آخر الأخبار
موضوعات

الأحد، 22 يناير 2017

- قصة سيدنا عيسى عليه السلام

قصة عيسى عليه السلام
نشأة مريم
لا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه 
وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم "أشياع" في قول الجمهور وقيل زوج خالتها "أشياع" فالله أعلم.
و قد كانت أن أم مريم لا تحبل فرأت يوماً طائراً يزق فرخاً له فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً أي حبيساً في بيت المقدس.
قالوا: فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} أي في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم
{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
وقد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها
عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شتئم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}
ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فتنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها - أو خالتها على القولين. فطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم.

قال الله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}
وذلك أن كلاًّ منهم ألقى قلمه معروفاً به، ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاماً لم يبلغ الحنث فأخرج واحداً منها وظهر قلم زكريا عليه السلام.
فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن ألقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جرية الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء 
ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعداً فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدراً .

قال الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم مما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه. فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها {أَنَّى لَكِ هَذَا} فتقول {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي رزق رزقنيه الله {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد له من صلبه وإن كان قد أسن وكبر {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} قال بعضهم: قال: يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولداً وإن كان في غير أوانه. فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته.‏

بشارة الملائكة لمريم
{ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ{
يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب وبُشرت بأن يكون نبياً شريفاً {يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها، وأُمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة، فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها.
عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسبك من نساء العالمين بأربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد".
قصة حمل مريم بعيسى عليه السلام
لما خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً طاهراً مكرماً مؤيداً بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج فاخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.
وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورة لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها و{انتَبَذَتْ} أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} 
فلما رأته {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً} 
و التقي هو ذو نهية. 

{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً} أي خاطبها الملك قائلاً لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك لأهب لك ولداً زكيا.
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد 
{وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً} أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة 
{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها قائلاً أنه وعد الله أنه سيخلق منك غلاماً ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين 
{هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي وهذا أسهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.
وقوله {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. 

قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}.
ذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها. 
ولما نفخ فيها الروح لم يواجه الملك الفرجَ بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه، كما قال تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} 

قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً}
وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها، فذكر غير واحد من السلف أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عُباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج، فعرَّض لها ذات يوم في الكلام فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ 
قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول. 
ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ 
قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. 
قال لها: فأخبريني خبرك. 
فقالت: إن الله بشرني {اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ}.
ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا. والله أعلم.
وروى عن مجاهد قال: قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني.
قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا.
قال: واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكاناً قصياً.‏

ولادة عيسى
{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً}
أي فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، ببيت لحم فتمنت الموت وذلك لأنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو لم تخلق بالكلية.
{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا}
و فى تفسير ذلك قولان: أحدهما أنه جبريل وفي رواية: هو إبنها عيسى
{ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}. قيل النهر
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} فذكر الطعام والشراب ولهذا قال {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً}.
قيل: كان جذع النخلة يابساً وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم. ويحتمل أنها كانت نخلة، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الأمتنان {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} 
ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب
{فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً}. 
فإن رأيت أحداً من الناس فقولى له بلسان الحال والإشارة إنى نذرت للرحمن صوماً أي صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً}
والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قالوا {يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة 
ثم قالوا لها {يَا أُخْتَ هَارُونَ} 
وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها. والله أعلم.
عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرحت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم".

عيسى يتكلم فى المهد
فلما ضاق الحال بمريم {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه
فعند ذلك قالوا : {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} 
أي كيف تحيلين في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو رضيع في مهده ولا يميز ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء .
فعندها {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}.
هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم، فكان أول ما تكلم به أن {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته . 
ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: {آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله ، كما قال تعالى {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنى في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولي العزم الخمسة الكبار 
ثم قال: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي وجعلني براً بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة وبراها وأعطى كل نفس هداها


حقيقة عيسى عليه السلام
قال تعالى : {ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 
كما قال تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.
فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السماوات والأرض عبيده، هو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه
وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد".


ذكر منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام
قد ذكرنا أنه ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس.
وذكر وهب بن منبه أنه لما خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره 
فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: هذا لمولد عظيم في الأرض. فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان هدية إلى عيسى 
فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك. فاحتملته فذهبت به إلى مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره
عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى، فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر،
قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه، قال: إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره.


من نعم الله على عيسى
وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ، وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.
فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مرّ ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فقال لها: مالك، أيتها المرأة؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فأنظر إليها. فقال لها عيسى: أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت؟ قالت: نعم. قالوا فصلى ركعتين، ثم جاء فجلس عند القبر فنادى: يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي. قال: فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع
القبر بإذن الله؛ ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها عيسى: ما أبطأ بك عني؟ فقالت: لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليَّ روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيامة، ثم أقبلت على أمها فقالت: يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين، يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله وكلمته، سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون علي كرب الموت. فدعا ربه فقبضها إليه واستوت عليها الأرض.
فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً.
وقدمنا في عقب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلى الله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد تراباً.
وقد روى السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل، فرأى الناس أمراً هائلاً ومنظراً عجيباً.‏

بشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يَا بَنِي إسرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، 
فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيباً فبشره بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه. إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}.
عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا:
يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".

ذكر خبر المائدة
قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابا لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ}.
ومضمون ذلك: أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم. فوعظهم عيسى عليه السلام في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل.
فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحاً من شعر
وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا.
فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنوا قليلاً قليلاً، وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنوا حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول "بسم الله خير الرازقين" فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة ويقال: وخل. ويقال: ورمان وثمار، ولها رائحة عظيمة جداً، قال الله لها كوني فكانت.
ثم أمرهم بالأكل منها، فقالوا: لا نأكل حتى تأكل فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها. فأبوا أن يأكلوا منها ابتداءً، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريباً من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفه أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل أنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف.
ثم كانت تنزل يوماً بعد يوم، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوماً بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.
عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير.
فإن العلماء اختلفوا في المائدة: هل نزلت أم لا؟ فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الأثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} كما قرره ابن جرير والله أعلم.

رفع عيسى الى السماء

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}.
فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان.
قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داوود بن نورا فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالاً مبيناً كثيراً فاحشاً بعيداً.
و أخبر تعالى بقوله: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام،
، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت
اثنا عشر رجلاً منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك. فأُلقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.
قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامساً حتى بُعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}.

