضراً معه، مشاهداً له، ناظراً إليه رقيباً عليه مطلعاً على خواطره وإرادته وهمّه، فحينئذٍ يستحي منه و يجله أن يطلع منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله، أو يرى في نفسه خاطراً يمقته عليه.
فمتى أنزل ربّه هذه المنزلة منه رَفَعَه و قرّبه منه، وأكرمه واجتباه ووالاه، وبقدر ذلك يبعد عنه الأوساخ والدناءات والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة، كما أنّه كلما بعد منه وأعرض عنه قرب من الأوساخ والدناءات والأقذار، ويقطع عن جميع الكمالات ويتصل بجميع النقائص.

فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه. وشر المخلوقات، إذا تباعد عنه و لم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته، فمتى اختار التقرب إليه وآثره على نفسه وهواه، فقد حكم قلبه وعقله وإيمانه على نفسه وشيطانه، وحكم رشده على غيّه، وهداه على هواه، ومتى اختار التباعد منه فقد حكم نفسه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده.

واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، فردها إلى مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها.
ومعلوم أنه لم يعط الإنسان أمانة الخواطر ولا القوة على قطعها، فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلاّ أن قوة الإيمان والعقل له ونفرته منه كما قال الصحابة - رضوان الله عليهم: يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة (أي فحمة) أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: " أوَقَد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: " ذلك صريح الإيمان " [مسلم:١٣٢] وفي رواية: " الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة ".

وفي خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها ، فمن الناس من تطحن رحاه حبّاً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى و تبناً ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه، فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قبلته صار فكراً جوالاً. فاستخدم الإرادة فتساعدت هي والفكر على استخدام الجوارح ، فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد.
ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، و إصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد.

فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك فإنّ هذه خاصتك، وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلاّ في قربه ورضاه عنك، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئاً خسيساً لم يكن في سائر أمره إلاّ كذلك.

وإيّاك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك.
فمثالك معه مثال صاحب رحى يطحن فيها جيد الحبوب، فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته، فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه وإن مكنه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحب وخرج الطحين كله فاسداً.

والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها أو في باطل أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية، فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه. وجماع إصلاح ذلك: أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنّة والنار وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته.

وعند العارفين أن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها أضر على القلب من نفس الخيانة، ولاسيما إذا فرغ قلبه منها بعد مباشرتها فإن تمنيها يشغل القلب ويملؤه منها ويجعلها همه ومراده.
وأن تجد في الشاهد أن الملك من البشر إذا كان في بعض حاشيته وخدمه من هو مُتَمَنٍّ لخيانته مشغول القلب والفكر بها ممتلئ منها وهو مع ذلك في خدمته وقضاء أشغاله، فإذا اطّلع على سره وقصده مَقَتَه غاية المقت وأبغضه وقابله بما يستحقه، وكان أبغض إليه من رجل بعيد عنه جنى بعض الجنايات وقلبه وسرّه مع الملك غير منطو على تمني الخيانة ومحبتها والحرص عليها، فالأول يتركها عجزاً واشتغالاً بما هو فيه وقلبه ممتلئ بها، والثاني يفعلها وقلبه كاره لها ليس فيه إضمار الخيانة، ولا الإصرار عليها، فهذا أحسن حالاً وأسلم عاقبةً من الأوّل.

وبالجملة: فالقلب لا يخلو قط من الفكر، إمّا في واجب آخرته ومصالحها، وإمّا في مصالح دنياه ومعاشه، وإمّا في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

- لماذا تتغير أخلاقنا في المواقف؟!

أخلاق المؤمنين ليست أخلاقًا لوقت اليسر وفقط ، لكن الأخلاق أكثر ما تظهر في أوقات الشدة والعسر وأوقات الأزمة. البعض تجده حسن الخلق، عفيف اللسان، حييى السلوك، مادام هادئًا، ومادامت الظروف حوله ظروف راحة وسعة، فأما إن انقلبت الظروف، فحدثت له مواقف غضب، أو شدة أو تعسير أمر أو مثاله، إذا بك تجد شخصًا آخر غير الذي عرفته بحسن خلقه!.

إذا بك تجد غضوبًا شرسًا، شتامًا سبابًا، مخيفًا متعديًا، غليظًا فاحشًا! هذا نجده في واقعنا كثيرًا، ونعايشه كثيرًا، حتى إنك ليصيبك الاستغراب والاندهاش من مدى تغير تلك الشخصية! ألهذه الدرجة لم تصل الأخلاق الإسلامية إلى القلوب والنفوس، ولم تستطع أن تغير حقيقة الصفات؟!.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء" (صحيح الترمذي[1977])، والفاحش أي الشاتم وفاعل الفحش (ابن بطال)، و البذاء أي الفحش في القول، وهو بذيء اللسان (النهاية). فكيف ينقلب المرء إلى هكذا وصف سيء مستنكر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة لمجرد موقف أو كلمة أو خلاف؟!.

