آخر الأخبار
موضوعات

الاثنين، 29 أغسطس 2016

- الحب الإلهي فى الاسلام


المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا.. ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد.. ["الإحياء" للإمام الغزالي كتاب المحبة والشوق ج13. ص2570].

والمحبة لا تُحدُّ بحد أوضح منها، والتعاريف والحدود لا تزيدها إِلا خفاءً، فتعريفها وُجودها ؛ إِذ التعاريف للعلوم. أما المحبة فهي حالة ذوقية تفيض على قلوب المحبين، ما لها سوى الذوق إِفشاء. وكل ما قيل في المحبة ما هو إِلا بيان لآثارها، وتعبير عن ثمارها، وتوضيح لأسبابها.

قال الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي رحمه الله تعالى: (واختلف الناس في حدّها، فما رأيت أحداً حدَّها بالحد الذاتي، بل لا يتصور ذلك، فما حدَّها مَنْ حدّها إِلا بنتائجها وآثارها ولوازمها، ولاسيما وقد اتصف بها الجناب الإِلهي العزيز وهو الله. وأحسن ما سمعت فيها ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس الصنهاجي، قالوا: سمعناه وقد سئل عن المحبة، فقال: الغيرة من صفات المحبة، والغيرة تأبى إِلا الستر، فلا تُحد) ["الفتوحات المكية" لابن عربي الحاتمي الطائي. الباب الثامن والسبعون بعد المئة في معرفة مقام المحبة].

وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (فإن المحبة لا يعبِّر عنها حقيقة إلا مَنْ ذاقها، ومن ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة، كمثل من هو طافح سكراً، إِذا سئل عن حقيقة السكر الذي هو فيه، لم يمكنه العبارة في تلك الحال؛ لاستيلائه على عقله. والفرق بين السكرين: أن سكر الخمر عرضي، يمكن زواله، ويعبر عنه في حين الصحو، وسكر المحبة ذاتي ملازم، لا يمكن من وصل إِليه أن يصحو عنه، حتى يخبر فيه عن حقيقته، كما قيل:

يصحو من الخمر شاربوها والعشق سكر على الدوام ["مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب" لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري المعروف بابن الدباغ ص21]. لذلك لما سئل الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة، كان جوابَه فيضانُ الدموع من عينيه، وخفقان القلب بالهيام والشوق، ثم عبر عما يجده من آثار المحبة.

قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: (جرتْ مسألةٌ في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هيبته، وصفاء شربه من كأس وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله، وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين) ["مدارج السالكين" ج3. ص11].

دليلها وفضلها:

الأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه كثيرة. قال الله تعالى: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. وقال تعالى: {والذين آمنوا أشَدُّ حُبّاً للهِ} [البقرة: 165]. وقال تعالى: {قل إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفِرْ لكُمْ ذنوبَكُم} [آل عمران: 31]. ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها.

وفي السنة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: مَنْ عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعُه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة].

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد"[أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب]:

والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: {واللهُ يُحِبُّ الصابرينَ} [آل عمران: 146]. {واللهُ يُحِبُّ المحسنينَ} [المائدة: 93]. {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ} [البقرة: 222]. وقوله في ضد ذلك: {واللهُ لا يُحِبُّ الفسادَ} [البقرة: 205]. { واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مختالٍ فخورٍ } [الحديد: 23]. {واللهُ لا يُحِبُّ الظالمينَ} [آل عمران: 57].

وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الله ورسوله من شرائط الإِيمان في أحاديث كثيرة فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من أهله وماله والناس أجمعين" [رواه البخاري ومسلم في صحيحهما في كتاب الإيمان عن أنس رضي الله عنه].

وقد وجه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أصحابه للمحبة، لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع، ولَفَتَ أنظارهم إِلى نعمه تعالى وبالغ إِفضاله، ثم بيَّن لهم أنَّ حبهم لله يقتضي حبهم لحبيبه الأعظم عليه الصلاة والسلام، كما أنَّ حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوصلهم إِلى حب الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: "أَحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأَحِبّوني بحب الله" [رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب].

وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم المحبين بالمعية مع محبوبهم، فقد روى أنس رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله ؟ قال: "ما أعددتَ لها ؟" قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع مَنْ أحببتَ". قال أنس: فقلنا ونحن كذلك ؟ قال: "نعم". ففرحنا بها فرحاً شديداً [رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم في صحيحه في كتاب البر عن أنس رضي الله عنه].

والأحاديث في المحبة كثيرة، وكلها تشير إِلى عظيم فضلها، وبالغ أثرها، وحين تحقق الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بمحبة الله ورسوله بلغوا أوج الكمال في الإيمان والأخلاق والتضحية، وأنستهم حلاوة المحبة مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه.

والحقيقة أن الإِسلام أعمال وتكاليف وأحكام، وروحه المحبة، والأعمال بلا محبة أشباح لا حياة فيها.

الأسباب المورثة للمحبة:

ذكر العلماء من الأسباب المورثة للمحبة أموراً كثيرة، وأهمها عشرة:

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

الثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإِنها توصل إِلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر.

الرابع: إِيثار محابِّه على محابِّك عند غلبة الهوى، والتسنُّمُ إِلى محابِّه وإِنْ صعب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة.

السادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته.

السابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى تذللاً وتواضعاً.

الثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة.



التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. ومن الأدب في مجالستهم ألاَّ تتكلم في حضرتهم إِلا إِذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل [انظر كتاب "مدارج السالكين" ص11ـ12].

فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل المحبة.

علامات المحبة:

كثير من الناس من يدَّعي محبة الله ورسوله، وما أسهل دعوى اللسان. فلا ينبغي للإِنسان أن يغتَرَّ بخداع النفس، بل عليه أن يعلم أن للحب علامات تدل عليه، وثماراً تظهر في القلب واللسان والجوارح، فإِذا أراد ألاَّ يغش نفسه فلْيضعْها في موازين الحب، ولْيمتحْنها بعلاماته، وهي كثيرة، منها:

1ـ حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام، فلا يُتصور أن يحب القلب محبوباً إِلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وإِذا علم أنه لا وصول إِلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت، فعليه أن يكون محباً للموت غير فارٌّ منه، لأن الموت مفتاح اللقاء. قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في صحيحه في كتاب الذكر، باب من أحب لقاء الله]. ولهذا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، يحبون الشهادة في سبيل الله، ويقولون حين يُدَعْون للمعركة: مرحباً بلقاء الله.

2ـ أن يكون مؤثِراً ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم الطاعة، ويجتنب الكسل واتباع الهوى، ومَنْ أحبَّ الله لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:

تعصي الإِلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه هذا لَعمري في القياس بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ

وفي هذا المعنى قيل أيضاً:

وأَتركُ ما أهوى لما قد هويتَه فأرضى بما ترضى وإِن سخطتْ نفسي

فطاعة الله تعالى ومحبته تستلزم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأخلاق، قال تعالى: {قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون الله فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ ويغْفِرْ لكم ذنوبَكُمْ} [آل عمران: 31].

3ـ أن يكون مكثراً لذكر الله تعالى، لا يفتُرُ عنه لسانه، ولا يخلو عنه جنانه، فمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره.

خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في فمي ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ

4ـ أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاتهِ لله تعالى وتلاوةِ كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت، فأقل درجات المحبة التلذذُ بالخلوة بالحبيب، والتنعمُ بمناجاته.

5ـ أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل، ويُعظمَ تَأسفَه على فوت كل ساعة خلتْ عن ذكر الله وطاعته، فيكثر رجوعه عند الغفلات، بالاستعطاف والتوبة.

6ـ أن يتنعم، ويتلذذ بالطاعة، ولا يستثقلها، ويسقطَ عنه تعبها.

7ـ أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً بهم، شديداً على جميع أعداء الله، كما قال تعالى: {أشدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَماءُ بينَهُم}

[الفتح: 29].

8ـ أن يكون في حبه خائفاً متفائلاً تحت الهيبة والتعظيم، وقد يُظن أن الخوف ينافي الحب، وليس كذلك، بل إِدراك العظمة يوجب الهيبة كما أن إِدراك الجمال يوجب الحب، وللمحبين مخاوف على حسب مراتبهم، كخوف الإِعراض وخوف الحجاب وخوف الإِبعاد. ولذا قال بعض المحبين:

الحبيب عرفته وأنا منه خائف لا يحبك إِلا من هو بك عارف

9ـ كتمان الحب، واجتناب الدعوى، والتوقي من إِظهار الوجد والمحبة تعظيماً للمحبوب وإِجلالاً له، وهيبة منه، وغَيْرة على سره، وبعض المحبين عجز عن الكتمان فقال:

يخفي فيبدي الدمعُ أسرارَه ويُظهر الوجد عليه النَّفَسُ

وبعضهم قال:

ومَنْ قلبه مع غيره كيف حاله ؟ ومَنْ سره في جفنه كيف يكتم ؟

10ـ الأنس بالله والرضا به. وعلامة الأنس بالله عدمُ الاستئناس بالخلق والتلذذُ بذكر الله، فإِن خالطهم فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة. قال علي كرم الله وجهه في وصف المحبين المستأنسين بالله: هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعر المُتْرفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إِلى دينه [نظر كتاب المحبة والشوق من "إِحياء علوم الدين" للغزالي، و"الفتوحات المكية" لابن عربي].


مراتب المحبة:

ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً:

أولها العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب.

الثانية الإِرادة: وهي ميل القلب إِلى محبوبه وطلبهُ له.

الثالثة الصبابة: وهي انصباب القلب إِلى المحبوب بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماءِ في المنحدر.

الرابعة الغرام: وهو الحب اللازم للقلب لا يفارقه، بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه.

الخامسة الوداد: وهو صَفوُ المحبة، وخالصها، ولبها.

السادسة الشغف: وهو وصول الحب إِلى شغاف القلب. قال الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: الشغف أن لا يرى المحب جفاءً، بل يراه عدلاً منه ووفاءً.

وتعذيبُكم عذبٌ لديَّ وجَوْرُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكمُ عدلُ



السابعة العشق: وهو الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه.

الثامنة التتيُّم: وهو التعبد والتذلل، يقال: تيَّمه الحب أي ذَلَّلَهُ وعبَّده.

التاسعة التعبد: وهو فرق التتيم، فإِن العبد لم يبق له شيء من نفسه.

العاشرة الخلة: انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب [انظر كتاب "مدارج السالكين" ص18].

وقد رأى الصوفية أن سر هذه الحياة يقوم على حرفين اثنين: الحاء والباء:

وأحسنُ حالة الإِنسان صدقٌ وأكملُ وصفِه حاءٌ وباءُ

فالتكاليف تَسْهلُ وتَلَذُّ إِذا ما وُجِدَ الحب:

لولاك يا سِرَّ الوجود ما طاب عيشي ولا وجودي

ولا ترَنَّمْتُ في صلاتي ولا ركوعي ولا سجودي



وإِذا تمكن الحب من القلب أخرج هذه الدنيا الفانية من سويدائه، وعاش صاحبه حياة طيبة منعمة، لا يعرف الهمُّ سبيلَه إِليه.

مر بعض الصوفية على رجل يبكي على قبر، فسأله عن سبب بكائه فقال: إِنّ لي حبيباً قد مات. فقال: لقد ظلمتَ نفسك بحبك لحبيب يموت، فلو أحببتَ حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه.

وفي واقعنا أمثلة كثيرة عمن يسترخص موته عند يأسه من لقاء من يحبه، أو انقطاع أمله مما تعلق قلبه به من متاع زائل. فالانتحار، وحرق النفس والترامي على صخرة الموت.. أمور كلنا نسمعها عن محبين بائسين خاسرين، وقد قيل:

فإِن شئتَ أن تحيا حياةً هنيئةً فلا تتخذْ شيئاً تخافُ له فَقْدا

فأين هؤلاء من أحباب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين أحبوا الله، ورضوا به رباً، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالإِسلام ديناً!

فمنهم مَنْ أحب الموت، ورحب به ليلقى مِن ورائه أحبابَه.. (غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه) [قال ذلك بلال رضي الله عنه عند احتضاره. ومرَّ عزوه في صفحة 293].

ومنهم مَنْ ضحى بنفسه ودمه في ساحات الجهاد، لينال رضوان الله ويحظى بلقائه، ومنهم ومنهم.. وفرق كبير بين من يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى، وبين من يضحي بنفسه لفقد شيء خسيس تافه:

أنت القتيلُ بأيِّ مَنْ أحببتَه فاخترْ لنفسك في الهوى مَنْ تصطفي

وأعلى وأغلى الثمرات التي يقطفها المحب، هو الحب المتبادل: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. والرضى المتبادل: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]. والذكر المتبادل: {فاذكروني أذكُرْكُم} [البقرة: 152].

مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبَّاد، قد وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة ؛ فقال لهم: من أنتم ؟ فقالوا: نحن عباد الله تعالى. فقال: ولأي شيء تعبدتم ؟ قالوا: خَوَّفَنا الله من ناره، فخفنا منها. فقال: إِن الله تعالى قد أَمَّنكم مما خفتم منه. ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة، فقال: لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا: شَوَّقنا الله جنتَه وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجوها بعبادتنا. فقال: إِن الله أعطاكم ما رجوتم. ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون فقال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المحِبون لله عز وجل، لم نعبده خوفاً من ناره، ولا شوقاً إِلى جنته، ولكن حباً له وتعظيماً لجلاله ؛ فقال أنتم أولياء الله حقاً، وقد أُمِرْتُ أن أُقيم معكم، وأقام بين أظهرهم ["نور التحقيق" ص84].

يشير هذا الشاهد إِلى أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم ؛ فمنهم من يريد الدنيا ؛ ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يريد الله تعالى.

سمع بعض الصوفية قارئاً يقرأ: {مِنْكُم مَنْ يريدُ الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يريدُ الآخرة} [آل عمران: 152]. فقال: وأين من يريد الله ؟!..

ولهذا قال الإِمام علي رضي الله عنه: (إِن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإِن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإِن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار).

وقيل في وصف الذين أرادوا الله، وأحبوه دون غيره:

فما مقصودُهم جناتُ عدنٍ ولا الحور الحسانُ ولا الخيامُ

سوى نظرِ الجليلِ وذا مناهم وهذا مقصدُ القومِ الكرامُ

(لله در أقوام إِذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين الخائف.. وإِذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان..