- THE REALITY OF VIRTUOUS PEOPLE

THE REALITY OF VIRTUOUS PEOPLE
Who is the righteous man, O brothers? He is someone who:
• Protects and supports Muslims and be their brother for Allah's sake.
• Doesn't seek interest or benefit from them, but he does and wants rewards only from Allah.
• Also his Muslim brother rewards the good deed by a good deed for Allah's sake; both of them seek favor from Allah.
The prophet (May the blessings and peace of Allah be upon him) explained this method in details, he said:
"Whoever loves (someone) for Allah's sake, hates for Allah's sake, gives for Allah's sake and prohibits for Allah's sake, he is a perfect believer." 1
So all his deeds should be for Allah's sake, if he goes to visit a patient, he should do this for Allah not to make the other visit him if he is ill, and if he doesn't do, he gets angry with him and says: I visited you when you were ill, why didn't you come to me when I'm ill? If he helped him and gave him ten pounds for example, he says to him: Where are the ten pounds you owe me? You should give it for Allah's sake, because you should help a needy patient, when the messenger of Allah visited a patient who wants certain types of food, he asked him what he wanted and got it for him. This is what really happened, but people have changed acts of worship into habits. If you see that a patient is needy and you want to help him, you should give him some money, this is the perfect way.
I shouldn't write a list of what I gave to patients, Allah said in the divine Hadith:
"I'm the most who can do without partners, whoever does anything for me and for others, I won't accept it and it is for others." 2
If you do something like this, then don't wait for grants from Allah. The deed should be for Allah's sake, of course the other person should reward you back better if he could, because Allah says:
"When you are greeted with a greeting, greet in return with what is better than it or (at least) return it equally." 4-86
A believer should train himself so that all his movements, stillness, sayings and deeds are for Allah and never wants rewards or thanks except from Allah.
1- By Abi-Omamah, narrated by At'tabarany in Al-Awsat.
2- Sonan Ibn-Majah by Abi-Horayrah that the messenger of Allah said: Allah said:…






السبت، 21 يناير 2017

-?WاHY WERE WE CREATED

We were created for countless reasons such as:
1- To represent the best names of God, He manifested to our ears by His name The All-Hearing so we hear. He manifested to our eyes by His name The All-Seeing so we see. He manifested to our tongues By The Speaker so we speak and utter. He manifested to our minds by The All-Knowing so we know. He manifested to our bodies by The Everlasting so we are alive and move, the same for the other best names.
2- To show God's honor to mankind among all creatures as God says:
17:70. "We have honored the sons of Adam; provided them with transport on land and sea; given them for sustenance things good and pure; and conferred on them special favors, above a great part of our creation".
3- To confess the oneness of God, remember His grants, thanks Him for His bounties and worship Him the way He deserves, God says:
51:56. "I have only created Jinn and people, that they may worship Me".
4- To inhabit the earth, take out its treasures and benefit from its resources according to the foundations set by God in religion and following justice and equality in all this as God says:
11:61. "It is He Who has produced you from the earth and settled you therein,"
5- To know and become acquainted with all people as God says:
49:13. "O mankind! We created you from a single (pair) of a male and a female, and made you into nations and tribes, that you may know each other".




الخميس، 19 يناير 2017

- أثر الكلام الطيب

🍒 أثر الكلام الطيب  🍒
أي إنسان مهما كانت درجة الإيمان عنده ... تؤثر فيه الكلمة الطيبة، وعندما يسمعها كأنك أنزلت عليه دشاً بارداً منعشاً من الماء🍒🌴🍒
فعندما يأتيك إنسان ثائر يريد أن يسب ويلعن وتقابله بالكلمة الطيبة ... تنتهي ثورته! ويبدله بالكلام الطيب!! وحضرة النبي يقول في كل المؤمنين :
{ مَثَلُ المُؤمِنُ مَثَلُ النَّحْلَةِ؛ لا تَأكُلُ إلاَّ طَيِّباً، وَلا تَضَعُ إلاَّ طَيِّباً } 1🌴🍒🌴
والمؤمن يحاسب نفسه علي فلتات اللسان، فلا يخرج منه إلا ما يرضي حضرة الرحمن، ودائماً نصب عينيه قول الله في القرآن
{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد}ٌ ( 18ق)
وما من كلمة تقولها إلا ويسمعها أولاً حضرة السميع!! ويحاسبك عليها!!🍒🌴🍒
فهل أنت خائف من فلان الذي يسمع منك؟ ولا تخاف من السميع الذي يسمع أولاً ويحاسبك؟! فإن فلاناً هذا إن كان سيحاسبك؟ أو يعنفك؟ فإنه حساب يسير 🍒🌴🍒
أما العلي الكبير الذي يسمع كلماتك ويعد حروفك وألفاظك وسيحاسبك عليها يوم الميقات !!!! ألا تخاف منه؟🍒
لذلك فإن المؤمن دائماً كلماته قليلة!! ولا ينطق بقول إلا بعد تفكر وتدبر وتمعن !! ويعلم علم اليقين قول السلف الصالح :
{ إن من الكلام ما هو أشد علي الأجسام من وقع السهام }🍒🌴🍒
فأحياناً تكون كلمة أشد من طلقة!!! كيف يكون كلام المؤمنين يارب؟ [وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيد] ِ(الحج 24)🍒🌴🍒
كلامهم جواهر، يختار الجواهر ويسمعها لإخوانه المؤمنين، لأنه يعلم أن من يسمعها أولاً هو رب العالمين، ولذلك عندما يتكلم حضرة النبي عن المؤمن يقول:
{ لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ ولاَ اللَّعَّانِ ولا الفَاحِشِ ولا البَذِيِّ } 2🍒🌴🍒
ليس بسباب لأي شئ ... حتي ولو كان لغير الآدمي فقد سمع النبي  وهو في غزوة تبوك رجلاً من أصحابه يلعن جملاً فقال :
{ يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون } 3
قال ماذا أصنع يا رسول الله؟ قال انزل من عليه واتركه يمشي في الصحراء، حتي الجمل!!، وذلك لكي لا يعود لسانه علي هذا الكلام.🍒🌴🍒
للمزيد اضغط هنا
----------------------------------------------------
1-عن وكيع بن عدس عن عمه ابي رزين العقيلي. سنن النسائي الكبرى
2- مسند الإمام احمد والترمذي عن عبد الله
3- الترغيب والترهيب. المحدث. المنذري عن انس بن مالك