كنا نظن أن السفهاء هم قليلو العلم سيئو الخلق، من يتصفون بتلك الخطايا، لكننا فوجئنا بكثير ممن نظنهم من المتعلمين ذلك! قال القرطبي: "والبذيء اللسان يسمَّى سفيهًا؛ لأنَّه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس، وأصحاب العقول الخفيفة".
البعض يتحجج لفحشه وبذاءته بأنه استغضب، وبأن الموقف يحتاج إلى ذلك، وبأن الآخرين قد بدأوا بالخطأ، وبأن التعامل الهادئ في تلك المواقف مضرة وسلبية! ولاشك أن ظنه ظن خاطئ قد يورد الناس موارد السوء، قال صلى الله عليه وسلم: "وإن امرؤ شتمك، أو عيَّرك بشيء يعلمه فيك، فلا تعيِّره بشيء تعلمه فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك فلا تسبنَّ شيئًا" (صحيح الترغيب[2782]).

يقول القاري: "والفحش، والبذاء، مذموم كله، وليس من أخلاق المؤمنين... " ثم قال: " فينبغي لمن ألهمه الله رشده، أن يجتنبه ويعود لسانه طيب القول، ويقتدي في ذلك بالأنبياء عليهم السلام، فهم الأسوة الحسنة" (مرقاة المفاتيح).
هناك آخرون يستعملون فظ الكلمات، ومستهجنها، ومستقبحها، وحجتهم أنها مستعملة عند العرب! يقول الماوردي: "ومما يجري مجرى فحش القول وهُجْره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه، ما كان شنيع البديهة، مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليمًا، وبعد الكشف والرويَّة مستقيمًا".

قال النووي: "قال العلماء: فينبغي أن يستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيى من ذكرها بصريح اسمها، الكنايات المفهمة، فيكني عن جماع المرأة؛ بالإفضاء، والدخول، والمعاشرة، والوقاع، ونحوها... وكذلك يكني عن البول والتغوط، بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة والبول ونحوهما، وكذلك ذكر العيوب؛ كالبرص، والبخر، والصنان، وغيرها، يعبر عنها بعبارات جميلة يفهم منها الغرض، ويلحق بما ذكرناه من الأمثلة ما سواه. واعلم أنَّ هذا كلَّه إذا لم تدع حاجة إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعت حاجة لغرض البيان والتعليم، وخيف أن المخاطب لا يفهم المجاز، أو يفهم غير المراد، صُرِّح حينئذ باسمه الصريح ليحصل الإفهام الحقيقي، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا، فإنَّ ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا، فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرد الأدب" (الأذكار).

إن أحوج من يكون لهذه الأخلاق هم الدعاة إلى الله، فلا ينبغي أن تتحول أخلاقهم في المواقف تحولًا سلبيًا أبدًا، بل يجب أن تظهر محاسن أخلاقهم في المواقف مهما اشتدت، ومهما كان الخصم سيئًا. وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (صحيح البخاري[6475])، إنها إذن أخلاق أهل الإيمان المحددة، إما أن تقول خيرًا أو لتصمت، والخير بابه واسع جدًا، كما أن الصمت مفيد غاية الإفادة عند انعدام الخير والصواب.

إن الحياء هو سيد الأخلاق عند أهل الإيمان، وخلق الإسلام هو الحياء، ولئن اتصف المرء به فسيملك عليه نفسه وسيغير مساوئ خلقه، فيجب أن نراعي ذلك مراعاة تامة في مناهج التربية وممارستها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كان الحياء في شيء قط إلا زانه، ولا كان الفحش في شيء قط إلا شانه" (التمهيد[9/257]).

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ألأَمُ خُلق المؤمن: الفحش"، إنها ألأم أخلاقه؛ لأنها تجعله غير مأمون العاقبة وغير مأمون الجانب والسلوك.

وقال الأحنف بن قيس: "أولا أخبركم بأدوأ الداء: اللسان البذيء، والخلق الدنيء"، إن هذا في نظر الحكيم الأحنف هو الداء الذي ينبغي الاهتمام به لعلاجه.

وقال القاسمي: "كلام الإنسان، بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل، وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام". 

جاري التحميل...