إِذا ما الليل أقبل كابدوهُ ويسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ

أطارَ الشوقُ نومَهمُ فقاموا وأهلُ الأمنِ في الدنيا خشوعُ

أجسادهم تصبر على التعبد، وأقدامهم ليلَها مقيمة على التهجد، لا يُرَدُّ لهم صوت ولا دعاء، تراهم في ليلهم سجداً ركعاً، وقد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي:

يا رجالَ الليل جِدّوا رُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ

لا يقوم الليلَ إِلا مَنْ له حَزم وجِدُّ

لو أرادوا في ليلتهم ساعة أن يناموا أقلقهم الشوق إِليه فقاموا، وجذبهم الوجد والغرام فهاموا، وأنشدهم مريدُ الحضرة عن لسان الحضرة وبثَّهم، وحملهم على المناجاة وحثَّهم:

حُثُّوا مطاياكم وجِدُّوا إِن كان لي في القلوب وَجْدُ

قد آن أن تظهرَ الخبايا وتُنشَر الصحف فاستعدُّوا

الفرش مشتاقة إِليهم، والوسائد متأسفة عليهم، النوم قرَّم إِلى عيونهم [قال في "القاموس". القرَم محركة: شدة شهوة اللحم، وكثر حتى قيل في الشوق إِلى الحبيب. ج4. ص163. وكأنه يقول: النوم مشتهى إِلى عيونهم، إِلا أن الشوق إِلى الله تعالى أبعد النوم عن عيونهم]، والراحة مرتاحة إِلى جنوبهم. الليل عندهم أجلُّ الأوقات في المراتب، ومُسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب. هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجَوْا ربهم بأطيب كلام، وأنِسوا بقرب الملك العلاَّم، لو احتجب عنهم في ليلهم لذابوا، ولو تغيَّب عنهم لحظة لما طابوا.. يديمون التهجد إِلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر..

بلغنا أن الله تبارك وتعالى يتجلى للمحبين، فيقول لهم: مَنْ أنا ؟ فيقولون: أنت مالك رقابنا، فيقول: أنتم أحبتي، أنتم أهل ولايتي وعنايتي هاوجهي فشاهدوه، ها كلامي فاسمعوه، ها كأسي فاشربوه: {وسَقاهُمْ ربُّهم شراباً طَهوراً} [الدهر: 21].. إِذا شربوا طابوا، وإِذا طابوا طربوا، وإِذا طربوا قاموا، وإِذا قاموا هاموا.

لمّا حملتْ ريح الصبا قميصَ يوسف، لم يفضض ختامَه إِلا يعقوبُ.. ما عرفه أهل كنعان ومِنْ عندهم خرجَ، ولا يهوذا وهو الحامل [كتاب "نهر الذهب في أخبار من ذهب" للشيخ كامل بن حسين الحلبي الشهير بالغزي ج2. ص191 و192].

والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إِلى تفهم حقيقتها والشوق إِلى التعرف على خالقها. ويزداد الحب كلما ازداد الإِيمان، وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون النعيم. وحب الله تعالى يسمو بالذوق الإِنساني ؛ إِذ يحوّل صاحبه إِلى لطيفة راضية مطمئنة.

ولقد جرّد الصوفية الحب عن المطامع والشهوات، وأخلصوا الحب لله تعالى، فليس في حبهم علة، ولا لعشقهم دواء إِلا رضى مولاهم، تقول رابعة العدوية رحمها الله تعالى:

كلُّهم يعبدون من خوفِ نارٍ ويرون النجاةَ حظاً جزيلا

أوْ لكي يسكنوا الجِنانَ فيحظَوا بكؤوسٍ ويشربوا السلبيلا

أو يقيموا بين القصورِ جميعاً أنا لا أبتغي بحِبِّي بديلا

ومعنى ذلك أنها لا ترى الحياة إِلا حباً في الله، ووقوفاً عند أوامره ونواهيه، لأن المحب لمن يحب مطيع. ولبعض المحبين:

فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنامُ غضابُ

وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ

إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هينٌ وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ


ولقد عرف الصوفية طريق الحب فساروا فيه..

قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وهو أصل السلوك إِلى الله تعالى، والوصول إِلى معرفته.

سئل ذو النون المصري رحمه الله تعالى عن المحبة فقال: (أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومةَ لائم، مع العطف على المؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتِّباعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص18].

وقال أيضاً: (من علامات المحب لله، متابعةُ حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص18].

وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (من أحب الله علَّم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره، ولم يترك لنفسه رغبة فيما سوى الله تعالى، وقام بعبادته..) ["البرهان الؤيد" للسيد أحمج الرفاعي ص59].

وقال محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى: (حقيقة محبته دوام الأنس بذكره)["طبقات الصوفية" ص219].

وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (ولما كان مطلبَ ذوي العقول الكاملة والنفوس الفاضلة نَيْلُ السعادة القصوى التي معناها الحياة الدائمة في الملأ الأعلى، ومشاهدةُ أنوار حضرة قدس المولى، والتلذذُ بمطالعة الجمال الإِلهي الأسنى، ومعاينة مطالع النور القدس الأبهى. وهذه السعادة لا تحصل إِلا لنفس زكية، قد سبقتْ لها في الأزل العنايةُ الربانية، بتيسيرها لسلوك الطرق العلمية والعملية المفضيات بها إِلى المحبة الحقيقية، والشوق إِلى الأنوار الإِلهية ؛ وبحصول هذه السعادة يحصل للنفوس العارفة من اللذة والابتهاج ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيجب على كل ذي لب المبادرةُ إِلى تحصيل هذا الأمر الجليل، وورود هذا المورد السلسبيل الذي لم يصل إِليه من الناس إِلا القليلُ. فالعاشق يحنُّ إِلى هذا الموطن الجليل، وينجذب جملة إِلى ظله الظليل ونسيمه العليل، وورودِ منهله العذب، فلا يشيم البرقَ إِلا لأنه يأتي من ذلك الجناب الرفيع، ويخبر عن سر جماله البديع ؛ فلهذا كان لَمعانُ البُروق يقطع بالشوق أفلاذ كبد المشوق) ["مشارق أنوار القلوب" لابن الدباغ المتوفى سنة 696هـ. ص36].

بمثل هذا الذوق وصل الصوفية إِلى الاطمئنان والرضا في ظلال الحب الإِلهي، ورأوا متعاً روحية دونها متع الحياة وشهواتها. وحسبهم أنهم يُسَرّون مع الله، وينعمون بقربه، ويشعرون بفضله وجوده {رَضِيَ اللهُ عنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]. {يُُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. فاختارهم بعد ما أحبّهم ورضي عنهم، أولئك خلاصة خلقه، وخواص أحبابه، فقيل فيهم:


قومٌ أَخلصوا في حُبِّه فاختارهم ورضي بهم خُدَّاما

قومٌ إِذا جَنَّ الظلامُ عليهمُ أبصرْتَ قوماً سجداً وقياما

يتلذذون بذكره في ليلهم ويكابدون به النهارَ صياما

فسيغنمون عرائساً بعرائسٍ ويُبَوَّؤن من الجِنان خياما

وتَقَرُّ أعينُهم بما أُخفِي لهم وسيسمعون من الجليل سلاما

الأحد، 28 أغسطس 2016

- الإسلام بين الصوفية الشاطحة والسلفية الناطحة

السلف في اللغة تعني ما تقدمك من الزمان وما مضى وسلف الرجل أبواه أو آباؤه المتقدمون، في القرآن الكريم {..وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَينِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفْ..}[النساء:23] أي ما مضى، {..فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ..}[البقرة:275] هذا المعنى في دلالة اللغة أي أن كل ما سبقك وتقدمك في الزمان ومضى فهو سلف وما يعقبه فهو خلف.
وفي الاصطلاح أصبح مفهوم السلف الصالح المعرف بأل العهدية يطلق على أهل القرون الثلاثة الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين لأن هذا الجيل يعتبر هو الجيل المؤسس الذي أقام الدين على منهاج النبوة ومزج بين العلم النافع والعمل الصالح فنالوا بهذه الخيرية هذه المكانة التي بوأتهم فهو سلف صالح. ولهذه المسألة مزية انطلقت من مؤشرات شرعية فالنبي صلى الله عليه وسلم قال "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ثم ورد في القرآن الكريم في الثناء على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام {وَالْسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنهُ..}[التوبة:100] فتحقق الرضى لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وشرط فيمن جاء بعدهم أن يتبعم بإحسان، وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" والأمنة جمع أمين، إما أن يكون بمعنى أنهم أمناء على هذا الدين بلاغا وبيانا ونشرا وهداية أو أنهم مؤتمنون عليه وأنهم أمان لهذه الأمة من ظهور الأهواء فإذا سلكت الأمة سبيلهم أمنت وإذا انحرفت وتنكبت طريقهم وقعت في مضلات الأهواء والفتن، هؤلاء هم الصحابة ثم أخذ عن جيل الصحابة التابعون وأخذ عنهم تابعو التابعين، هذا بمجموعه يمثل مصطلح السلف الصالح.
أما الذين جاءوا من بعدهم هم ينتسبون إلى هذا لأنه منهج ممتد ولذلك من جاء بعدهم كالأئمة الأربعة وكسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي والليث بن سعد والمبارك وأضراب هؤلاء من أئمة الهدى سلكوا ذات السبيل وانتهجوا هذا المنهج فكانوا أيضا على منوالهم، فليست العبرة فقط بأن هذه الخيرية انقطعت، صحيح أن هذه الخيرية هي خيرية ذكرت لأهل هؤلاء القرون ولكن كل من تلبث بهذا المنهج واستقام عليه فإن الله تعالى يقول {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِيْنَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ}[الواقعة:39، 40]..
وهنالك فرق بين الانتماء إلى هذا المنهج الواسع الرحب الفياض وبين سلفيات حركية أو مذهبية أو حزبية تسمت بهذا الاسم وانتسبت إلى السلف الصالح في جزئية من الجزئيات، فهذه السلفيات أنواع تتعدد ولا تنحصر في جانب واحد، منها سلفيات أخذت جانبا معينا تمثل في بعض قضايا العقيدة بعضهم تمثل في تلك المجابهات التي حصلت بين سلفنا الصالح وبين فرق ومذاهب ضلت وانحرفت عن جادة الطريق وهنالك سلفيات جمدت على كل ما قاله الأقدمون باعتبار أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان وهنالك سلفيات إحيائية أخذت المنهج ولكنها بذات المنهج استطاعت أن تعالج قضايا عصرها وقضايا زمانها، فعلينا أن نفرق بين الانتماء إلى السلف كمنهج واسع رحب وبين سلفيات نشأت حملت هذا العنوان أخذت من السلف بعضا وتركت جانبا آخر.
إن السلف الصالح ليس رؤية فقهية واحدة ولا اجتهادا فكريا معينا، السلف الصالح منهج رحب، هم التقوا على الأصول وعلى الكليات وعلى الثوابت وعلى القطعيات وعلى المحكمات وما دون ذلك اختلفوا في الفروع، في فروع العقيدة، هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج؟ خلاف وقع بين الصحابة أنفسهم، كذلك في مصادر الاستدلال وقع اختلاف في المصادر الفرعية، الاستصحاب، الاستحسان، براءة الأصل، وقع اختلاف في فروع الفقه وما أكثر هذا الاختلاف، وقعوا في علوم التزكية في بعض تطبيقاتها. إذاً حينما نقول الانتماء إلى السلف الصالح نحن نقول انتماء إلى منهج تنوعت فيه الآراء تعددت فيه الأفكار اختلفت فيه بعض المسائل، هذا الانتماء فيه رخص ابن عباس فيه عزائم ابن عمر فيه فقه أبي حنيفة فيه أثرية ابن حنبل فيه مقاصدية الشاطبي فيه ظاهرية ابن حزم فيه رقائق الإمام الجنيد فيه اجتهاد أبي حامد الغزالي وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الديم. فلا ينبغي أن نجعل لاجتهادات بعض الأئمة أو بعض الأشخاص من الأقدمين عنوانا للانتماء إلى السلف الصالح ثم نطرح بقية الرؤى وتنوع الأفكار يعتبر خارج إطار هذه السلفية، هذا لون من الحزبية السلفية الضيقة الذي ضيق ما كان واسعا عند سلفنا الصالح، ولذلك كانوا يقولون "إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة" فاعتبروا أن الاختلاف في الفروع مظهر من مظاهر الرحمة وهذا من التوسعة التي جاءت بها شريعة الإسلام.
تعدد السلفيات وملامح المنهج السلفي الصحيح
منهج السلف الصالح أصابته عند كثير من هذه التيارات ضبابية، هنالك سلفية جهادية تبنت خطا في مجال التكفير أو التفجير أو غير ذلك، هنالك سلفية إحيائية اجتهادية زاوجت بين المقاصد والنصوص بين الأصل وبين العصر، هنالك سلفية اعتبرت نفسها امتدادا لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ركزت على محاربة الشرك الشعائري وما رأته من الاختلال في قضايا البدع، هنالك سلفية أرادت أن تزاوج بين هذا وذاك، إذاً هنالك سلفية ما تسمى اليوم بالسلفية العلمية هنالك السلفية الجهادية هنالك السلفية الإحيائية هنالك السلفية التي تمثل امتدادا لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عادت هنالك سلفيات ولذلك أصبح من الضروري أن نحرر مفهوم الانتماء إلى السلف الصالح تحريرا يعطيه السعة والشمول والغنى حتى نقوم بإخراجه من هذه الدوائر الضيقة التي حصرته في هذه الأبواب. فهنالك من جعل مجرد اختيارات الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وما رآه الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقط هذه المحطات الأربعة هي عنوان للانتماء إلى السلف الصالح..
هؤلاء أعلام هدى ولكن ليسوا وحدهم الذين يعبرون فقط عن منهج السلف الصالح، فهذا خلل في هذا المفهوم بني على أن القضايا التي أثيرت في تلك العصور من محاربة الشرك من مواجهة البدع من الحديث عن الفرق هو فقط العنوان لقضية السلف والسلفية ولكن هذه جزئيات لا ينبغي أن تكون وحدها عنوانا للانتماء إلى السلف الصالح،
 السلف الصالح اجتهدوا وجاهدوا، أقاموا الدين وعمروا الدنيا فانطلقوا في كل زويا الأرض نشروا هذا الخير فلماذا نعتبر.. اليوم هنالك حركات إحياء إصلاحية انتمت إلى السلف الصالح في زاوية من الزوايا، في البناء التربوي الحركة السنوسية، في البعد الجهادي الحركة المهدية، هنالك الكواكبي هنالك مدرسة المنار الشيخ رشيد رضا، هنالك ابن باديس، هنالك الخطابي هنالك الفاسي هنالك البنا هنالك حركات إحيائية إصلاحية استفادت من هذا التراث في جانب من الجوانب وانتمت إلى السلف الصالح ولكنها لم تدّع الاحتكار لجانب من الجوانب على أنها هي المهيمنة أو الباسطة أو المالكة لمنهج السلف الصالح فهو أوسع من أن تحتركه فرقة أو أن تنتمي إليه طائفة وتخرج بقية المسلمين وسائر الجماعات التي ائتمت بهذا الهدي المبارك من هذه الدائرة.
أبرز ملامح هذا الاتباع أولا صفاء العقيدة لأنها هي الأساس والذي يمثل المدخل الصحيح لسلامة الدين ولذلك قالوا "جماع الدين أصلان، ألا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع"، تحقيق العبودية لله وأن تكون هذه العبودية بما شرع الله، هذه واحدة. الأمر الثاني مسألة مصادر المعرفة، المزاوجة بين صحة النقل وصراحة العقل فمن الناس من انكفأ بالعقل دون النقل ومن الناس من جعل النقل لا مجال فيه لفهم العقل، إذاً صحة النقل وصراحة العقل هذان يمثلان مرتكزان. المرتكز الثالث مصادر المعرفة أيضا الكتاب المسطور والكون المنظور، فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتأمل آياته وهذه الآيات نوعان، آيات تنزيلية في كتاب الله المقروء وآيات كونية في صفحة الكون المنظور، لدينا كتاب مسطور وكتاب منظور فالكون هو الذي يمثل مصدر المعرفة الطبيعية والوحي هو الذي يمثل مصدر المعرفة الشرعية، فالكون والوحي مصادر المعرفة والوسائل لهذين المصدرين الحس والعقل {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئَاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمَعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ..}[النحل:78]. التلازم بين الظاهر والباطن اتباع الحق ورحمة الخلق، إحسان الظن بالمخالف، العدل والإنصاف للمخالفين كذلك، رعاية اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات وهذا ملمح مهم في منهج السلف الصالح، أيضا التأكيد على السكوت عما لا ينبني عليه عمل والتكلم فيما ينبني عليه عمل فهذا أيضا ملمح، الملمح الأخير أن السلف الصالح عاشوا قضايا عصرهم وتحديات زمانهم فليس من السلف الصالح والانتماء إليهم في شيء أن يستدعي الإنسان معارك التاريخ وأن يغفل عن معالجة قضايا العصر وإشكاليات الزمان، ثم النقطة الأخيرة وهي الموازنة بين الائتلاف والاختلاف، تعظيم الجوامع المشتركة والتراحم في قضايا الاختلاف وإعذار المختلف فيه والنأي عن تكفير أهل القبلة، كل من شهد الشهادتين واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، كل من توضأ فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا. هذه أبرز الملامح التي كان عليها سلفنا الصالح والذي ينبغي أن نحيي قاعدة التأسي بهم في شمول هذا المنهج لا في جزئيات أقوالهم أو التصدي لبعض مشكلات عصرهم التي تجاوزها الزمن وعفا عليها فـ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ..}[البقرة:134]
"هل تعتبر الطرق الصوفية من الحركة السلفية؟ وإن كانت كذلك فما هو الفرق بينها وبين الفرق الأخرى؟"
أول قضية علينا أن نؤكد أن هناك شعبة عظيمة من شعب الدين أطلق القرآن الكريم عليها وصف التزكية {.. َيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ..}[البقرة:129]، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}[الشمس:9]، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}[المدثر:4] وأطلقت السنة المطهرة عليها وصف الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه"، وأطلق العلماء عليها فقه الباطن في مقابل فقه الظاهر أو أعمال القلوب في مقابل أعمال الجوارح، هذا القدر مسلم به عند جميع أهل الإسلام. وهذا العلم أصابته في مسيرته شوائب كدرت صفاءه، المطلوب هو أولا أن نحقق هذا التلازم بين الظاهر والباطن، أهل التصوف قديما اعتنوا بقضية أعمال الباطن الحقائق والرقائق والدقائق وبعضهم لم يربطها بقضية الاتباع، السلفيون المعاصرون ركزوا على ظاهر الاتباع، والحقيقة هي المزج بين علم الظاهر والباطن، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أخذ منها الفقهاء مشروعية طهارة الثوب وأخذ منها أهل الرقائق مشروعية لطهارة الباطن، والعرب ربما أطلقت الثياب وأرادت بها النفس الباطنة
 كما قال عنترة فشككت بالرمح الأصم ثيابه - ليس الكريم على القنا بمحرم
تلازم الظاهر والباطن هو المعادلة التي عالجها السلف وعلى هذا كان المتقدمون من أهل التصوف مثل الإمام بشر الحافي ومعروف الكرخي وأبو سليمان الداراني والسري السقطي والحارث المحاسبي والإمام الجنيد كان يقول "طريقنا هذا مسدود، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في علمنا هذا"، عبر عنه حاتم الأصم حين سئل كيف تصلي؟ أعطى الظاهر حقه والباطن حقه قال "أتوضأ فأسبغ الوضوء ثم آتي موضع الصلاة بسكينة ووقار فأكبر تكبيرا بتوقير، أقرأ قراءة بترتيل، أركع ركوعا بخشوع، أسجد سجودا بتذلل" هذا حق الظاهر، حق الباطن "أتمثل الجنة عن يميني والنار عن شمالي والكعبة بين حاجبي وملك الموت فوق رأسي وعين الله ناظرة إلي وذنوبي محيطة بي ثم أتبعها الإخلاص ما استطعت وأسلم وأنا لا أدري أتقبل صلاتي أم ترد علي". مشكلتنا أن بعض التيارات السلفية المعاصرة حولت هذا المعنى إلى التماس الهدي الظاهر دون أن يستصحب معه الهدي الباطن ولذلك قال الإمام ابن الجوزي "تجد أحدهم يقصر ثوبه وفي قلبه كبر فرعون" لأنه هنا التلازم المطلوب أن يتخلى الإنسان عن داء الكبر والخيلاء "من جر ثوبه لا يريد بذلك إلا المخيلة.." فالمزج هو أن نحقق هذا التلازم بين الظاهر والباطن كما فعله الأقدمون، أوجدوا مشروعية الاتباع ولكنهم جعلوا لهذا الاتباع معنى تقوم بها رقائق القلوب. وإذا أردنا أن نجسد بعض الكتابات "مدارج السالكين" بين منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] "حكم ابن عطاء الله السكندري" نموذج لهذا المزج، ما كتبه شيخنا الشيخ يوسف في رسائله سلسلة السلوك في ضوء الكتاب والسنة كتب منها التوكل والنية والإخلاص والتوبة والزهد والورع والعلم نموذج لهذا. فنحن نحتاج إلى هذا المزج نأخذ من ما أراده السلفيون من الاتباع وما أراده أهل التصوف من تحقيق المعاني الباطنية فهذا هو المزج ولكن للأسف نحن بين السلفية الناطحة والصوفية الشاطحة ضاع هذا المسلك الذي ينبغي أن يعيدنا إلى طريق أسلافنا الذين قدموا هذا العلم نقوه من الشوائب وبسطوه للأجيال وهذا الذي نحتاجه اليوم، أما الذي يقول بأن نلغي كل هذا العلم بما فيه من درر وبما فيه من كنوز فهذا خطأ لا نقبله بجملته ولا نرده بجملته وإنما نعمل على تنقيته من الشوائب وتقديمه سهلا قريبا للأجيال
إذاً لا بد من معالجة الصوفية الشاطحة أيضا بطريقة ما؟ كما نعالج السلفية الناطحة.
نعم. إذاً لا بد أن يكون هناك توازن ما بين الأمرين،
يعني ظاهرة الاختلاف السلف اختلفوا وتحاوروا وتناظروا ولكن كان هناك التراحم فيما بينهم، رأينا إماما مثل الإمام الشافعي أخذ عن الإمام مالك وخالفه وألف كتابا سماه "اختلاف مالك والشافعي" ومع ذلك كان يقول "إذا ذكر العلماء فمالك النجم" "مالك حجة الله على خلقه" "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مالك" "لولا مالك وابن عيينة لذهب العلم من الحجاز"، جاء الإمام أحمد أخذ العلم عن الشافعي وخالفه في مسائل ومع ذلك قال الإمام أحمد "والله ما بت ليلة ثلاثين سنة إلا ودعوت فيها للشافعي" قال ابنه "لقد سمعتك تكثر الدعاء له، من هذا الشافعي يا أبت؟" قال "يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟
ومن يكن علم الشافعي إمامه
فمرتعه في باحة العلم واسع"
وبالمقابل غادر الشافعي بغداد ومع مخالفة أحمد له في مسائل قال "لقد تركت بغداد وما خلفت فيها أورع ولا أعلم ولا أهدى من أحمد بن حنبل" ثم قال
قالوا يزورك أحمد وتزوره
قلت المكارم لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله
فالفضل في الحالين له
وقال الإمام أحمد "لم يعبر الجسر مثل إسحق بن راهويه وإن كان يخالفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا" وقال الشافعي لأحدهم "يا فلان ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق على مسألة؟" كان بين السلف الصالح التراحم ولكن للأسف أصبحت اليوم القسوة والغلظة والجفاء والشدة على المخالف بل تبديعه وتفسيقه وتضليله وتجهيله، أشياء مجرد خلاف في الرأي، "السيف المشهور على أهل التبرج والسفور" حينما تقرأ كلمة التبرج والسفور يتبادر إلى ذهنك التبرج وحينما تقرأ الكتاب تجد أن الكتاب يتوجه إلى تضعيف الرأي الذي يقول بأن الوجه والكفين ليسا من العورة، هذا الرأي الذي يقول به الجمهور تحول إلى أن يشرع في وجهه سيف وسيف بتار وسيف مشهور! هل مجرد القضية الفرعية تستأهل أن نشرع فيها كل أنواع الأسلحة الفتاكة بما يذهب رحم الأخوة ورحم العلم ورحم الإيمان؟ هذا الذي خالفنا به منهج سلفنا الصالح الذين اختلفوا ورحم بعضهم بعضا، وأختم برجل وقف مع عبد الله بن المبارك لأن عبد الله خالف أبا حنيفة في مسألة فوجد فرصة يريد أن ينتقص منها من قدر أبي حنيفة فقال له ابن المبارك
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق
على الرأس لا تشفق على الجبل
فمنهج السلف الصالح كان هو التراحم وما أحوجنا أن نحيي هذا الرحم رحم العلم بين أهله.
التيارات الإسلامية المعاصرة ومنهج السلف الصالح
كل انتماء صحيح للسلف الصالح لا بد أن يكون دعوة تجديدية وكل تجديد ينطلق من أصول الإسلام لا بد أن ينتسب إلى منهج السلف الصالح، فالسلفية ليس معناها مجرد عودة إلى الوراء، السلفية الحقة هي دعوة متجددة والتجديد الحق لا بد أن ينتمي إلى السلف الصالح لأن السلف عاشوا قضايا عصرهم ولذلك حينما نعيش قضايا عصرنا ونقدم أجوبة وحلولا لمشكلات هذا الزمن فنحن ننتمي إلى سلفنا الصالح وحينما نستعيد معارك التاريخ الجهمية، المعتزلة، المعطلة، أمثال هؤلاء ولا نعيش قضايا العصر ولا تحديات الزمن ولا نقدم حلولا لهذا العصر فبهذا المعنى لا نكون قد انتسبنا إلى السلف، فالسلفية والتجديد صنوان يكمل بعضهما بعضا، السلفية الحقة هي دعوة إلى التجديد والإحياء والإبداع والتجديد الحق ليس نقضا للثوابت ولا هدما للمسلمات وإنما هو ارتباط بالأصل واتصال بالعصر، هذه هي المعادلة التي نريد أن نحياها تماما، وكثير من الحركات الإحيائية الإصلاحية زاوجت بين كونها قدمت مشروعا حضاريا لنهضة الأمة وفي ذات الوقت انطلقت مما كان عليه سلفنا الصالح، أما الذي يفهم بأن السلفية هي الوقوف فقط عند جزئيات أقوال علمائنا وآرائهم التي بنوها على اختلاف الزمان وتطور البيئات وانتهى إلى هذا فنقول له هذا ليس من السلف في شيء لأن السلف كما اجتهدوا لعصرهم علينا أن نجتهد لعصرنا كما عاشوا لقضايا زمانهم علينا أن نعيش لقضايا زماننا بذات المنهج الواسع الذي يحتمل ضروبا من تنوع الرأي واحتمال الفكر.
لابد من  المراجعات في المواقف وفي الفكر هذا منهج شرعي، أولا كما قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كتاب القضاء "فلا يمنعك قضاء قضيته اليوم فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" وإذا كان هذا يعتبر سنة لنا "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" فالمراجعة في الفكر في المنهج في المواقف في الطرائق في الوسائل، في الآليات هذا أمر ينبغي أن يكون عامل إحياء وتصويب لمسيرة العاملين في الحقل الإسلامي. وأعتقد أن كثيرا من هذه الدعوات التي يقف كل منها إلى دائرة التعصب عند ما انتهى إليه من آراء أو من اقتدى به من إمام يعتبر أن هذه غاية الغايات هذا هو التعصب المقيت الذي نهينا عنه، ولذلك هذه الدعوة مطلوبة. ماذا يعني الانتماء إلى السلف؟ ينبغي أن نحوله من مذهبية إلى منهج، أن نحوله من عصبية إلى اقتداء، وبالتالي فأتصور أن قضية الدعوة إلى المراجعات دعوة حق تتوجه إلى كل التيارات إسلامية وأنا أقول من لم يتجدد يتبدد، من لم يتقدم يتقادم، من لم يتطور يتدهور فالماء الراكد يأسن والذي يقف عند جزئيات وعند آراء لا يريد أن يطور فكره ولا آلياته فيها فإن الماء الراكد يأسن والخلايا إذا لم تتجدد تموت، ولكن نعلم أن التجدد المطلوب هو الذي يكون في الوسائل والآليات ويكون في ظنيات الآحكام وفي الاجتهاد المبني على المصالح والعلل والأعراف التي اختلفت باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات وليس في  قطعيات الشريعة ولا في أصولها وثوابتها.
إن تعدد الحركات والتيارات الإسلامية إذا كان هذا التعدد في الجماعات تعدد تنوع وتخصص بمعنى أن الإسلام أشبه بالنهر العظيم وكل هذه روافد كل طائفة تخصصت، هذه في العمل الخيري، هذه في تصحيح المفاهيم، هذه في البناء الاجتماعي، هذه في مقاومة الفكر الوافد، تخصصت في جوانب ولم تعتبر كل طائفة منها أنها هي مالكة لمعايير الصواب والحق وقبلت ما عند الآخرين ومدت جسور التواصل وأحسنت الظن بالدعوات الإصلاحية الأخرى وعظمت المشتركات والجوامع فحينئذ يكون التعدد تعدد تنوع يشكل عامل خصوبة وإثراء، أما إذا تحولت هذه التعددية إلى تكفير وتفسيق وإرجاف واتهامات متبادلة وكل يتسقط عثرات الآخر ويسيء الظن به ويكيل التهم يعني عليه فهذا يكون عامل إضعاف بالنسبة لواقع الأمة الإسلامية، ولذلك هذه الجماعات وسائل وليست غايات حين تتحول إلى غايات وتعتبر أن الانتماء إليها هو انتماء عليه معقد الولاء والبراء، من كان معي قديس، من ليس معي إبليس، من كان معي فمعه الحق المطلق، من ليس معي معه الباطل المطلق، هذا يؤدي إلى حالة التشظي والفرقة والشتات في الأمة، هذه كلها اجتهادات يخطئ ويصيب فيها الإنسان ولكننا نتكامل بمجموع هذه الطاقات وأيضا بالمستقلين الذين يثرون الحياة الإسلامية وليس لديهم انتماء لا لجماعة ولا لحزب ولا لطائفة.
هناك أزمات كثيرة، أولا هناك أزمة متعلقة بوحدة الأمة، وحدة الأمة اليوم تتعرض لأخطر قضية ما يمكن أن يسمى بتجزئة المجزأ أو تقسيم المقسم أو تفتيت المفتت، إما على أساس عرقي كما يقال في دارفور عرب وأفارقة، في شمال أفريقيا عرب وبربر، في العراق عرب وأكراد وتركمان، في الخليج عرب وفرس، أو قضية مذهبية أو على قضية متعلقة بالأقليات الدينية. كيف نحافظ على وحدة الأمة التي قامت على وحدة الجوامع الخمسة، وحدة العقيدة، وحدة الشريعة، وحدة القيم، وحدة الحضارة، وحدة دار الإسلام، هذه إحدى الأولويات الكبرى، الأولوية الثانية كيف تقدم هذه الحركات الإصلاحية نموذجا للإصلاح، الإصلاح في الحكم الرشيد في مقابل الاستبداد، الإصلاح في العدالة الاجتماعية في مقابل الظلم الاجتماعي، الإصلاح في مواجهة حالة التخلف التقني والعلمي والتكنولوجي، كيف ننهض بالأمة، حالة الوهن الأخلاقي، حالة التبعية والاستلاب. هناك أمر آخر من الأولويات الاحتلال الذي جثم على صدر الأمة في مقدساتها وفي كثير من البلاد، ثم جانب آخر كيف تتحرك هذه الدعوات لتقديم مشروع نهضة لنهضة الأمة ينقلها من دائرة الوجود العادل إلى الشهود الفاعل، نهضة تقوم على العقيدة الموافقة للفطرة، على العبادة الدافعة للعمارة، على العقل المهتدي بالوحي، على العلم المرتبط بالإيمان، على الأخلاق المترقية بالإنسان، على العدل المؤيد بالإحسان، على التشريع المحقق للمصلحة، على الفن الملتزم بالقيم، على القوة المقترنة بالحق، على الخير المتوشح بالجمال، لا يوجد مشروع لنهضة الأمة شامل ومشروع إصلاح يحاول أن ينشئ علاقة تنهض بهذه الأمة في كل هذه الجوانب. قضية العولمة وإفرازاتها وتحدياتها، قضية الحداثة وما بعد الحداثة، إشكاليات ضخمة في واقع الأمة، بدل أن نستدعي معارك التاريخ التي عفا عليها الزمان على الدعاة أن يتصدوا لمشكلات العصر وواقع الزمان بعقل نقي بقلب تقي بجهد متضام، بحراك واجتهاد وإحياء حتى نستطيع أن نجيب على هذه الإشكاليات ويكون انتماؤنا انتماء إلى السلف الصالح انتماء منهج وليس انتماء مذهبية ضيقة تعمل على شتات شمل الأمة.
كثيرا ما ترتبط السلفية المعاصرة بشخصي ابن تيمية وابن القيم وكتاباتهما ابن تيمية وابن القيم من أعلام الهدى ومن الأئمة الكبار الذين قادوا حركة تحررية في موضوع الاجتهاد ونبذ التعصب ومحاربة الخرافة والبدع ونحو ذلك، أما أن نعتبر التمركز بالنسبة للسلف الصالح جميعا فقط عند هذين الإمامين ومن قبلهما الإمام أحمد ومن بعدهما الإمام محمد بن عبد الوهاب على جلالة قدر هؤلاء الأئمة فهذا خطأ ليس صحيحا، فهؤلاء من أعلام الهدى لهم ما لهم عليهم ما عليهم اجتهدوا أصابوا في الكثير وهم إن شاء الله بين أجري الإصابة وبين أجر الخطأ الواحد كسائر أعلام الأمة، هم أيضا وقعوا ضحية بين المغالين في التعصب لهم والمغالين في التعصب عليهم، وأنا أعتقد أن الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم هم من أكثر العلماء الذين أنصفوا التصوف والمتصوفة، ابن تيمية له مجلدان "التصوف والسلوك" وابن القيم في "مدارج السلوك" كتب كتابا عظيما وهو في قمة عطائه الروحي ومن آخر ما ألف وكتب، كيف التمس المعاذير للإمام الهروي ويستدرك عليه بعض المسائل وينصفه ويقول "العصمة لم تضمن لأحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام". المشكلة أننا لا نتأسى بابن تيمية وابن القيم في منهجهما وإنما نتأسى بهما في جزئيات أقوالهما أي أننا نريد أن نثير القضايا التي أثارها الشيخان وقد لا يكون لهما مقتضى في عصرنا وهذه هي مشكلتنا بين السلفية الحزبية وبين سلفية المنهج، إن الاقتداء بابن تيمية أن نتصدى لقضايا عصرنا كما تصدى ابن تيمية لقضايا عصره لا أن نردد ذات الأقوال، ولذلك هذا هو المنهج الذي ابن تيمية قدمناه على أنه الذي يشهر سيفه في وجه المخالفين لكن لم نقدمه ذلك الإمام الرباني الذي كان يحيي ليلته ويقعد بعد صلاة الفجر ويتعبد حتى يتعالى النهار ويقول "هذه غدوتي لو لم أفعلها سقطت قواي"، هذا الرجل بهذه الروحانية المشرقة، وقد كتبت بحثا أسميته "صفحات مطوية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية"، إنصافه للمخالفين، لماذا لا نقتدي بابن تيمية في إنصافه للمخالفين ونركز فقط على قضايا الخلاف التي أثارها مع علماء عصره؟