- FORGIVENESS WHEN THERE IS ABILITY

FORGIVENESS WHEN THERE IS ABILITY
Whatever anyone has lots of great offenses, there is no one who received offenses as the messenger of Allah did from the people of Mecca, he said about this: "My pharaoh is more powerful than the pharaoh of my brother Moses." His pharaoh was Abu Jahl. However when the Prophet entered Mecca as a conqueror, he called the people of Mecca and they came very scared, he said to them: "What do you think I'm going to do with you?" They said by their tongues not from their hearts these words: "Good, you are a kind brother and a son of a kind brother." He said: "Go off, you are free, I only say to you as my brother Yusof said to his brothers:
"No reproach on you this day, may Allah forgive you, and He is the Most Merciful of those who show mercy!" 12-92

الثلاثاء، 17 يناير 2017

- يا عبادي إني حرمت الظلم

يقول الله تبارك وتعالي في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده والبيهقي في سننه الكبري والبخاري في الأدب المفرد من حديث أبي ذر رضي الله عنه
(يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)
أصل الظلم هو محبة الانتفاع بجهد الغير فعندما تظلم واحداً فهذا يعني أنك تأخذ حقه , وحقه هو ما جاء به بجهده وكده وتأخذه أنت بلا كد ولا تعب ويتبع هذا أن يكون الظالم قوياً
ولكن ماذا عن الذي يظلم إنساناً لحساب إنسان آخر ؟
إنه لم ينتفع بظلمه ولكن غيره هو الذي انتفع وهذا شر من الأول لأنه ظلم إنساناً لنفع عبد آخر ولم يأخذ هو شيء لنفسه إذن فالظلم نوعان :
1- إما أن يكون الانتفاع بثمرة جهد غيرك من غير كد
2- وإما أن تنفع شخصاً بجهد غيره
إن الله تبارك وتعالي يريد ان تكون حركة حياتنا شريفة نظيفة , حركة كريمة فلا يدخل بطنك إلا ما تعبت فيه ويأخذ كل إنسان حقه وهذا أمر دائر بين الحق والباطل
يقول الحق سبحانه في سورة آل عمران
((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلماً للعالمين))
فالحق سبحانه وتعالي لا يريد الظلم مطلقاً لا من نفسه ولا منكم أنتم أيها العباد وللظلم مظاهر كأن تأخذ إنسان بغير جريمة أو أن تعاقب إنسان فوق مستوي جريمته أو ألا تعطي إنساناً مستوي احسانه والظالم يريد بظلمه أن يعود الأمر بالنفع له
إذن لا يمكن أن يذهب إنسان من الحق إلي الظلم إلا وهو يريد أن يحقق لنفسه منفعة أن يدفع عن نفسه ضرراً أما الحق سبحانه جل جلاله فلن يحقق لذاته منفعة بظلم أو يدفع ضرراً يقع عليه من خلقه إنه منزه عن ذلك فهو القاهر فوق عباده
والحق سبحانه وتعالي إذا نظرنا إليه وهو قوة القوي إذا أراد أن يظلم - وحاشا لله أن يظلم - فماذا يكون شكل ظلمه ؟
إن الظلم يتناسب مع قوة الظالم فقوة القوي عندما تظلم فإن ظلمها لا يطاق , ثم لماذا يظلم ؟
وماذا يريد أن يأخذ وهو الذي وهب ؟
إنه سبحانه مستغن ولن يأخذ من هذا ليعطي ذاك فالعبيد أمام الله سواء لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولد , إن الظلم بالنسبة لله محال عقلياً ومنطقياً
وحينما أراد الله أن ينفي عن نفسه الظلم ماذا قال ؟
قال في سورة فصلت (( وما ربك بظلام للعبيد))
ولم يقل وما ربك بظالم للعبيد
قالوا : لأن الله لو أباح لنفسه الظلم فلن يكون ظالماً فقط وإنما يكون ظلاماً لأن الظلم يتناسب مع قوته وقدرته
ونحن قلنا أن هناك اشياء تسمي مبالغات مثل قولك : فلان آكل . فكلنا آكلون ولكنك إذا قلت فلان أكول أو اكال فمعناها أنه يبالغ في الأكل إما بزيادة كمية الطعام التي يأكلها فيبالغ في الحدث ذاته وإما أن يأكل خمس مرات في اليوم مثلاً إذن المبالغة في الوصف إما أن تكون بتضخيم الحدث أو تكراره
وكذلك لم يقل الحق سبحانه وما ربك بظلام للعبد ولكنه قال للعبيد فلو أنه سبحانه ظلم هذا العبد وذاك وغيره فهذا التكرار في الظلم يتناسب معه كلمة ظلام وليس كلمة ظالم

والله سبحانه وتعالي لم يمتنع عن الظلم لأنه لا يستطيع أن يظلم ولكن لأنه لا ينبغي له أن يكون ظالماً لأن الظالم يأخذ حق غيره لنفسه أما الله فهو مالك كل شيء فلا يمكن أن يظلم ولا ينبغي له إذن عدم ظلمه سبحانه ليس عن ضعفه عن الظلم ولكن لتنزهه عنه ولذلك يقول الحق في سورة العنكبوت
((وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))
وكلمة (ما كان) تختلف عن (ما ينبغي) فساعة تسمع "ما ينبغي لك أن تفعل ذلك" فهذا يعني أن لك قدرة علي أن تفعل ولكن لا يصح أن تفعل , ولكن حينما يقال "ما كان لك أن تفعل" أي أنك غير مؤهل لفعل هذا مطلقاً , ومثال ذلك ولله المثل الأعلي : أن يقال لفقير "ما كان لك أن تشتري فيديو" لأنه بحكم فقره غير مؤهل لشراء مثل هذا الجهاز
ولكن حين يقال لآخر "ما ينبغي لك أن تشتري فيديو" أي أنه عنده القدرة علي الشراء ولكن القائل له يري سبباً غير الفقر هو الذي يجب أن يمنع من الشراء , إذن فهناك فرق بين نفي الإمكان ونفي الانبغاء
والحق سبحانه لا يظلم أحداً ولو مثقال ذرة إذن فهو ليس بظلام للعبيد لأنه لو ظلم كل عبد من عباده ذرة لكانت كمية الظلم هائلة لكثرة العباد ولكن حتي هذه الذرة من الظلم لا تحدث من الله لأنه سبحانه ليس بظلام للعبيد وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الأخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتي إذا أفضي إلي الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها))
والظالم من البشر جاهل لماذا ؟
لأنه قوي الذي ظلمه ولم يضعفه , فالظالم يظلم ليضعف المظلوم أمامه فنقول له : أنت قليل الذكاء لأنك قويته علي نفسك وفعلت عكس ما تريد كيف ؟
لنوضح ذلك بمثال ولله المثل الأعلي الواحد منا له أولاد فإذا ما جاء يوماً أحد أولادك وقد ظلم أخاه يوماً فقلب الوالد يكون مع من ؟ الظالم أم المظلوم ؟
فقلب الوالد يكون مع المظلوم بل ويحاول الوالد أن يسترضي المظلوم إذن فالولد الظالم ضر أخاه ضرراً سناسب طفولته ولكنه أعطاه نفعاً يناسب قوة والده وما دمنا جميعاً عبيداً لله فماذا يفعل الله حين يري سبحانه واحداً من خلقه قد ظلم آخر ؟
لابد أن الحق سيشمل المظلوم برعايته