السبت، 27 أغسطس 2016

- "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

قوله تعالى : "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(18).
سبب نزول هذه الآية أن حبرين من أحبار الشام دخلا المدينة فقا أحدهما للآخرين : أن هذا البلد هو الذى ذكره الله فى التوراة أن يكون فيه خاتم الأنبياء ، وسألا فأخبرا أنه ظهر هنا رجل يدعى النبوة ، فتوجها إليه ونظر إليه فتحققا منه أنه هو خاتم الأنبياء ، فقال له أحدهما : أنت محمد ؟ فقال نعم : أنت أحمد ؟ فقال : نعم . فقالا أنا سائلاك عن شهادة . فقال : سلانى . فقالا : ما خير شهادة فى كتاب الله ؟ فأنزل الله تعالى قوله : "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ" الآية ، فآمنا وصدقا . والشهادة لغة : هى الأخبار المقرون بالعلم المؤيد بالحجة ، وهنا جمع الله تعالى بين شهادته وشهادة الملائكة وأولى العلم.

ومعلوم أن مفهوم الشهادة فيها واحد ، لأن المراد نفى الجحود والشريك ، والإقرار بوجود الإله وبوحدانيته ، والعلم بالنبوة لا يستلزم العلم بنفى الشريك ، فإن العلم بالنبوة محتاج إلى أدلة وبراهين تثبت أن هذا الرجل نبى ، أما نفى الجحود وإثبات الوحدانية فقد شهد الله بهما لنفسه فى آيات كثيرة ، كآية الكرسي وكسورة الإخلاص وكفاتحة سورة آل عمران ، وشهد بها الملائكة وأولوا العلم . وشهادة الله لنفسه بذلك ، لا تعد شهادة من الشاهد لنفسه ولكنها فى قوة أنه سبحانه أقام الحجج والأدلة والبراهين الناصعة للقلوب التى تعقل عن الله بما أجلاه فى الكون علوه وسفله من بدائع إبداع الصنعة وعجائب تصريف القدرة ، وغرائب أحكام الحكمة ، حتى لو نظر ذو بصيرة إلى ذرة من ذرات التراب والجماد ، أو إلى أصغر حيوان أو إلى قليل النسيم العليل البليل ، أو إلى ما فوق ذلك من أرجاء وأجواء وأفلاك ثابتات وسائرات ، وإلى ما فوق ذلك بأن إعانة الله بالسلطان فنقذ من أقطار السماوات والأرض لشهد أنه لا إله إلا الله ، منزها لذاته العلية عن أن تلد أو تولد ، أو تحتاج إلى كائن ما ، أو أن يكون لها شبيه أو نظير أو ضد أو ند ، بل هو –جل جلاله –كما أخبر عن نفسه بقوله تعالى : "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ".

ثم أتى بجوهرة كمال توحيد الموحدين وصفاء جواهر أنفسهم فقال الكلمة الفذة التى لم يتذوق حلاوتها إلا الأفراد المخصوصون ، وهى قوله تعالى : "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" ، وتلك الكلمة لو فصل أجمالها وأشرقت أنوار مضنونها لصار من يمشى على التراب فوق الملائكة العالين كشفا وإيمانا وطمأنينة قلب ويقين ، فإن فى كنزها الخفى عن العقول بل وعن الألباب سر اضمحلال العرش وما أحاط به مع بروزه مجملا بجمال الآيات شوقا إلى من أبدع الكائنات . وكيف يرضى مؤمن أن يرى أو يحكم بمكافئ لله يسلى به عنه –جل جلاله - ؟ .

اللهم تجل لنا بجلى تبيان يمحق من قلوبنا ومن أمام أعيننا وجوارحنا كل ظل يستر عنا جمالك العلى . . هنا عطف الله الملائكة على نفسه ، وعطف أولى العلم كذلك لأنه سبحانه وتعالى بين بالحجج الناصعة للملائكة دلائل تفريده سبحانه بالألوهة ، وبين لأولى العلم وبين أولى العلم للعامة ، وفى ذلك ما فيه من الشرف والرفعة لأولي العلم . قالe: [ أكرموا العلماء فإن من أكرم العلماء فقد أكرم الله ورسوله ] وقالe[العلماء سرج الدنيا ومصابيح الآخرة] وهذا هو الحق ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وما ورث الأنبياء درهما ولا دينارا ولكن ورثوا علما وهدى ، فمن أخذ بقسط منها طويت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحي إليه.

وما تقول فى قوم عطفهم الله على نفسه فى مقام أخباره بالشهادة عن نفسه حتى أقامهم مقام نفسه فى الشهادة له بأنه لا إله إلا هو ؟ يضيق بنا المقام إذا نحن فصلنا مجمل مقام العلماء ومنزلتهم من أمة محمدe، وغاية الأمر أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.

وكان أكثر الصحابة يعتقدون أنه صلوات الله وسلامه عليه لن يموت ، فلما مات هم إبليس أن يدخل عليهم شبهة أنه ليس بخاتم الأنبياء لولا أن قام الصديق الأكبر أبو بكر –رضى الله عنه –فقال للصحابة : من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ، ثم قرا قوله تعالى : "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا"([100]) ، فرفع الصوت بالولولة على رسول اللهe، بعد أن ثبت لهم بالحجة القرآنية موته ، وثبت لديهم أن الله يقيم له ورثة فى كل زمان يحيون ما اندرس من معالم شريعته.

فالعلماء هم أمناء الله على شرعة وأئمة الناس للسلوك إلى الله وهم شموس الهدى . قال على عليه السلام : "اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة أما ظاهرا مشهور أو باطنا مستورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته" ومر أبو هريرة –رضى الله عنه –فى السوق فوجد أهل الأسواق فى غفلتهم فقال : يا قوم ما لكم أن ميراث رسول اللهeيقسم فى المسجد ، فابتدر الناس بيوتهم وأخذوا أموالهم إلى المسجد ليشتروا ميراث رسول اللهe، فلما دخلوا المسجد وجدوا أبا ذر الغفارى وسلمان يتكلمان بعضهما مع بعض ، ولم يجدوا بيعا ولا شرا : فرجعوا إلى أبى هريرة ورموه بالكذب والبهتان فقال : ما هذا؟‍‌‍! قالوا : أخبرتنا أن مراث رسول اللهeيقسم فى المسجد وذهبنا فلم نجد إلا أباذر وسلمان يتحدثان ، فقال : هذا ميراث رسول اللهe، وهل لرسوله الله ميراث إلا هذا الذى يتقاسمه أبو ذر وسلمان ؟ فرجعوا على أنفسهم.

ولك أن تشرح الآية فتقول ! شهد الله أنه لا إله قائما بالقسط إلا هو ، وشهد الله أنه لا إله إلا هو "قائما" بالقسط ، وعلى التفسير الأول تكون "قائما" صفة "لا إله" وعلى التفسير الثانى تكون حالا مؤكدة أو مؤسسة ، ولك أن تقول : "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط" فتكون حالا من "أولو العلم" ولك تأويل آخر فتقول أن الله تعالى شهد لنفسه بتفريده بالألوهية ، وبأنه حكم عدل لا يظلم فى خلق ولا فى رزق ولا فى تقدير ولا فى أمر ونهى ، وشهد له الملائكة وأولوا العلم بما شهد به لنفسه ، منفردا بالأولوهة وبالعدل وبشئ آخر وهو قوله : "العزيز الحكيم" فشهادة الله لنفسه لأمرين عظيمين.

وشهادة الملائكة وأولوا العلم بما شهد به لنفسه –جل جلاله –وبأنه العزيز الحكيم ، لأن العزة هى القدرة العلياء ، والقوة القاهرة فى تنفيذ أحكامه وأقداره . والحكمة هى كمال العلم الذى به تبرز الأشياء على كمالها.

وهنا ظهرت حججه للملائكة ولأولى العلم ظهورا محسوسا لعيون الإيقان والإحسان والإيمان والإسلام ، فإنهم نظروا بأعين الإسلام أولا فشهدوا من بدائع إبداع الآيات ما طمأن به قلوبهم على الإقرار له بالتوحيد إقرارا مقرونا بالعلم ، فاعترفوا اعترافا دعا إليه ما تحققته جواهر نفوسهم ليتمكنوا من الإسلام ، لأن الإسلام نطق باللسان وعمل بالجوارح ، وهذا الإسلام فى فاتحته ، لأن أهل الجاهلية العمياء لم تكن لهم أوعية تسع النظر والبحث وبيان الأدلة والحجج أولا حتى يسلموا تسليما.

قال تعالى : "قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"([101]) لأن محل الإيمان القلب وذلك لأن الإيمان هو التصديق ، أما بعد أن دق الدين أوتاده وضرب أطنابه فالإسلام والإيمان واحد ولا فرق بينهما ، فإن الإسلام هو عقد القلب على عقدية الحق والانة الجوارح على العمل بما أمر به ، والإيمان هو المسارعة إلى العمل بما أمر الله بالجوارح وعقد القلب على عقيدة الحق.

وقد اختلف المتكلمون والمحدثون أى علماء التوحيد والحديث فى هذا الموضوع ، فالإسلام والإيمان عند المحدثين واحد وعند المتكلمين اثنان ، وقد أشار بعد أئمة الصوفية إلى أن المراد من الدين هو التوحيد الكامل وعقد القلب على ما بينه الله من العقيدة والنوايا والمحاسبات والمراقبات التى بالتمكين فيها تعتبر أعمال الجوارح صالحة وبدونها لا تعتبر ولا تقبل ، فجعلوا العبادة بالجوارح فرعا من أعمال القلوب ، وجعلوا الإنسان إذا مات كامل الإيمان ولو كان مقصرا فى أعمال الجوارح دخل الجنة ، قال تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ"([102]) ، والخلاف بين المحدثين وعلماء الصوفية لفظى ، فإن أئمة الصوفية يعتقدون أن العبادة تقليد يقلد الولد أباه حتى يكون التقليد لرسول اللهe.

أما علم القلب فهو الفرض الواجب على كل مسلم ، ومتى حصل الإنسان علم القلب لانت جوارحه على القيام بما فرض الله تعالى ، بل وسارعت إلى عمل نوافل الخير ، ومتى خرب القلب من هذا العلم وملأ صفاح السموات وبطاح الأرض عملا لن يرفع ولن يقبل.

وأكمل الإيمان الإيمان بالغيب ، وقد أثنى الله تعالى على أهله وبشرنا عنهم بقوله : "أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"([103]) ، ثم أمرنا بعد ذلك بالبحث والنظر ، فقال : "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ"([104]) ، وآيات لأولى النهى ، وعبرة لأولى الأبصار حثا منه سبحانه على طلب العلم ، وقد رفع العلماء درجات عالية بعد الثناء على أهل الإيمان ، فقال سبحانه : "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"([105]) ، وقال تعالى : "وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ"([106]) وقال سبحانه : "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"([107]) ، وشبه ذلك بالميت والحى والأعمى والبصير.

كل ذلك ليبين فضل العلماء حتى نشتاق إلى العلم فنسارع إليه حيث لا علم إلا بالتعليم ، إذن فيكون العالم قصد كل طالب لله تعالى وقليل ما هم.

- "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ"

قوله تعالى : "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"(14).

"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ"

قبل أن نتكلم على هذه الآية الشريفة اكشف لك سرا يستبين لك به أن الخلاف بين العلماء لفظى ف مثل هذه الآيات الشريفة ، يقول الله تعالى : "زين للناس حب الشهوات" ، ومعنى هذا التزين أن الله خلق الإنسان مكونا من حقائق مختلفة تدعو إلى ضروريات وكماليات ، وخلق أنواعا كثيرة لا غنى لتلك الحقائق عنها ، فالإنسان مضطر إليها اضطرارا طبيعيا ، وهذا عندى هو التزين ، والذى زين هذا هو الله تعالى ، وقد أباح لنا منا نضطر إليه ولو كان لحم الميتة ، وأباح للضيف إذا نزل محلة قوم ومنعوا القرى عنه حتى دعته الضرورة فأخذ متاعا من أمتعتهم ليقتات به لا يكون عليه حرج فى ذلك ، لأن الضرورة قضت عليه ، قال تعالى : "إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ"([86]).

وذلك لأن الله تعالى زين تلك الأنواع التى خلقها للإنسان لتنكشف أسرار الآيات لمن يستعملها ، فإن الإنسان إذا تناول ما خلقه الله وكان له نظر ثاقب ، شهد من آيات البديع وأسرار القادر وحكمة الحكيم ما يجعل قلبه يطمئن بذكر الله ، ويندفع بعامل نيل شهواته المباحة إلى شكر الله ، وذلك هو المقصود من إيجاد الخلق ، قال تعالى : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"([87]).

إذا فالله هو الذ زين حب الشهوات للناس ، ولكنه سبحانه حظر عليهم استعمال ما حرمه مما يضر الأجسام ، ويفسد العقول ، كالمسكرات والمخدرات، وما يفسد الأخلاق ويوقع فى الشحناء كالربا ، ومالا ضرورة إليه كالمغصوب والمسروق ، وأباح لنا ما عدا ذلك مما تدعو إليه الضرورة من طعام وشراب وملبس يقي الحر والبرد ، ومأوى يحفظ الإنسان من ضرر اللصوص والوحوش وقسوة البرد والحر ، وعلى ذلك فالذي زين للناس حب الشهوات المباحة وجعل الإنسان يصرف أنفس أوقاته فى طلبها هو الله تعالى لحكمة عالية اقتضتها صحته الروحانية وصحته الجسمانية ، فإذا تعدى الإنسان إلى حب الشهوات التى حظرها الله عليه ، وأمره أن لا يقع فيها كان ذلك سببه الشيطان الذى وسوس إليه فزينها له ، وإن كان ذلك كله بإرادة الله تعالى وتقديره.

"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ" أى حب النساء وما بعدها ، ولكنه ذكر الشهوات بمعنى المشتهيات لأن الشهوة بمعنى المشتهاة والحب قد يكون للشهوة ، ولكن العبد يكره أن يقع فيها ، فلا يدعوه ذلك الحب إلى الوقوع فى الشهوة ، وقد يحب الوقوع ، والنوع الأول هم عامة المسلمين الذين يحبون الشهوات مطلقا ، ولكن تمسكا بالدين يكرهون الوقوع فيها ، وأما الذين يحبون الشهوات والوقوع فيها فهم المنافقون والمشركون بالله تعالى.

وأما أهل الإيمان الكامل فأنهم لا يحبون الشهوات ولكن يحبون المنعم بالنعمة ، فإذا استعملوا الشهوات فيما أباحه الله لهم شهدوا مشهدين: شهدوا المنعم جل جلاله ، وشهدوا الأمر باستعمالها ليذكروه ويشكروه ، فكان محبوبهم المنعم جل جلاله ومن أمر ونهى سبحانه لا الشهوات من حيث هى مشتهيات ، لأن الحكمة فى تزيين الله الشهوات بينتها لك . والقوم أقرب مشهد لهم شهود الحكمة فيما يرون أنفسهم فى حاجة إليه.

"مِنَ النِّسَاءِ"

"من" هنا للبيان ، و "النساء" تفصيل لمجمل الشهوات أو بدل ، وإنما بدا فى الشهوات بذكر النساء لما لهن ف القلوب من المكانة التى تجعل الإنسان قد يشتغل عن واجب الدين بهن ، وبما لهن من التأثير القوى على قلوب الرجال فكان لهم حق الابتداء ، وقد يملك الرجل الأرض ومن عليها ويعجز عن أن يملك المرأة ، ولا يكون الإنسان رجلا عند الحكماء إلا إذا ملك المرأة –ومن قال أنني رجل وتملكه زوجته فليس برجل.

وكان بعض الصالحين إذا دعي إلى الزواج قال : أنى لا أملك نفسي فكيف أقويها بنفس أخرى ، دعوني أجاهد نفسي حتى تكون طوعي ثم أتزوج ، والباعث الذى جعل المرأة أول المشتهيات معلوم لكل إنسان.

"وَالْبَنِينَ"

معطوف على النساء ، وهم الأولاد ، ولهم أعظم قسط من شغل القلب ، وللشيطان نفثات من ناحية الأولاد يكاد يجعل الرجل يقتل أباه وأمه أو يفرقهما طوعا لداعى شهوته قالe: [الولد مجبنة مبخلة مفسدة] ، وفى آية أخرى يقول الله تعالى : "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ"([88]) ويقول سبحانه : "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ"([89]).

"وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"

القناطير جمع قنطار ، والقنطار هو نهاية القدر الذى يوزن من الشئ ، وهو عند قوم من القدماء ملء جلد عجل من الذهب والفضة ، وعند آخرين مائة رطل ، وعند بعضهم ألف دينار ، والمقنطرة الكثيرة ، فالقناطير ثلاثة ، والمقنطرة ثلاثة فى ثلاثة "من الذهب والفضة" الذهب والفضة أنفس ذخائر الإنسان ، لأن من يملكها ملك كل شئ يشتهيه من مشتهيات الدنيا.

والذهب معدن نفيس من المعادن التى لا تتركب ، وكم أفسد الناس فيه أعمارهم وأموالهم ليركبوه من حقائقه التى يظنون أنه منها ، فلم ينالوا سوى الخيبة ،وهم الذين يصنعون الكيميا.

والفضة معدن أقل من معدن الذهب جودة ونفاسة ، ولكل منهما خصوصيات طيبة زيادة عن خصوصياتهما فى المعاملات ، وقد نجح قوم فى إنجاح مقصدهم فى هذين المعدنين ، وهم من منحهم الله الروح العلية التى يقوى الرجل بها على تنويع الحقائق ولا حرج ، فإن الله منح موسى عصا تنقلب إلى ثعبان فتعمل أعمالا تعجز البشر ، ومنح عيسى كلمة يحدث اله بها ما شاء من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ومن خلق الطير من الطين ، وكما منح اله رسله الكرام كلمته ف عصا أو بغير عصا ، فإنه –تنزه وتعالى –يعطى تلك الآيات لمن أحبهم من خيرة خلقه لا فرق بين الرسول والنبى والوالي.

والمحظور عن أن ينال هو الرسالة ، أما ما زاد عن الرسالة من المعجزات والباهرات فإن الله قد يظهرها على أيدي أوليائه بصفتها كرامات منه لهم ، ولكنها لا تظهر إلا على أيدي الأتقياء من أمة سيدنا محمدe، فإذا ظهرت على أيدي المنافقين أو الكافرين كانت استدراجا من الله تعالى ، وقد ظهرت على أيدي سحرة فرعون لتقوم الحجة عليهم بعصا موسى ، وإنى أبين لك شيئا فى الكرامة : من أظهرها ليظهر بين الناس ، أو لينال بها خيرا وقع فى النفاق من حيث لا يشعر ، فإن الله أمر الأنبياء بإظهار المعجزة دعوة للخلق إلى الحق ، وأخذ العهد على الأولياء أن يخفوا الكرامة حتى يظهرها سبحانه تأييدا لمن يحبهم ، ومن راض نفسه لتظهر له كرامة فقد عبد غير الله.

"وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ"

الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، والمسومة المعلمة بالغرة فى وجوهها والتحجل فى أطرافها ، أو الخيل البلق أو التى فى جسمها ألوان ، ومسومة من السيما وهى العلامة كما قال تعالى : "سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ"([90]) ، وهى جياد الخيل.

وللخيل فى القلوب شهوة عند رجال تبلغ عندهم مبلغا حتى يكون الجواد أغلى على الواحد منهم من والده ، وهى شهوة مخصوصين من الخلق ، لذلك أخرها الله عن الحقائق التى هى مشتهيات الخلق جميعا كالنساء والبنين والذهب والفضة.

"وَالْأَنْعَامِ"

كلمة خاصة بالإبل إذا أطلقت ، وغذ لم تطلق كما فى هذا الموضع كانت للإبل والبقر والغنم ، لأن الله تعالى لما ذكر الخيل أجمل فيها البغال والحمير وذكر أكملها لمناسبة الشهوة.

"وَالْحَرْثِ"

هو الزراعة لأن الإنسان إنما يحرث الأرض لزرعها ، وقد أصبح الحرث خيرا من الذهب والفضة والأنعام بعد أن سكن الإنسان المدن استراح ، أما فى العصور القديمة فكان الحرث لا قيمة له ، لأن العالم كان يرحل من مكان إلى مكان لرعي ما يملكه من الحيوانات فقط ، وكان طعامهم إذ ذاك الألبان واللحوم ، ولباسهم وبيوتهم من الجلود . ولا يزال منهم بقية فى السودان الجنوبي ، وفى المغارات والجبال فى بلاد أمريكا ، وللحرث شهوة فى القلوب تجعل الإنسان حريصا عليه يقتل أباه وأمه وولده وجاره فى سبيل سقياه أو حفظه من الأيدي الأثيمة.

"ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"

دليل على أن المزين هو الله تعالى لأنه خلق تلك الأشياء ، وجعلها متعة فى الحياة بتمتع بها الناس لداعى الضرورة التى خلقها الله فيهم من احتياج إلى الغذاء واللباس والمأوى والدواء ، إذ بغيرها يفقد بنو الإنسان الحياة ، ومعنى "متاع الحياة الدنيا" أى تتمتع به الناس ثم لا يبقى . فقد يكون التمتع به سببا فى فقده كالذى يتغذى به الإنسان فإنه يفقد فورا ، وقد يفقد بعد حين كاللباس والفراش والمسكن.

إذا فكل متعة تفنى ، وكما أنها تفنى باستعمالها فهى قليلة جدا حقيرة لا يجعلها مقصده الأعظم إلا الجاهل ،والإنسان مع غفلته أقل من الحيوانات التى خلقت لتتمتع ثم تموت فتكون ترابا ، فإن الحيوان إذا ملأ بطنه أستراح من عناء طلب قوت غده ، ولكن هذا الإنسان ما أكفره ! يكون فى بيته ما يكفيه اليوم والشهر والسنة ولا يستريح ليلة من هم المعاش ، والنملة خير منه فى هذا ، فإنها تمكث شهورا طويلة ساكنة فى بيتها مطمئنة لا تشتغل بطلب رزق ، فهى خير من الملوك . والإنسان أقل من النملة راحة ولذا فالأولي له أن يتمنى أن يكون ترابا.

وبعيشك أخبرني : متى استراح الإنسان وهو مطلوب للإنسان ، عالم بأنه سيقف بين يدى الله يحاسب على الصغيرة والكبيرة ، ويعتقد أنه أما إلى جنة وأما إلى النار ! ومع ذلك ينسى كل ذلك ويقبل على مشتهياته فيضيع أنفاسه الغالية فى غفلة وجهالة ومنازعة ومعارضة وعناد وعداوة فى طلب مالا يبقى ، فإذا جاءه رسول به –أى الموت –ندم ولات حين مندم ، وقال : "رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا"([91]) ومن أين له الرجعة والمسكين قد كان فى بحبوحة الوسعة وجاءه النذير.

"وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"

المآب هو المرجع ، مأخوذ من آب يؤوب ، أى رجع يرجع ، و "حسن المآب" يعنى خيره ، وهو يوم القيامة الذى تكون فيه مشتهيات الأرواح العالية من شهود جمال الله العلي ، وسماع كلامه المقدس ، والأنس بحضرته جل جلاله ، ولذات العقول من شهود أنوار القدرة والحكمة فى حظائر الملكوت الأعلى ، ولذات الجسم من مأكل شهى ومشرب لذيذ وملبس بهى ، وملاذ الحس من منظر الجنة التى تعجز العبارة عن بيانها.

فإن الإنسان الأول كان فى الجنة فكان يغذى جسمه بمناظر الجنة من أزهار وأنهار وجمالات تسكر الأرواح ، ويغذى جسمه بأنواع الملاذ من مأكل ومشرب من ثمار الجنة وطيرها ومائها وفاكهتها ، وكان يغذى عقله بالنظر إلى إبداع البديع جل جلاله ، وكان غذاء نفسه الطيب والحب والأنس بالله تعالى.

فلما أهبط إلى الأرض غذى حسه بالنظر إلى أهوال ما يراه من المناظر البشعة ، وغذى جسمه بقديد الثمار وغيرها وبعد الجهد الجهيد والعناء الفادح ، وغذى عقله بالبحث عما يدفع به عن نفسه شر العاديات من وحوش البر وعناء البحر وخوف حيوانات الأرض ، وفقد غذاء الروح الطاهرة ، وأشهد الله الإنسان الأول نعيم الجنة وأشهده عناء الأرض ليخبر أولاده فيشتاقون إلى الجنة ويعملون لها ، وأخرجه من الجنة بذنب واحد ليذكر أبناءه أن الساكن فى الجنة أخرج منها بذنب فيحذرهم من عمل الذنوب.

وهنا أشير إليك إشارة تعلم أن أهل محبة الله فى الدنيا هم عند ربهم ، وهم فوق التراب وتحت السماء ، لأن محل نظر الله تعالى هو القلب ، فإذا تعلقت همم العبد وعزائمه بربه ، واستحضر حكمة إيجاده وسر إمداده تمثل هذا الجانب العلى بما يقدر عليه من التمثيل بحسب ما وهب الله من القوة المتصورة فإذا كمل يقينه فى هذا المشهد كان وهو يمشى على الأرض عند ربه سبحانه من حيث عناية الله به وإقباله عليه بعواطفه وعوارفه ، ومن كان عند ربه فى الدنيا رفعه الله فى الآخرة فجعله عنده فى مقام الأنس به على بساط منادمته ولما لم يكن هناك ألفاظ خاصة تدل على الله بلفظها ومعناها خاطبنا سبحانه بما نعلم من الألفاظ بحسب مقدارنا العقلى ومنحنا نورا نستبين به روح تلك الألفاظ فنسلمها لله تسليما ، فنقول العندية معلومة والكيف مجهول.