- أبو الكيمياء جابر بن حيان


من هو جابر بن حيان؟أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي عالم مسلم عربي، اختُلِفَ من أي بُطُونِ الأزد يُنسَب. برع في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، ويعد جابر بن حيان أول من استخدم الكيمياء عمليًا في التاريخ فلقِّب بأبو الكيمياء.
نشأته و حياته :
ولد في مدينة طوس في عام (101هـ - 721م) وكان والده يعمل في العطارة وكان جابر يساعدوالده في العمل منذ الصغر وتعلم من والده كل ما يتصل بعلم النباتات والدواء وصناعته واطلع على كتابات الفلاسفة في الكيمياء والطبيعة والفلسفة والتنجيم والفلك وهو ما زال صبياً.
واستقرَّ في بغداد بعد قيام الدولة العباسية، وتوثقت علاقته بأسرة البرامكة الفارسية، وامتدت حياته ما بين (103 - 200هـ/ 721 - 815م) ، وصفه أنور الرفاعي في كتابه تاريخ العلوم في الإسلام: بأنه كان طويل القامة، كثيف اللحية. اشتهر بإيمانه وورعه، وكذلك بتصوفه. كان يعيش جابر بن حيان في مدينة دمشق القديمة، حيث كان يقضي معظم يوم في غرفة منعزلة يعكف على دراسة الكيمياء.

قبل جابر بن حيان كان هناك مجموعة من المهن البدائية القديمة، وقد اختلطت مع كثير من الحرف، كالتحنيط (في مصر القديمة) والدِّباغة، والصباغة والتعدين واستخلاص الزيوت، لكن جابر بن حيان استطاع أن يطوِّر الكيمياء ويرفعها من تلك المنزلة البدائية التي كانت عليها إلى منزلة عالية، وذلك بإضافته للكثير من المعارف النظرية والعلمية، وإرسائه أسسَ وأصولَ تحضير المواد الكيميائية والتعامل معها؛ لذلك يُعتَبَر ابنُ حيان شيخ الكيميائيين بلا منازع.

بداية الكيمياء والمنهج العلمي عند جابر بن حيان

بدأت الكيمياء خرافية تستند على الأساطير البالية، حيث سيطرت فكرة تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة؛ وذلك لأن العلماء في حضارات ما قبل الإسلام كانوا يعتقدون أن المعادن المنطرقة مثل الذهب والفضة والنحاس والحديث والرصاص والقصدير من نوع واحد، وأن تباينها نابع من الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة الكامنة فيها، وهي أعراض متغيرة (نسبة إلى نظرية العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والتراب)؛ لذا يمكن تحويل هذه المعادن من بعضها البعض بواسطة مادة ثالثة وهي الإكسير. ومن هذا المنطلق تخيل بعض علماء الحضارات السابقة للحضارة الإسلامية أنه بالإمكان ابتكار إكسير الحياة أو حجر الحكمة الذي يزيل علل الحياة ويطيل العمر، وهذا ما كان يُسَمَّى بعلم الخيمياء.

وصفه ابن خلدون في مقدمته وهو بصدد الحديث عن علم الكيمياء فقال: "إمام المدونين فيها جابر بن حيان، حتى إنهم يخصونها به فيسمونها "علم جابر"، وله فيها سبعون رسالة".

قال عنه أبو بكر الرازي في «سر الأسرار» :«إن جابراً من أعلام العرب العباقرة وأول رائد للكيمياء»، وكان يشير إليه باستمرار بقوله الأستاذ جابر بن حيان.

كان غزير الإنتاج والاكتشافات، حتى إن الكيمياء اقترنت باسمه فقالوا: "كيمياء جابر"، و"الكيمياء لجابر"، وكذلك: "صنعة جابر". كما أُطلق عليه أيضًا "شيخ الكيميائيين" و"أبو الكيمياء".

وقد تأثَّر بعض العلماء العرب والمسلمين الأوائل كجابر بن حيان وأبي بكر الرازي بنظرية العناصر الأربعة التي ورثها علماء العرب والمسلمين عن اليونان، لكنهما قاما بدراسة علمية دقيقة لها؛ أدَّت هذه الدراسة إلى وضع وتطبيق المنهج العلمي التجريبي في حقل العلوم التجريبية.

وعن هذا المنهج التجريبي كان يقول جابر: "ومِلاك كمال هذه الصنعة العمل والتجربة؛ فمن لم يعمل ولم يجرِّب لم يظفر بشيء أبدًا".

ولذلك يُعَد جابر أول من أدخل التجربة العلمية المخبرية في منهج البحث العلمي الذي أرسى قواعده، وكان أحيانًا ما يُسمي التجربة بالتدريب، فكان يقول: "فمن كان دَرِبًا كان عالمًا حقًا، ومن لم يكن دَرِبًا لم يكن عالمًا، وحسبُك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدَّرِب يحذق، وغير الدَّرِب يعطل".

اهتم هولميارد Holmyard بأعمال جابر ومنهجه العلمي ومؤلفاته، وعكف على إبراز القيمة العلمية لعمله، وتراه بعد ذلك يقول: "إن الصنعة الخاصة عند جابر هي أنه قد عرف وأكَّد على أهمية التجريب بشكل أوضح من كل من سبقه من الخيميائيين".

أوَّليات وإنجازات جابر بن حيان

قام جابر بإجراء كثير من العمليات المخبرية، كان بعضها معروفًا من قبلُ فطوَّره، وأدخل عملياتٍ جديدة. ومن الوسائل التي استخدمها: التّبخُّر، والتقطير، والتبلُّر، والتسامي، والترشيح، والصَّهر، والتكثيف، والإذابة، ودرس خواص بعض المواد دراسة دقيقة؛ فتعرف على أيون الفضة النشادري المعقد.

هذه قائمة بسيطة وموجزة حول بعض منجزات جابر بن حيان في علوم الكيمياء:

- اكتشف "الصودا الكاوية" أو القطرون (NaOH).

- أول من استحضر ماء الذهب.

- أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بواسطة الأحماض. وهي الطريقة السائدة إلى يومنا هذا.

- أول من اكتشف حمض النتريك.

- أول من اكتشف حمض الهيدروكلوريك.

- اعتقد بالتولد الذاتي.

- أضاف جوهرين إلى عناصر اليونان الأربعة وهما (الكبريت والزئبق) وأضاف العرب جوهرا ثالثا وهو (الملح).

- أول من اكتشف حمض الكبريتيك وقام بتسميته بزيت الزاج.

- أدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والانصهار والتبلور والتقطير.

- استطاع إعداد الكثير من المواد الكيميائية كسلفيد الزئبق وأكسيد الارسين (arsenious oxide).

- نجح في وضع أول طريقة للتقطير في العالم.فقد اخترع جهاز تقطير ويستخدم فيه جهاز زجاجي له قمع طويل لا يزال يعرف حتى اليوم في الغرب باسم "Alembic" من "الأمبيق" باللغة العربية. وقد تمكن جابر بن حيان من تحسين نوعية زجاج هذه الأداة بمزجه بثاني أكسيد المنجنيز.

- صنع ورق غير قابل للأحتراق.

- شرح بالتفصيل كيفية تحضير الزرنيخ والانتيمون.

هو أول من حضَّر حمض الكبريتيك بالتقطير من الشَّب، وحضَّر أكسيد الزئبق، وحمض النتريك؛ أي ماء الفضة، وكان يسميه الماء المحلل أو ماء النار، وحضر حمض الكلوريدريك المسمَّى بروح الملح، وهو أول من اكتشف الصودا الكاوية، وأول من استخرج نترات الفضة وقد سمّاها حجر جهنم، وثاني كلوريد الزئبق (السليماني)، وحمض النتروهيدروكلوريك (الماء الملكي)، وسُمِّي كذلك لأنه يذيب الذهب ملك المعادن.

وهو أول من لاحظ رواسب كلوريد الفضة عند إضافة ملح الطعام إلى نترات الفضة، كما استخدم الشب في تثبيت الأصباغ في الأقمشة، وحضَّر بعض المواد التي تمنع الثياب من البلل؛ وهذه المواد هي أملاح الألومنيوم المشتقة من الأحماض العضوية ذات الأجزاء الهيدروكربونية، ومن استنتاجاته أن اللهب يُكسِب النحاس اللون الأزرق، بينما يكسب النحاس اللهب لونًا أخضر. وهو أول من فصل الذهب عن الفضة بالحل بوساطة الحمض، وشرح بالتفصيل عملية تحضير الزرنيخ، وتنقية المعادن، وصبغ الأقمشة.

ويُعزَى إليه أنه أولُ من استعمل الميزان الحساس والأوزان متناهية الدقة في تجاربه المخبرية؛ وقد وزن مقادير يقل وزنها عن1/100 من الرطل، ويُنسَب إليه تحضير مركبات كل من كربونات البوتاسيوم والصوديوم والرصاص القاعدي والإثمد (الأنتيمون)، كما استخدم ثاني أكسيد المنجنيز لإزالة الألوان في صناعة الزجاج، كما بلور جابر النظرية التي مفادها أن الاتحاد الكيميائي يتم باتصال ذرات العناصر المتفاعلة مع بعضها، ومثَّل على ذلك بكلٍّ من الزئبق والكبريت عندما يتحدان ويكونان مادة جديدة. وقد كان يجري معظم تجاربه في مختبر خاص اكتُشِف في أنقاض مدينة الكوفة في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي.

مؤلَّفات جابر بن حيان

عود شهرة جابر بن حيان إلى مؤلفاته العديدة، ومنها "كتاب الرسائل السبعين"، ترجمه إلى اللاتينية جيرار الكريموني سنة 1187م وتضاف إلى هذه الكتب تصانيف أخرى عديدة تتناول، إلى جانب الكيمياء، شروحاً لكتب أرسطو وأفلاطون ؛ ورسائل في الفلسفة، والتنجيم، والرياضيات، الطب، والموسيقى. وجاء في "الأعلام" للزركلي أن جابراً له تصانيف كثيرة تتراوح ما بين مائتين واثنين وثلاثين (232) وخمسمائة (500) كتاب، لكن ضاع أكثرها. وقد ترجمت بعض كتب جابر إلى اللغة اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر، كما ترجم بعضها من اللاتينية إلى الإنجليزية عام 1678.

قرر ابن النديم أن له 306 كتابًا في الكيمياء بأسلوبه الخاص في أنحاء العالم، ورغم أن معظمها قد فُقِد، إلا أنه يوجد منها الآن ثمانون كتابًا محفوظًا في مكتبات الشرق والغرب، وقد تَرْجم معظمَ كتبه إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي روبرت الشستري (ت 539هـ / 1144م) وجيرار الكريموني (ت 583هـ / 1187م) وغيرهما، ومثّلت مصنفاته المترجمة الركيزة التي انطلق منها علم الكيمياء الحديث في العالم.

وظل الأوربيون يعتمدون على كتبه لعدة قرون، وقد كان لها أثر كبير في تطوير الكيمياء الحديثة. وفي هذا يقول ماكس مايرهوف : يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية، في مجمل مصنفاته يقول لوبون G. Lebon: "تتألف من كتب جابر موسوعة علمية تحتوي على خلاصة ما وصل إليه علم الكيمياء عند العرب في عصره، وقد اشتملت كتبه على بيان مركبات كيميائية كانت مجهوله قبله".

كتب جابر بن حيان

- أسرار الكيمياء.

- نهاية الاتقان.

- أصول الكيمياء.

- علم الهيئة.

- الرحمة .

- المكتسب.

- الخمائر الصغيرة.

- "صندوق الحكمة"

- "كتاب الملك"

- كتاب الخواص الكبير

- كتاب المجردات

- كتاب الخالص

- كتاب السبعين

- "الخواص"

- "السموم ودفع مضارها".

ومجموع رسائل وكتب أخرى تم ترجمة العديد منها للاتينية.

الكيمياء الجابرية

تُرجِمت كتب جابر إلى اللاتينية، وظلَّت المرجع الأوفى للكيمياء زهاء ألف عام، وكانت مؤلفاته موضع دراسة مشاهير علماء الغرب، أمثال: كوب، وبرثوليه، وكراوس، وهولميارد الذي أنصفه ووضعه في القمة، وبدَّد الشكوك التي أثارها حوله العلماء المغرضون.