- "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا"

"رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا"
قبل أن نتكلم عن تأويل هذه الآية أشير لك إشارة . تعلم أنه ورد فى الحديث الشريف قولهe: [من عرف نفسه فقد عرف ربه] ، وأهل هذه المقامات يتفاضلون ، فأقل مقام من هذه المقامات أن يعلم أن نفسه مكونة من ضد أسماء وصفات الربوبية ، فما من أسم من أسماء الله إلا والعبد يسمى بضده ، ولكن ذلك قد يكون علما وقد يكون شهودا وقد يتجاوز الشهود حتى يكون وجودا وقد يكون حضورا ومثولا ، ونحن الآن نتكلم عن العلم الآية مفتتحة بالراسخين فى العلم ، وهذا الدعاء دعاء أهل العلم.

وإذا علمت نفسك بمقام العلم أنها مكونة من أضداد الأسماء والصفات، فالله القوى وأنا الضعيف ، والغنى وأنا الفقير ، والقادر وأنا العاجز إلى آخر الأسماء والصفات ، وقد بلغت مقام اليقين فى العلم الذى عرفته قبلا وهو تصور النفس رسوم المعلوم ، ولا يكون علما حقيقيا إلا إذا تصورت النفس رسوم المعلوم ، أما ما عدا ذلك من فهم أو حفظ أو حكم بالعقل فليس ذلك بعلم لأن الذى يدركه الحس من المادة مهما كانت المادة سافلة أو عالية يشترك فيه الكافر والمؤمن ، فعلم الرياضة الذى يجب أن يكون له . مادة ف الذهن وأن لم يكن له مادة فى الخارج تقتضي تحصيله ، وعلم النجوم الذى له مادة عالية عن المادة السافلة ، وعلم ما فوق المادة مما عظمة أهل الجهالة ممن خرجوا عن الأدب مع الله ورسوله ، وتلقوه عن فلاسفة الرومان واليونان والأشوريين والبابليين الذين يسمونه العلم الإلهي وليس بعلم إلهي.

كل تلك العلوم لها مصائد هى الحواس الخمس ، وكل إنسان روض نفسه فى أى نوع من أنواع الرياضة يحصل تلك العلوم ، أما العلم الذى أثنى الله على أهله فأخبر عنهم أنهم راسخون فى العلم فهو العلم الذى لا يشترك فيه معهم إلا إبدال الرسل ، وإبدال الصديقين ، وكل ورثة رسول اللهe، وهو العلم الذى أخبرنا الله أنه يتفضل به على من عمل بعلمه الذى تلقاه عن الرسل –عليهم الصلاة والسلام.

إذا تقرر هذا فالراسخون فى العالم علي يقين كامل أن الله فوق كلمته بل فوق وعده ووعيده ، حتى لو قال للراسخ فى العلم : أنت حبيبى أجلس فوق عرشى منحتك كلمة "كن" تصرف فى ملكى وملكوتى ما ازداد إلا خشية من الله ، لأن الله فوق كلمته لا شريك له فى ملكه.

فقول الراسخين فى العلم : "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا" الآية برهان على قربهم من الله الذى دل عليه النداء ، وفى قولهم : "لا تزغ" الزيغ كما بينت لك هو الميل والنزوع إلى الباطل ، أى لا تزغ قلوبنا عن الحق ، بمعنى احفظنا من أن تنزع قلوبنا إلى الباطل عملا او قولا أو حالا ، وذلك يا ربنا بعد إذ هديتنا.

وقد بينت لك أنواع الهداية فيما تقدم ، وفى قولهم "بعد إذ هديتنا" دليل على أنهم منحوا هداية الإحسان التى يتفضل الله بها على أهل محبته الذين أختصهم من بريته ، وهو أكمل مقام يصل إليه السالك ، وليس فوقه إلا الفناء من المقامات ، وهو رضوان الله الأكبر ، ثم مقام الاتحاد بالأمر والمشيئة.

ومن منح الاتحاد فى الأمر والمشيئة كان صديقا أكبر ، وهو الذى شاء الله أن يكون هاديا مهديا راضيا مرضيا ، وأمره بذلك ، فكانت إرادة الله وأمره متحدين فى ذات الرجل ، كما تفضل الله على أبى بكر –رض الله عنه –ونعوذ بالله من اختلاف الأمر والإرادة فى شخص ، كما قدر الله ذلك على أبى جهل ، وهناك مقام فى الاتحاد العلى وهو أن يجلى الله تعالى للعبد الراسخ فى العلم معانى صفاته العلية ، من جمال وجلال فى هيكله الإنساني حتى يتجمل بكل معانى الصفات ، فيكون سدرة منتهى علوم الخلائق ، يغشى بظلال الأسماء وهذا يكون الاتحاد الشهودى ، وقد تغلب المشاهد على النفس المطمئنة فتصول عليها صولة تمحو من أمامها الكون عالية وسافله حتى تشرق أنوار وجه الله حيث ولى الفرد وجهه.

هذا العلم الذى رسمت صورته على جوهر النفس يجعل العالم به دائم الخشية ، طويل الحزن ، يراه الجاهل آنسا فرحا راضيا عن الله مستبشرا وعين روحه تشاهده عظمة وجلالا وكبرياء لأنه فصل القوة الروحانية عن الجسمانية وقامت كل قوة بواجبها ، ويكون هذا الشأن أظهر وأجمل عند الملامتية ، وهم كمل مقام أهل الإحسان ، وأول ملامتى هو رسول اللهe، وهو أمامنا فى طريق الله تعالى ، وكيف لا وقد تحمل فى الملامة مالا يطيقه أولو العزم من الرسل ، وفى كل دور كان يقول : [رب أهد قومى فأهم لا يعلمون] بخلاف غيره ممن أهلك قومه أو خسف بهم الأرض أو مسخهم قردة وخنازير ، وهنا تتجلى لك وسعة رسول اللهe.وصدق الله حيث سماه باسمين من أسمائه فقال "رَءُوفٌ رَحِيمٌ"([77]).

"وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً"

أقاموا الحجة على كمال علمهم بالله فأثبتوا أن فضل الله موهبة منه لا لعلة ولا لغرض ، وبينوا أن المعية والعندية واللدنية مقامات متفاوتة ، فطلبوا رحمة اللدنية التى هى فوق العندية ، وهذا مقام فوق مقام خضر موسى لأن الله أخبر عنه بقوله : " آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا"([78]) وهؤلاء –رضى الله عنهم–يطلبون الرحمة من لدنه سبحانه ، وإذا طلبوا الرحمة من لدنه فينبغي أن يكونوا قد بلغوا من العلم فوق العندية.

والرحمة هى جماع الخيرات كلها التى تكون للنفس والعقل والجسم والحس ، ما عدا الروح فإن عطاياها تسمى محبة ، وكل عطايا القوى الأخرى تسمى رحمة ، فمنها التوفيق لطاعة الله ، ونيل الفضل منه سبحانه ، والوسعة فى الأرزاق وكثرة الأولاد والبركة فيهم ، والعافية فى البدن والأولاد والأموال ورفعة المقام فى الدنيا ، والوفاة على الإسلام ، وكون البرزخ روضة من رياض الجنة وقيامه يوم القيامة مع السابقين ، كل تلك الحقائق وما شابهها ينطوى فى الرحمة ، أما مواجهتهم وجه الله الكريم والأنس بالله ، والفناء عما سوى الله ، وما شابهها فمحبته سبحانه.

"إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ"

إقرار بيقين حق ثبت لديهم شهودا أو وجودا ، أى إنك انفردت بالألوهية وبالإعطاء والمنع والإيجاد هذا هو العلم اللدنى الذى لا يعلمه إلا العلماء بالله قالe: [أن من العلم كهية المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا ذكروه أنكره أهل الغرة بالله] فى تلك الآية الشريفة أشار إلى أن الأنسان يجب عليه أن يتشبه بمن اقتطعهم الله لذاته ، واصطفاهم لنفسه ، وأختطفهم إليه سبحانه ، حتى جعلهم ضنائنه فى خلقه.

والعلماء الراسخون يعلمون الناس بأعمالهم أكثر مما يعلمونهم بأقوالهم ، ويعلمونهم بأحوالهم أكثر مما يعلمونهم بأعمالهم ، فهم يقولون قليلا ويعملون كثيرا ، وكذلك كان أصحاب رسول اللهeمجاهدين أنفسهم أن يتشبهوا به ف أعماله حتى بلغ بهم الأمر أن يتساهلوا فى أقواله خشية أن يكونeرحمهم وتلطف بهم ، ولذلك كانوا يرسلون نساءهم إلى أمهات المؤمنين يسألنهن عن عمل رسول اللهeليلا ونهارا ، وكم تركوا العمل بقوله حرصا على أن يعملوا بعمله ، ومن ذلك أنهeأمرهم فى غزوة الحديبية بحلق رءوسهم أمر صريحا ودخل الحجرة وخرج فلم يجد أحد نحر ولا حلق فدخل إلى أم سلمة رضى اله عنها يتململ ، فقالت : مالك يا رسول الله ، لا أراعك الله ، فقال : [كيف لا وقد خالفني أصحابي ؟ ] ، فقالت : أخرج إليهم يا رسول اله فاحلق رأسك وأنحر هديك وانظر . فخرج وفعل ، فحلقوا كلهم ونحروا حتى سالت دماء الهدى فملأت الوادي ، حتى كان القصاص بأخذ من المسلم ما يرضيه حرصا على أن يساوى رسول اللهeفى زمان عمله ومكانه.

- محبة الله

نفى الله محبته لكل كفار أثيم ، وبهذه الآية يثبت عندنا أن الله يحب ولا يحب ، وقد أنكر بعض من لا رسوخ لهم فى العلم محبة الله للعبد وتأولها بأنها إغداق النعم عليه التى تكون فى الآخرة ، فإن إغداق نعم الدنيا يسمونها رحمة ، وقد جراهم على هذا تعريفهم المحبة أنها لا تكون إلا بسبب قائم كالأبوة والبنوة والزوجية والمنفعة ، وما أشبه ذلك ، وقال بعض من لهم علم : المحبة لا تكون إلا بمشاكله ، وليس بيننا وبين الله تعالى مشاكله تنزه وتعالى ، فلا ينبغى أن تؤول محبة الله تعالى بمحبتنا ، بل يجب أن نفهمها فهما غير ذلك.

وعندى أن المحبة جلت عن أن تعرف بحد أو رسم ، والمحبة هى الإرادة ، فإذا تعلقت إرادة الله تعالى برحمة عبد وفقه لما ينال به السعادة فى الدنيا والآخرة ، وإذا تعلقت إرادته بمحبة عبد أقامه سبحانه فى مقام العلم به ، ومشاهدة أسراره العلية من مشاهد التوحيد ، ومن مقامات التنزيه والتفريد ، وهذه تسمى محبة ، وكل المخالفين لنا يسلمون بها ، فكان الأولى لهم أن يقولوا أن الله يحب حقا ومحبته أرادته ، كما قالوا أن الله رحيم والرحمة عاطفة فى القلب تميل به إلى نفع المرحوم ، فهل الله له قلب ؟ ولم يقل أحدهم أن الرحمة مؤولة بل سلموا هذا الاسم تسليما ، فمن يسلم باسم لله هو بالنسبة لنا رقة فى القلب تقتضي العطف على الآخر ، ولم يعارض فى تسمية الله بهذا الاسم ، فليس له أن يعارض فى تسمية الله بأنه محب ، وإنما خالفنا فى هذا الموضوع من حرم ذوق المحبة.

وإليك بيانا كنت أكره أن أسطره على الورق فسلمه أن شئت وأقبله ، أو رده إلى أهله ، وذلك أن رسول الله eقال : "تخلقوا بأخلاق الله تعالى" وأخلاقه سبحانه هى صفاته العلية ، وقد أمرنا eبالتخلق بها ، فالله عليم ونحن نتخلق بالعلم ، وهو صفته ، والله كريم ورءوف وحليم وصبور إلى آخر الأسماء ، ومتى جمل الله العبد بخلق من أخلاقه أو أكثر أحب أخلاقه سبحانه فى العبد ، والظرف تابع للمظروف وإنما أحب صفاته العلية لاستجلائها فى هيكل الإنسان.

وعلى ذلك فلا اعتراض على من فهم لفظ المحبة بمعناها الحقيقى ، وقد قدمت لك أن المحبة أجل من أن تعرف بحد أو برسم لأنها سر بين الحبيب والمحبوب ، ولا يعلم الله إلا الله 

- "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ"

"يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ"
 الإيتاء إعطاء النعم للمعطي له ينتفع بها هو وغيره ، بخلاف الإعطاء كما قال تعالى : "يؤتى الحكمة من يشاء" أى يهب الحكمة لمن يشاء لينتفع هو ومن يشاء الله أن يمنحهم الحكمة ، والحكمة هى استكمال النفس الإنسانية لتحصل ما عليه الوجود فى نفسه ، وما عليه الموجد جل جلاله ، حتى يكمل العبد بالحكمة فى يعمل إلا ما ينبغى ، ويترك ما لا ينبغى لتصير كاملة مضاهية للعالم الروحانى ، وتفوز بذلك بالسعادة القصوى الأخروية بحسب الطاقة البشرية ، وهى تنقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين:

1-    حال تعلقها بالأمور التى نصدق بها ونسلم بها وليس لنا أن نعملها سميت حكمة نظرية ، كالعلم بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وبسر إيجاد الخلق وإمدادهم ، وبسر القدرة والنبوة والرسالة والولاية ، وبالمؤمن به من المغيبات عنا وأخبار يوم القيامة.

2- حال تعلقها بالأمور التى لنا أن نعملها سميت حكمة عملية.

وكل من الحكمتين منحصر فى أقسام ثلاثة:

بالنسبة للحكمة النظرية فإن ما لا يتعلق بأعمالنا أما أن لا تكون مخالطة المادة شرطا ، وحينئذ أما أن لا تكون تلك المخالطة شرعا لتعقله أو تكون.

فالأول : وهو ما لا تكون مخالطة المادة شرطا لوجوده ، هو العلم الألهى وهو العلم الأعلى.

والثانى : وهو أن تكون المخالطة شرطا لوجوده دون تعقله وهو العلم الرياضى وهو العلم الأوسط.

والثالث : وهو أن تكون المخالطة شرطا لوجوده وتعقله ، وهو الطبيعى كعلم المعادن والنباتات والحيوانات والطب والفلك والصنائع وهو العلم الأسفل.

بالنسبة للحكمة العملية فإن ما يتعلق بأعمالنا : قد يكون علما بالتدبير الذى يختص بالشخص الواحد فهو علم الأخلاق ، وإلا فهو علم تدبير المنزل أن كان علما بم لا يتم إلا بالاجتماع المنزلي ، ويكون علما للسياسة أن كان علما بما لا يتم إلا بالاجتماع المدني ، ومبادئ هذه الثلاثة من جهة الشريعة الإلهية.

وفائدة الحكمة الخلقية أن نعلم الفضائل ، وكيفية اقتنائها ، لتتزكى بها النفوس ، وأن نعلم الرذائل وكيفية الوقاية منها لتطهر منها النفس.

وفائدة المنزلية أن يعلم المشاركة التى ينبغى أن تكون بين أهل منزل واحد لتنتظم بها المصلحة المنزلية التى تتم بين زوج وزوجة ، ووالد ومولد ، ومالك ومملوك.

وفائدة المدنية أن يعلم كيفية المشاركة التى تقع بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ، ومصالح بقاء نوع الإنسان.

والمدنية قد قسمت قسمين:

1-    كل ما يتعلق بالملك والسلطنة ، ويسمى علم السياسة.