شهادات من الغرب

إن جابر بن حيان هو الذي وضع الأسس العلمية للكيمياء الحديثة والمعاصرة ، وشهد بذلك كثير من علماء الغرب ، قال عنه برتيلو (Berthelot): "إن لجابر في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق" ؛ وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس باكون: (إن جابر بن حيان هو أول من علم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء).

يقول ماكس مايرهوف: يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية ، ويقول سارتون الذي أرَّخ به حقبة من الزمن في تاريخ الحضارة الإسلامية، يقول: "ما قدَّر جابر أن الكتب التي ألَّفها لا يمكن أن تكون من وضع رجل عاش في القرن الثاني للهجرة لكثرتها ووفرة ما بها من معلومات".

قال عنه العالم الكيميائي الفرنسي مارسيلان بيرتيلو في كتابه (كيمياء القرون الوسطى): "إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق".

لقد عمد جابر بن حيان إلى التجربة في بحوثه ، وآمن بها إيمانا عميقا . وكان يوصي تلاميذه بقوله :"وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب، لأن من لايعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان. فعليك يابني بالتجربة لتصل إلى المعرفة".

وفاة جابر بن حيان

وتوفي جابر بن حيان في الكوفة وتقول اغلب الروايات أنه مات في السجن إثر نكبة البرامكة في عهد هارون الرشيد.

- عزيزى الطالب تذوق ثمرة النجاح

على أرضٍ قاحلةٍ سوداويةغبراء ، رأيْتُ شجرةً لايوجد بجوارِها غير الكآبة والأسى، حيثُ انها زرعَتْ نفسها في جبلٍ أصمٍ صلب صلد...... لكنها أزهرَتْ رغم قسوة الواقعِ وشحّ المياه.
ولكن عجباً أنها تشعُّ كتباً وأقلاماً ووريقات خالدة سرمدية فسألتُ كيف نمَّتْ هذهِ الشجرة وأزهرَتْ ولاوجود للأشجارِ في هذا المكان ولا حتى الماء ولانبتة صغيرة.......
نعم أثمرَتْ بفعلِ نجاحِكَ أيها الطالب فأنتَ المتفائل المتفوق الذي رسمْتَ درب أحلامك بريشة الزمن الخالدة ونقشتها في حائط تأريخي سرمدي باقٍ.
أنتَ حقاً سقيتُها ماء عذب زلال - بعرق جبينك - المتساقط ليل نهار، طالما جلستَ في حلكة الليل وظلام الليالي أمام شمعة صغيرة لاتستطيع أن تضيء حتى ولو كلمة واحدة من كلمات كتابك ....
ولكن نور صبرك وعزيمتك واجتهادك هو الذي أضاء لك الطريق ، وأثمرت الشجرة ثمار الفلاح والصلاح والنجاح.
فحقَّ لكَ أيها الطالبُ أن تحلقَ في كبدِّ سبعِ سمواتٍ عظام، فخراً لما بذلت، ولما ستبذل ، فالثريا تنتظر وصولك لتحفر أسمك ، وتخلد أثرك، وتترك عظيم الشأنِ ببصمتك التي لاتعرف معنى المستحيل .
وتذكر أن الله عزَّ وجلّ لاينسى عبدهُ مهما عمل، مصداقاً لقولهِ تعالى (( أن الله لايضيع أجر من أحسنَ عملا ))
فلك أيها الطالب لتتذوق ثمرتك فما أجملها من ثمار وماأجمل طعمها وشكلها ورائحتها ....
أنها ثمرة النجاح