2-    كل ما يتعلق بالنبوة والشريعة ، ويسمى علم النواميس.

لهذا جعل بعضهم أقسام الحكمة العلمية أربعة وليس ذلك بمناقضة لمن جعلها ثلاثة لدخول قسمين منها تحت قسم واحد ، ومنهم من جعل أقسام النظرية أربعة بحسب انقسام المعلومات.

فإن المعلوم أما أن يفتقر إلى مقارنة المادة الجسمية فى الوجود العينى أولا . ويكون على صورتين:

أولهما : أن لم يتجرد عنها فى الذهن فهو الطبيعى ، وإلا فهو الرياضى.

وثانيهما : أن لم يقارنها البتة كذات الحق سبحانه وأسمائه وصفاته سبحانه فهو الإلهي ، وإلا فهو العلم الكلى.

والحكمة الأولى كالعلم بالوحدة ، والكثرة ، والسبب ، والمسبب ، وأمثالها مما يعرض للمجردات تارة ، والأجسام أخرى ، ولكن بالعرض لا بالذات ، إذ لو افتقر بالذات إلى المادة الجسمية لما أنفكت عنها ، ولما وصفت المجردات بها . ولا منافاة بين التقسيمين كما عرفت فهذه جملة أقسام الحكمة . ومن استكمل نفسه بها فقد أوتى خير كثيرا.

وجائز أن تكون الحكمة هنا الإصابة فى الرأى أو النبوة أو القرآن أو السنة أو العلم ، فإن لفظة الحكمة وردت فى آيات كثيرة فى القرآن بمعنى السنة ، أو بمعنى العلم ، أو بمعنى الإصابة فى الرأى ، أو بمعنى وضع الشىء فى موضعه.

وجائز أن تكون الحكمة بكل تلك المعانى يمنحها الله لمن يشاء فيكون سيد العالمين ، فإنها بكل تلك المعانى منحت لرسول الله تعالى وقد تفضل الله فمنح كل عبد أحبه قسطا منها ، وقد يجمعها سبحانه لأهل الاصطفاء من خاصة خلقه ، فتنطوى الرسالة والنبوة بين جنبيه ، إلا أنه لا يوحى إليه ، ويحاسب يوم القيامة حساب الأنبياء.

"وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا"

معلوم أن الله تعالى قال : "قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ"([41]) ، والمتاع ما يتمتع به الإنسان من ضرورى وكمالي ، فإذا كان متاع الدنيا قليلا ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، فإذا نسبنا الدنيا إلى الحكمة ظهر لنا ما للحكمة عند الله من المكانة العالية التى كانت الدنيا بحذافيرها قليلا فى جانبها ، وإذا كانت الحكمة هى العلم ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا والله يقول : "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"([42]) فتكون الحكمة التى هى خير كثير فى جانب علم الله شيئا قليلا.

فإذا نظر العقل الكامل سجد لله عجزا عن تصور علم الله تعالى ، لأن ما أوتيه الإنسان والملائكة والإنس والجن من العلم قليل بالنسبة لعلم الله تعالى، فسبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفته.

وهنا يجب أن نعلم أن خير ما آتاه الله تعالى فى تلك الدار الدنيا بعد الإيمان به وبنبيه eوبما أنزل سبحانه هو العلم ، الذى بينه لنا بأنه الحكمة.

ومتى منح الله العبد الحكمة جذبته بما كشفت له من الغيب المصون الى العمل بمحاب الله ومراضيه ، وليس للعقل وأن كمل أن يحصر ذلك الخير الكثير الذى أخبرنا الله عنه فى تلك الآية ، ومن منحه الله الحكمة منا وأخبرنا الله أنه آتاه

- "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ"

"الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ"
الشيطان مأخوذ من شاط أو شطن ، وهو الحقيقة التى خلقها الله من النار ، وقدر أن تكون فتنة ابتلى بها الملائكة والإنسان ، وقد حفظ الله من شره الملائكة ، وسلطه على بنى الإنسان ، ولكن لم يجعل له سلطانا على من اجتباهم واصطفاهم.

قال سبحانه : "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ"([36]) وقال تعالى : "إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"([37]) وقد أخبرنا الله تعالى عنه بقوله سبحانه : "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ"([38]) .

حكمة الله فى إيجاد الشيطان لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم ، وقد بين الله تعالى لنا فى هذه الآية أنه عدو للإنسان من أول نشأته ، والواجب علينا أن نتحفظ منه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ، ومنفذه الذى يدخل منه النفس الأمارة بالسوء التى هى من النار ، وأبوابها التى تفتح له هى الطمع والحسد والحرص ، وهى أصول الكبائر فدخل على آدم عليه السلام من باب الطمع فى الخلود فى الجنة ، ودخل على قابيل من باب الحرص ، ودخل على العلماء الدنيا وجهلة النساك من باب الحسد ، أعاذنا الله من شره ومن شر أنفسنا الأمارة بالسوء.

"يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ"

خلق الله الإنسان من قوى متضادة قابلة للتزكية وللتردية ، قال تعالى : "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا"([39]) فهو مفطور على الشر حتى تتبين له الفضائل الإسلامية بالحجة التى يهتدى به إلى صراط الله المستقيم فى أهم شئون حياته ، وهو المال الذى هو بمنزلة الروح عند الإنسان ، ولذلك كان للإنسان بالمال منفذ ينفذ منه الشيطان إلى قلبه فيحفظ الله الإنسان من وسوسة الشيطان فى هذا الشأن لقوله تعالى : "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ" أى يعدكم على نفقتك الفقر فيقول لكم: أن أنفقتم تلك النفقة نقص ما لكم فاحتجتم إلى الناس ، وفى ذلك ما فيه من الشك ومن سوء الظن بالله ومن فقط التوكل على الله ، وفيه دليل على ضعف الإيمان ، فإن القلب الذى يتأثر بوسوسة الشيطان بعد خبر الله تعالى خلو من نور الإيمان.

"وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ" الفحشاء فى سياق هذه الآية هو الشح والبخل . والبخل هو أن ينفق الإنسان ماله على زوجته وأولاده ويبخل على غيرهم ، والشح هو أن يحبس المال فلا ينفقه على نفسه ولا على أولاده ، وأن كانت الفحشاء فى غير سياق هذه الآية معناها الزنا وفعل قوم لوط . وجائز أن تكون الفحشاء كل ما فحش عقلا وشرعا.

"وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا"

أى والله يعدكم على النفقة فريضة كانت أو نافلة ، مغفرة لذنوبكم ووسعة لأرزاقكم من حيث لا تعلمون ، لأن الفضل الذى يعدنا الله به يتفضل به علينا من غير أن يكون لنا عمل نستحقه به ، فقد بارك فى تجارتنا وزراعتنا وصناعتنا وفى عافيتنا ، وفى أولادنا من حيث لا نعلم ذلك . قال تعالى : "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"([40]).

"وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"

يعنى يتفضل على من يشاء ممن وفقهم للنفقة بواسع فضله ، الذى لو شاء أن يعطى كل إنسان بمفرده قدر الأرض ملكا ، وقدر أوراق الأشجار خيرا، ما نقص من خزائنه شئ ، فإنه يعطى بقدر وسعته سبحانه لمن لا يستحق خردلة ، فإنه جل جلاله منح الإنسان فى جسمه من الخيرات والنعم التى لا تحصى.

أنظر إلى الشرايين والعروق وإلى كثرتها ، وإلى أنه سبحانه سكنها سليمة نافعة ، ولو حرك شريانا صغيرا لآلم الجسم كله ، بل وخلق له السموات والأرض وما فيها مسخرة له ، فالإنسان ينسى هذا الفضل ، ويغفل عن تلك النعم ، ويتهاون فى شكر الله على نعمة ويبخل بنعمته على عباده ، والله تعالى حليم صبور لا يعجل النقمة للعبد.

"عليم" أى يعلم أسرار القلوب وعلانية الشخص فلا يخفى عليه شئ فى السموات ولا فى الأرض ، ولا فى الأجواء والأرجاء ، فإذا وفق العبد للخير كان ذلك من فضله ، ثم يتفضل بفضل على فضل فيجازيه بالخير وهو الموفق المعين.

وإذا أضل الله العبد فجعل المال الهه المعبود وسلب منه التوفيق والعناية فبخل به على مستحقيه ، أو اغتصب حقوق غيره حلم عليه سبحانه وصبر ، فأما أن يلهمه التوبة والرجوع إلى الله فيغفر له ويتفضل عليه سبحانه ، وأما أن يستدرجه فتقوى محبته فى المال ، وبذلك يبغض أن ينفقه لمن يستحقه ، ولمن لا يستحقه ، فتصيبه المصائب من حيث لا يعلم.

أسأل الله أن يعيننا على ما يحبه بما أعطانا من النعم من مال وعافية وأولاد ، وأن يحفظنا من أن نستعمل نعمه علينا فيما يكره.

- ثـلة الحق

إخوانى وأحبابى بارك الله عزوجل فيكم أجمعين:
حبيب الله ورسوله وصفى الله ونبيه ظهر فى الدنيا فى زمان عمت فيه الظلمات وانتشرت فيه الجهالات وطمَّ فيه الفساد فى كل الأنحاء والجهات، فاستطاع بهمته العالية وروحه الراقية وأخلاقه السامية أن يغير حال العالم كله فى أوقات قصيرة نعلمها جميعاً وقرأناها وسمعناها فى كتب السيرة!
وأسرار هذا التتغيير أعجزت فطاحل العلماء وكبار المؤرخين والفلاسفة والاجتماعيين ... فى كيف حدث هذا الزلزال الربانى العنيف الذى غيَّر الكون كله فى هذا الوقت اليسير؟!
ولم يكن هذا الحدث فلتة فى الزمان لا يتكرر ولا يحدث مرة أخرى، لكن جعله الله عزوجل ممكناً لأى ثلة مباركة يتعلقوا بهذه الذات الشريفة ويتخلقوا بأخلاقها ويتأسوا بفعالها ويقتدوا بهديها وتكون لهم أرواح عالية وهمم راقية، لا يريدون الدنيا الدنية ولا الشهوات الخفية أو الجلية بل تكون كل همتهم إرضاء ذات الله عزوجل فى كل حال وفى كل نفَس وفى كل عمل.
لو وجدت هذه الثلة فى كل زمان ومكان فإن الله عزوجل يصنع لهم ويفعل بهم كما فعل مع النبى العدنان صلى الله عليه وسلم:
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ)
[29 الفتح]
فى أى زمان وفى أى مكان، لم يخصص حضرة الرحمن فى القرآن عن هذه الثلة زمان أو مكان: (وَالَّذِينَ مَعَهُ )أين كانوا وكيف كانوا، فى أى أرض من أرض الله كانوا وفى أى زمان من أزمنة الدنيا بانوا جعل الله عزوجل على أيديهم هذا الإنعام وهذا الإكرام، بل زاد الله عزوجل وجعل هذا الأمر وعداً على ذاته:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )ومنكم أى من الأمة فى أى زمان، ما هو الوعد؟ [55 النور]
) لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ )وعد لا يتخلف لأن الله عزوجل لا يخلف الميعاد، يخلف الوعيد لرحمته وحنانته وعطفه وشفقته، لكنه لا يخلف الوعد، إذا وعد وفَّى، وإذا أوعد يخلف لحنانته ومغفرته وعفوه ورأفته وهذا من عظيم صفات العظيم عزوجل.
هذه الثلة المباركة جعل الله عزوجل مسرحها هذا الكون، والقائمين بالأدوار فيها ينفذون مسرحية:
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ)
[29 الفتح]
منهم من يمثل دور الصِدّيق ومنهم من يمثل دور الفاروق ومنهم من يقوم بدور ذى النورين ومنهم من يقوم بدور باب مدينة العلم ومنهم من يقوم بدور سعد بن أبى وقاص ومنهم من يقوم بدور مصعب بن الزبير.
الثلة المباركة لا يخلو منها زمان ولا مكان، والمسرحية فصولها لا تنتهى إلى أن يرث الله عزوجل الأرض ومن عليها، كم عدد الممثلين فى هذه المسرحية؟
مثل العدد الذى وضعه المخرج فى الأولية:
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ)
كم كان عدد أفراد المسرحية الذين كانوا معه؟
كان عددهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً، كل واحد له دور:
(وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ )[164 الصافات]
فكل واحد له دور متقن، هذا الدور لأنهم أخلصوا وصدقوا تسمت الأدوار بأسمائهم، وإن كانت تسطع الأضواء على من يقومون بأداء أدوارهم وتنفح الأسرار قلوب من يقومون كهيئاتهم إلى أن يرث الله عزوجل الأرض ومن عليها.
فالدور الأول ثابت للحبيب صلى الله عليه وسلم، والدور الثانى نسميه الصدّيق والدور الثالث نسميه الفاروق ... وهكذا، فالأدوار لا تنتهى من الكون إلى يوم القرار، إذا نزل الستار وانتهت مسرحية النبى المختار فى هذه الدار كان هذا بداية نهاية العالم وعلامة القيامة التى أنبأنا بها الواحد القهار عزوجل.
إذا انتهى العقد على من يؤدى دوراً فوراً يكون قد تم تجديد العقد أو عقد جديد لمن يؤدى هذا الدور من العبيد، هل توجد مسرحية تتم فى ليلة مع نقص ممثل؟!
لا، فلابد أن يكون كل الفريق جاهز وتكون جميع الأدوار موجود من يؤديها، ولابد أن يحسن الأداء، والمخرج أشرف عليه، وصادف التقرير الذى يؤديه عنه أنه صالح لأداء هذا الدور.
منفول من كتاب نسمات القرب
لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد
---------------------------------
حمل الكتاب مجانا

الأربعاء، 24 أغسطس 2016

- ما حقيقة الكشف فى الاسلام

إن مكاشفات المؤمن بالغيب وار فى الكتاب والسنة
والكشف نور يحصل للسالكين في سيرهم إِلى الله تعالى ؛ يكشف لهم حجاب الحس، ويزيل دونهم أسباب المادة نتيجة لما يأخذون به أنفسهم من مجاهدة وخلوة وذكر [قال حجة الإِسلام الغزالي رحمه الله تعالى: (إِن جلاء القلب وإِبصاره يحصل بالذكر، وإِنه لا يتمكن منه إِلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى). "إِحياء علوم الدين" للغزالي ج3. ص11]. فتنعكس أبصارهم في بصائرهم، فينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطَّلعون على عوالمَ من أمر الله اطلاعاً لا يستطيعه مَنْ لا يزال في قيد الشهوات والشكوك والبدع العقائدية والوساوس الشيطانية، ولا تتسع له إِلا تلك القلوب النيّرة السليمة التي زالت عنها ظلمات الدنيا وغواشيها، وانقشعت عنها غيوم الشكوك ووساوسها، وكثافةُ الماديات وأوضارها.

وقال العارف بالله ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الفراسة هي خاطر يهجم على القلب، أو وارد يتجلى فيه، لا يخطىء غالباً إِذا صفا القلب، وفي الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن، فإِنه ينظر بنور الله" [رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في كتاب التفسير]. وهي على حسب قوة القرب والمعرفة، فكلما قوي القرب، وتمكنت المعرفة صدقت الفراسة، لأن الروح إِذا قربت من حضرة الحق لا يتجلى فيها غالباً إِلا الحق ["معراج التشوف" ص18].