- كيف تدرب عقلك على النجاح؟

يستطيع الإنسان صاحب العقل والإرادة -بل وينبغي عليه- أن يتدرّب على سلوك التحكّم في الذات حتى يصير عادةً له يفعلها تلقائياً وأن يسخّر طاقاته الانفعالية للبناء لا للتخريب.
وضمن محور التعرّف على أسباب تفجّر الأحاسيس وطرق التحكّم بها نتابع في السطور التالية حديثنا عن مصادر الأحاسيس.
هناك ثلاثة مصادر أساسية للأحاسيس هي: الإدراك، والتخيّل، والذاكرة. تحدّثنا في الجزء السابق من هذه المقالة عن الإدراك وبدأنا الحديث عن التخيّل والتدريبات الذهنيّة. في السطور التالية نتابع حديثنا عن التدريبات الذهنية، ثمّ نتناول المصدر الثالث: الذاكرة.
التخيّل موردٌ لا ينضب لبناء الواقع أو لتدميره!
رأينا كيف أنّ التدريب الذهنيّ يعني تدريب عقلك مقدّماً على التعامل مع الحياة بنجاح، ولكنّنا مع ذلك نشاهد معظمَ الناس لا يقوم بالتدريب الذهنيّ ويتعامل مع الحياة بتلقائيات الماضي التي يكون 90%منها سلبياً. لذا يجب على الإنسان أن يغير طريقته في التعامل مع الحياة عن طريق تدريب أحاسيسه، وهناك الكثير من الكتب التي تناولت موضوع الذكاء العاطفيّ، والذكاء الإحساسيّ، وعالجت موضوع التحكّم في الأحاسيس الذي يعدّ من أهمّ أهداف الجنس البشري.
ويستخدم الـ Autogenics في التحكّم في الأحاسيس، لأنّ التخيّل تنبع منه الأحاسيس. فقد يتخيّل المرء نفسه وهو يحقق أهدافه ويربط بها أحاسيس إيجابية، فيعتقد العقل اللاواعي أن ذلك حقيقة (والعقل اللاواعي سمّي بلك لأنّه لا يعي الأشياء وإنما يقوم فقط بتخزينها وإخراجها في نفس صورتها المخزّنة) وهذه إحدى عجائب خلق الله.
فيجب على المرء أن يتعلّم كيف يعمل عقله وما يتكوّن منه من عقول حتّى يصبح أقرب إلى التحكّم في ذاته وحياته أسعد. وأمّا حينما يعمل العقل اللاواعي دون توجيه فتظهر التلقائيات: يغضب المرء، ويدخّن، ويتصرّف دون تفكير.
ثالثاً: الذاكرة
هي تنبع من الماضي، ويمكن للمرء أن يستخدمها في الحاضر ويجب أن نعلم أنّ الإدراك والتذكّر والتخيّل تعمل معاً، فقد يفتح العقل ملفاً من الذاكرة فيدرك ما بداخله سواء أكان الفرد واعياً أم غير واع.
وقد يشعر المرء بالضيق أو بالغضب ولا يعرف لذلك سبباً ويحدث هذا لأنّ هناك بعض الملفّات العقلية المخزن بداخلها مشاعر وأحاسيس سلبية تم فتحها واستدعاؤها من الذاكرة. لذا ننصح دائماً بتنظيف الماضي، وتغيير الإدراك الذي حدث فيه وتحويله إلى تجربة وخبرات وقدرات ومهارات. ومن ثم عندما يفكر فيها المخ وتفتح الذاكرة يصبح الماضي إيجابياً ومفيداً.
لولا الماضي لما كان الحاضر، فبالماضي اكتسبت تلك المعلومات والأفكار والأحاسيس وأقدمت بها على حاضرك. الماضي يعلّمك. فإن تصرّفت بالطريقة السلبية السابقة فلن تتعلم شيئاً وبهذا تتقدم في السن ولا ترتقي في العلم والمعرفة. لكنّك كلّما تعلّمت من ماضيك بما فيه من تجارب وخبرات أصبحت أقدر على التعامل مع الحياة وأسعد في حياتك.
الذاكرة تولّد الأحاسيس..
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
ماضينا يصنع حاضرنا
بمجرد أن يفكّر الإنسان في أمرٍ ما ينتقل المخ إلى الذاكرة ويدرك ذلك الأمر.فهو ينتقل إلى الذاكرة عبر التخيّل. فالإدراك والتذكّر والتخيّل تعمل معاً. وهذه هي المصادر الأساسية التي تنبع منها الأحاسيس سواء أكانت إيجابية أم سلبية.
يشعر الإنسان بالضيق لأنّ المخّ عند تخيّل حدثٍ ما فإنه يفتح ملفّاته العقلية ويدركها، ثم يصل إلى المرحلة الثالثة فيفتح الذاكرة ويضيف إليها أحاسيس سلبية جديدة.
إذا حدث خلاف بينك وبين شخص ما أو حدث موقف سلبي ففتحت الملفات العقلية ولم تغلقها (أي إن الحالة لم تنته بصلح أو تفاهم) كأن يحدث خلاف بينك وبين أحد أقاربك ثم تمتد القطيعة بينكما ولا تتصالحان، ثمّ تقابلتما في الفترة المنقضية بين القطيعة واللقاء يحدث ما يسمى بالفراغ العاطفيّ.
عندما ينفصل اثنان يشتاق كل منهما للآخر ويحدث الفراغ العاطفيّ، ويصبح أحدهما مستعداً للتنازل، وتكمن خطورة التنازل فيما يستتبعه من ندم، لأنّه يكون حينها غير متزن، كلُّ همّه أن يكون مع الآخر في وفاق.
فإذا اختلفت مع أخيك أو أختك ثم تصالحتما دون أن تناقشا ما حدث، ولم تتعلّما منه فبمجرّد أن يحدث خلاف مرةً أخرى يقوم المخ بتفجير التجربة السابقة مع الحالية، فيثور الشخص ثورةً عارمة. ومن هنا يجب أن يكون ثمة نقاش وتعلّم من تجارب الماضي السلبية حتّى لا تخزّن في المخ بصورتها السلبية ويبنى عليها المستقبل.
يسمّي عملاء النفس التجارب التي تمضي دون نقاش أو تعلّم بـِ unfinished business (الأعمال المعلّقة) كأن يختلف الزوجان على أمر ثم يتصالحان دون أن يحلّلا الموقف ويستفيدا منه (وهناك اثنا عشر أمراً أساسياً يختلف الناس فيها) فتتفتّح الاختلافات ولا تغلق ملفّاتها وتتراكم الأحاسيس، فتثور المشكلات في كل مرة بصورة أقوى من التي قبلها.
ومن ذكرياتنا يبنى مستقبلنا..
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
فأيّ ذكريات نستخدم؟
لا يمكن أن تدرك دون أن تفتح الذاكرة ملفاً، ولا يتمّ ذلك دون تخيّل. لا يمكن أن تدرك أمراً سيحدث في المستقبل دون أن تفتح ملفاً من الذاكرة لكي تتعرف على معلومة ما ثم تتخيّلها في المستقبل، ولا يمكن أن تتخيّل ما سيحدث في المستقبل دون أن يكون لك أهداف.
فمثلاً: إذا كنت تطمح إلى أن تكون مديراً عاماً فلا شك في أنّ في ذاكرتك تصوّراً لمعنى كونك مديراً عاماً، فإن لم يكن هناك معنى فلا توجد ذاكرة، وبالتالي لا يوجد إدراك.
وحتّى تتم هاتان العمليتان لا بدّ من التخيّل، لتتحرّك عبر الحاضر إلى الماضي والمستقبل، فالإنسان يتخيّل أموراً كثيرة لم تقع بعد ويولّد ذلك التخيّل القلق إذا كانت أموراً غير سارة، فهو يعرفُ معنىً حتّى للأمور التي لم تحدث بعد.
فإذا قفز الإنسان بخياله إلى المستقبل وتخيّل أنّ حدثاً غير سار سيقع فشعر بالقلق فإنّ المخ يفتح الملفات العقلية في الذاكرة ويستخرج منها الأحاسيس المصاحبة للقلق فيشعر بالضيق والحزن وتتراكم هذه الأحاسيس السلبية في الذاكرة، وربما لا يقع ما يخشاه ويحاذره.

د. إبراهيم الفقي



الاثنين، 16 يناير 2017

- أثر العبادات في حياة المسلم

لاشك أن الله تعالى إنماخلقنا إلا لعبادته حيث قال: {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون}. ومن أهم العبادات التي شرع الله لنا: الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وهي بمثابة منهج تربوي قويم، له  أثر واضح في حياة المسلم في علاقته بربه وبنفسه وبغيره، فبها يزيد إيمانه وتتحسن أخلاقه وأعماله إذا أداها بإخلاص لله ووفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخي المسلم أختي المسلمة إن وجدت لهذه العبادات أثرا في حياتك بأن زاد إيمانك وتحسنت أخلاقك ومعاملتك فذاك دليل على إخلاصك وحسن اتباعك لسنة نبيك.  وإن لم تجد لها أثرا فتب إلى ربك وأعد النظر في أداء عبادتك من حيث الإخلاص فيها وحسن الاتباع حتى يتقبلها الله منك ويثيبك عليها فتسعد في الدنيا والآخرة.

ومن آثار الصلاة في سلوك المسلم ما يلي:

إن للصلاة  آثر عديدة في حياة المسلم تشمل كل جوانب نشاطه الفردي والجماعي ونذكر من ذلك ما يلي:

1ـ في إقام الصلاة ذكر وتذكير: قال الله تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} طـه:14 أقم الصلاة لتكون هذه الصلاة سبباً لذكرك لله، وسبباً لذكرالله لك ،. فالصلاة تربي الإنسان على يقظة الضمير ودوام الاتصال بالله. فإذا ذكرت الله في الصلاة و ذكرك الله فلا تنساه خارج الصلاة في بيتك وفي عملك وفي حضرك وسفرك حتى لاينساك وأنت أحوج ما تكون إلى ذكره ورحمته.

2ـ في إقام الصلاة  تربية لسان المصلي على قول الخير و التأدب مع الناس ، قال الله تعالى: " وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . " البقرة 83 فهل استقام لسانك  بأن تقول خيرا أو تصمت؟ وهل تهذبت أخلاقك وتأدبت مع الناس بعدما أقمت الصلاة؟

3ـ  في إقام الصلاة تربية  على عفة النفس و غض البصر وعلى الرغبة في التوبة و الاقبال على الصلاح والاستقامة قال تعالى: " واقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ." العنكبوت 45   فهل يليق بمسلم أن يقيم الصلاة لله ولا يستحي منه ولا يخشاه فيعصاه بارتكاب الفواحش والمنكرات، كالزنا وأكل أموال الناس بالباطل وأكل الربا وأخذ الرشوة وخيانة الأمانات وعقوق الوالدين وشهادة الزور والكذب والغش في العمل...؟!!! والمطلوب من المصلي أن ينهى عن الفحشاء والمنكر كما جاء في نصيحة لقمان لابنه في قوله تعالى :{يابنى أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر  واصبر على ماأصابك إن ذلك من عزم الأمور}.

ومن آثار الزكاة في سلوك المسلم

إن للزكاة آثارا طيبة على نفس المزكي وسلوكه إذا أخرجها من مال حلال طيب وأعطاها لأهلها وأخلص النية لله فيها، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ومن هذه الآثار:

1 ـ تطهير النفس البشرية  من رذيلة البخل والشح والطمع والجشع مصداقا لقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فليحرص المزكي على أن يكون كريما جوادا وليحذر البخل والشح والجشع، وليعلم أن المال مال الله وهو مستخلف فيه، وأن ما أنفق سيخلفه الله، وأن الله غني حميد .

2 ـ مواساة الفقراء وسد حاجياتهم ومساعدة المحرومين، فكن أخي المزكي رحيما بالمحتاجين والمحرومين، وأكرمهم ولا تهنهم، ولا تمن عليهم ولا تؤذيهم بقول أو فعل فتبطل زكاتك لقوله تعالى : {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}.

3 ـ إقامة المصالح العامة  التي تتوقف عليها حياة الأمة وسعادتها .فكن أخي المزكي  من المسهمين في الخير حيث كان، ومن السباقين إلى المشاركة في تحقيق المصالح التي تعود على الأمة بالخير والسعادة تكن لك صدقة جارية لاينقطع أجرها في حياتك وبعد موتك.

و من آثار الصوم في سلوك المسلم :

إن للصيام كما لسائر العبادات آثارا عظيمة على النفس البشرية بحيث يشكل الصيام وخاصة في رمضان مدرسة تربوية، ومن هذه الآثار:

1. تربية الإنسان على فعل الخيرات وترك المنكرات و قد أبان الله سبحانه وتعالى أن الصوم من أعظم أسباب التقوى قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} ولا يتم الصوم إلا بصيام الجوارح كلها عما حرم الله تعالى فلا يليق بالصائم لله أن يمسك عن الحلال طاعة لله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا يمسك عما حرم الله من الفواحش والمنكرات؟!

فكيف يصوم لله ويخون الأمانة ويأكل الربا ويأخذ الرشوة ويكذب ويشهد الزور ويغش في عمله ويمشي بين الناس بالنميمة ويقع في الغيبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) !!

2 ـ  الصيام من أهم الوسائل لتحقيق التوبة الصادقة، فليتب كل صائم إلى الله وليقلع عن المعاصي وليندم عما فعل وقدم وليعزم على عدم الرجوع إلى المعاصي، ولتكن توبته صادقة نصوحا تشمل رمضان وغيره من الشهور والأيام.

3.   الصيام  بمثابة تذكير عملي بجوع الجائعين، أخي الصائم لا تنس إخوانك وأخواتك المحتاجين الذين يجوعون في سائر الشهور ولا يجدون ما ينفقون، فأحسن إليهم في رمضان وفي غيره كما أحسن الله إليك، وكن في حاجتهم يكن الله في حاجتك.

ومن آثار الحج في سلوك الحاج:

ولا يستثنى من هذه الآثار الحج بل فيه آثار أخرى يكاد ينفرد بها ومن ذلك:

1- تحقيق تقوى الله تعالى:  فالحاج يتزود للحج بالتقوى ويتزود منه بالتقوى قال سبحانه: (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) البقرة (197)

2 ـ تجديد ذكر الله : من آثار الحج في حياة المسلم أنه يقوي صلة المحبة بينه وبين خالقه، وذلك عن طريق شعار الحج المعلن ـ لبيك اللهم لبيك ـ، فيها يجدد المسلم ذكر الله في مواقع ومواقف متعددة، يصحب ذلك خشوع وخضوع للخالق البارئ سبحانه وتعالى.فلا ينبغي للحاج أن يغفل عن ذكر الله إذا عاد إلى أهله ووطنه وعمله ، ولا ينسى الله إذا هم بمعصية أو مسه طائف من الشيطان.

3- الحج تدريب عملي للحاج على الصبر والطاعة:من آثار الحج في حياة المسلم الذي يؤدي هذه الفريضة أنه يتدرب عملياً على الصبر بكل أنواعه: الصبر على مشقة الطاعة والصبر عما حرم الله والصبر على ما يصيب الحاج من المشقة والجهد والعنت وفقد المال وبعد الأهل والأحباب.

4- الحج نقطة تحول في حياة الحاج: يزداد به الحاج خيراً وتقوى وصلاحاً،  وينبغي له ألا ينسى مواقفه الضارعة في الحج وأن يستمر في تعلقه بربه وإنابته له. لقوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا... [البقرة:200].والحاج الذي يبقى أثر الحج في نفسه ويعود منه وقد تحسن حاله واستقام أمره وأقبل على طاعة ربه، هو الذي يرجى أن يقبل حجه،لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

وما قيل عن الأركان الخمسة يقال عن سائر الطاعات والقربات مثل قراءة القرآن وذكر الله تعالى والصدقات ...بحيث يجب على المسلم أن يتلمس اثر عباداته كلها على سلوكه ويجتهد في الترقي في ذلك إلى أن يلقى الله تعالى:" {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا،قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا،وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}.
جاري التحميل...