نعم إِنَّ من غض بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وعمَّر باطنه بمراقبة الله تعالى، وتعوَّد أكل الحلال لم يخطىء كشفه وفراسته، ومن أطلق نظره إِلى المحرمات تنفست نفسه الظلمانية في مرآة قلبه فطمست نورها.

ويرجع هذا الكشف إِلى أن العبد إِذا انصرف عن الحس الظاهر إِلى الحس الباطن تغلبت روحه على نفسه الحيوانية المتلبسة ببدنه ـ والروح لطيفة كشَّافة ـ فيحصل له حينئذ الكشف، ويتلقى واردات الإِلهام.

يقول المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى فيما نحن بصدده: (ثم إِن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالباً كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إِدراكُ شيء منها ؛ والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أن الروح إِذا رجع عن الحس الظاهر إِلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغَلَب سلطانه، وتجدد نُشُوؤهُ. وأعان مع ذلك الذكر ؛ فإِنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزايد إِلى أن يصير شهوداً، بعد أن كان عِلماً، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإِلهي.. إِلى أن قال: وهذا الكشف كثيراً ما يَعرِض لأهل المجاهدة ؛ فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم.. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على مثل هذه المجاهدة، وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ، لكنهم لم يقع لهم بها عناية. وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها، وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت الرسالة القشيرية على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم) ["مقدمة ابن خلدون" ص329].

وهذا الكشف وراثة محمدية صادقة، وَرِثَها أصحابه رضي الله عنهم، بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم.

[الكشف لدى ابن القيم]
يقول ابن القيم عن الكشف في كتابه (مدارج السالكين) ج 3 ص178:
(إذا بلغ العبد مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وأحست روحه بالقرب الخاص الذي ليس هو كقرب المحسوس من المحسوس، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه ـ فإنه حجاب نفسه ـ وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته، أفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب، فصار يعبده كأنه يراه، فإذا تحقق بذلك وارتفع حجاب النفس وانقشع عنه ضبابها ودخانها، وكشطت عنه سحبها وغيومها، فهناك يقال له :
بدا لك سر طال عنك اكتتامــــــه ولاح صباح كنت أنت ظلامـــــــه
فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليك ختامــــــــه
فإن غبت عنه حل فيه وطنبـــــت على منكب الكشف المصون خيامه)
وقال في ص 181:
(الكشف الصحيح أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له، فيدور معه وجودا وعدما، هذا هو التحقيق الصحيح، وما خالفه فغرور قبيح».
وهناك كشف جزئي رحماني قد يحصل لمن وصل إلى درجة الإحسان أي الذي يعبد الله كأنه يراه )

ويقول ابن القيم في ص 183 :
(والكشف الرحماني من هذا النوع، هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي الله عنها أن امرأته حامل بأنثى، وكشف عمر لما قال: يا سارية الجبل، وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن.
والمقصود أن مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمر وراء ذلك، وأفضله وأجله أن يكشف للسالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها، وعن عيوب نفسه ليصلحها، وعن ذنوبه ليتوب عنها.
فما أكرم الله الصادقين بكرامة أعظم من هذا الكشف، وجعلهم منقادين له، عاملين بمقتضاه، فإذا انضم هذا الكشف إلى كشف تلك الحجب المتقدمة عن قلوبهم سارت القلوب إلى ربها سيرالغيث إذا استدبرته الريح).

وقال أيضاً :
(الفراسة ثلاثة أنواع : النوع الأول الفراسة الإيمانية :
وسببها :نور يقذفه الله في قلب عبده .يفرق به بين الحق والباطل ,والحالي والعاطل والصادق والكاذب
وحقيقتها :أنها خاطر يهجم على القلب ينفي مايضاده.يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة .لكن الفريسة بمعنى فعيلة أي مفعولة .وبناء الفراسة كبناء الولاية والإمارة والسياسة.
وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان .فمن كان أقوى إيمان فهو أحدُّ فراسة ).
وقال :
(وكان الصديق أفرس الأمة وبعده الفاروق فإنه ما قال على شيء أظنه كذا إلا وقع كما قال ,كما في قصته عندما مر عليه سواد بن قارب فقال له بما معناه لقد أخطأ ظني أو أن هذا كاهن .. فقال سواد (صدقت يا أمير المؤمنين كنت كاهنا في الجاهلية .)

وقال أيضاً عن كشف شيخه ابن تيمية كلاماً عجيباً لو قاله أحد مشايخنا الصوفية لحكم السلفية عليه بالكفر البواح بلا تردد فما بالهم وشيخهم ابن القيم يقوله وهم لايكفرونه ولايبدعونه ؟؟
ولماذا الكيل بمكيالين ؟؟
قال رحمه الله :
(ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة ..أخبر أصحابه بدخول التتار الشام (سنة 699)وأن جيوش المسلمين تكسر ,وأن دمشق لايكون بها قتل عام ولاسبي عام ,وأن كلَب الجيش وحدته في الأموال :وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة .
ثم أخبر الناس والأمراء (سنة702)لما تحرك التتار وقصدوا الشام :أن الدائرة والهزيمة عليهم ,وأن الظفر والنصر للمسلمين .وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا .فيقال له :قل إن شاء الله .فيقول (إن شاء الله تحقيقا لاتعليقا )وسمعته يقول ذلك ,قال :فلما أكثروا علي .قلت :لاتكثروا .كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ :أنهم مهزومون في هذه الكرة .وأن النصر لجيوش الإسلام .قال :وأطعمت بعض الأمراء حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو.)
(مدارج السالكين ج2ص192)

[الكشف عند ابن تيمية]
وأما ابن تيمية فيعتبر(الكشف) من جنس خوارق العادات، وطريقا لمعرفة بعض الأمور الغيبية أو حوادث مستقبلية،
جاء في مجموع الفتاوى ج 4 ص 253 ما نصه:
«سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة» الحديث.
فإذا كان الهم سرا بين العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة عليه ؟
فأجاب :
(الحمد لله : قد روي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة، قال: إنه إذا هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة، وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة.
والتحقيق : أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما في نفس العبد كيف شاء، كما هو قادر على أن يطلع بعض البشر على ما في الإنسان.
فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يعلم به أحيانا ما في قلب الإنسان فالملك الموكل بالعبد أولى بأن يعرفه الله ذلك).

وقال ابن تيمية أيضا :
«خوارق العادات إما مكاشفة، وهي من جنس العلم الخارق، وإما تصرف وهي من جنس القدرة الخارقة».
ـ مجموع الفتاوى لابن تيمية، المجلد العاشر ص 548، ومثله في العقيدة الواسطية .

الكشف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وقبل أن نذكر شيئاً عن هؤلاء المورثين من الصحابة ومَنْ بعدهم، نذكر نوعاً من كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي منحه الله إِياه، على أن الكشف له عليه الصلاة والسلام معجزة، وللصحابة والأولياء من بعده كرامة، وكلُّ كرامة لولي معجزةٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم.

عن أنس رضي الله عنه قال: أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإِني أراكم من وراء ظهري" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب أبواب الجماعة، ومسلم في كتاب الصلاة].

ولما كان الكشف بعيداً عن عالم الحس، وينمحي أمامه المقياس الزماني والمكاني، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يستوي عنده في الرؤية القرب والبعد:

يقول أنس رضي الله عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً، وجعفراً وابن رواحة، ورفع الراية إِلى زيد، فأُصيبوا جميعاً، فنعَاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الناس قبل أن يجيءَ الخبر، فقال: "أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب، وإِن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة، فَفُتِح له" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز وكتاب المناقب]. قاله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة مؤتة.

الكشف في القرآن الكريم:

قال الله تعالى في حق إِبراهيم خليل الله عليه السلام: {وكذلِكَ نُري إبراهيمَ مَلكُوتَ السمواتِ والأرضِ ولِيَكُونَ مِنَ الموقنينَ} [الأنعام: 75].

وكذلك ما أخبر الله عز وجل عن الخضر عليه السلام، حين صحب موسى عليه السلام في المسائل الثلاثة:

الأولى: انكشف للخضر أن السفينة التي ركبها مجاناً في طريقهم عبر البحر، سيأخذها ملك غاشم ظلماً، فخرقها ليعيبها ولينقذها من شر ذلك الغاصب مكافأة للمعروف بالمعروف: {أمَّا السفينَةُ فكانتْ لمساكينَ يعمَلُونَ في البحر فأردْتُ أنْ أعيبَها وكانَ وراءهم مَلِكٌ يأخُذ كلَّ سفينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79].

الثانية: كُشف له عن الغلام ؛ إِن بقي حياً فسيقتل أبويه في كبره، ويوقعهما في الكفر، فقتله رحمة بأبويه المؤمنيْن، واستجابة لإِرادة الله تعالى بإِبداله بخير منه زكاةً ورحمة: {وأمّا الغلامُ فكانَ أبواهُ مؤمنينِ فخشينا أنْ يُرهِقَهما طُغياناً وكُفراً . فأردنا أن يُبدِلَهُما رَبُّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رُحْماً} [الكهف: 80ـ81].

الثالثة: كشف له الكنز الذي تحت الجدار، وكان لغلامين يتيمن من أب صالح، فأقام الجدار حفظاً للكنز، ورحمةً للغلامين، ومحبةً لأبيهما الصالح، بلا أجر وبلا مقابل، مروءةً وإِخلاصاً: {وأمّا الجدارُ فكانَ لغُلامينِ يتيمينِ في المدينة وكان تحتهُ كنزٌ لهما وكانَ أبوهما صالحاً فأرادَ ربُّكَ أنْ يبْلُغا أشُدَّهما ويَسْتَخرِجا كنْزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82].


الكشف عند الصحابة رضوان الله عليهم أجميعن:

الكشف عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

وهو الذي شهد الله له بالصدِّيقية بقوله: { والذي جاء بالصِّدْقِ [رسول الله صلى الله عليه وسلم] وصَدَّقَ بِهِ [أبو بكر رضي الله عنه]}. وإِني أذكر واقعة واحدة من كثير، تكشف لنا الغطاء عن ذلك، ومن أين لإِنسانٍ أن يحصيَ مآثِرَ أبي بكر رضي الله عنه.

عن عروة عن أبيه رضي الله عنهما، عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر لما حضرته الوفاة، دعاها فقال: إِنه ليس في أهلي بعدي أحد أحب إِليَّ غنى منك، ولا أعز علي فقراً منك وإِني كنت نحلتك [النَّحلة: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق كذا في غريب الحديث لابن الأثير ج4 ص139] من أرض بالعالية جَدادَ [الجداد: قال ابن الأثير: الجداد بالفتح والكسر: صرام النخل وهو قطع ثمرتها يقال جد الثمرة يجدها جداً ج1. ص173] ـ يعني: صرام ـ عشرين وسقاً [الوسق: قال في القاموس: ستون صاعاً أو حمل بعير، وأوسق البعير حمله حملاً]، فلو كنتِ جددْتِهِ تمراً عاماً واحداً انحازَ لك، وإِنما هو مال الوارث، وإِنما هما أخواك وأختاك. فقلتُ: إِنما هي أسماء، فقال: وذاتُ بطنِ ابنةِ خارجة، قد أُلقي في روُعي أنها جاريةٌ فاستوصي بها خيراً، فولدت أُمَّ كلثوم [أخرجه ابن سعد في الطبقات، ذكر وصية أبي بكر. ج3. ص195].

قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (وفيه كرامتان لأبي بكر رضي الله عنه:

إِحداهما: إِخبارُه أنه يموت في ذلك المرض، حيث قال: وإِنما هو اليوم مالُ وارث.

والثانية: إِخبارُه بمولود يولد له، وهو جارية. والسر في إِظهار ذلك استطابة قلب عائشة رضي الله عنها في استرجاع ما وهبه لها ولم تقبضْه، وإِعلامها بمقدار ما يخصها، لتكون على ثقة، فأخبرها بأنه مال وارث، وأنَّ معها أخوين وأختين ["حجة الله على العالمين" للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ص860].

الكشف عند عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضي الله عنه:

وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الملهَمين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد كان فيمَنْ قبلكم من الأمم ناس مُحدَّثون، فإِن يكُ في أمتي أحدٌ فإِنه عمر" [رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة].

فإِن أمته عليه الصلاة والسلام أفضلُ الأمم، وإِذا ثبت أنهم وُجدوا في غيرها فوجودهم فيها أولى، وإِنما أورده مورد التأكيد، كقول القائل: إِن كان لي صديق ففلان. يريد اختصاص كمال الصداقة لا نفيها عن غيره. والمحدَّث: هو الملهَمُ الصادق الظن، وهو مَنْ أُوقِعَ في قلبه شيءٌ من قِبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيرُه.

قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (كان عمر رضي الله عنه قد أمَّرَ سارية بن زنيم الخلجي على جيش من جيوش المسلمين، وجهزه على بلاد فارس، فاشتد على عسكره الحال على باب نهوند وهو يحاصرها، وكثرت جموع الأعداء، وكاد المسلمون ينهزمون، وعمر رضي الله عنه بالمدينة، فصعد المنبر وخطب، ثم استغاث في أثناء خطبته بأعلى صوته: [يا سارية! الجبل. من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم] [قال العجلوني: وإِسناده كما قال الحافظ ابن حجر حديث حسن ج2. ص380]. فأسمع الله تعالى سارية وجيشه أجمعين، وهم على باب نهاوند صوتَ عمر، فلجؤوا إِلى الجبل، وقالوا هذا صوت أمير المؤمنين، فنجوا وانتصروا).

وقال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (لم يقصد إِظهار الكرامة، وإِنما كُشِف له، ورأى القوم عياناً، وكان كمن هو بين أظهرهم حقيقة، وغاب عن مجلسه بالمدينة واشتغلت حواسه بما دهم المسلمين، فخاطب أميرهم خطاب مَنْ هو معه) ["حجة الله على العالمين" للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ص860]. ففي هذه القصة شيئان:

الأول: الكشف الصحيح والرؤية العيانية على بعد آلاف الأميال، وأين (التلفزيون) في مثل هذه القصة الواقعة قبل أربعة عشر قرناً ؟

الثاني: إِبلاغ صوته ساريةَ على هذا البعد الشاسع.

ورأى عمر رضي الله عنه قوماً من مذحج فيهم الأشتر فصعَّد النظر فيه وصوَّب ثم قال: (قاتله الله إِني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً فكان منه ما كان) ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي ج1. ص143].

وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: (إِنْ كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكْذِبُه الكِذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتُك حق إِلا ما أمرتني أن أحبسه) ["تاريخ الخلفاء" للعلامة جلال الدين السيوطي ص127ـ128].

وأخرج عن الحسن قال: (إِن كان أحد يعرف الكذب إِذا حُدّث فهو عمر بن الخطاب) ["تاريخ الخلفاء" للعلامة جلال الدين السيوطي ص127ـ128].

وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدية الحمصي قال: (أُخبِر عمر بأن أهل العراق حَصبَوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إِنهم قد لبَّسوا عليّ فالبس عليهم، وعجِّلْ عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية ؛ لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم).

قلت: أشار به إِلى الحجاج. قال ابن لهيعة: وما وُلِدَ الحجاج يومئذ ["تاريخ الخلفاء" للعلامة جلال الدين السيوطي ص127ـ128].

الكشف عند عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه:

ذكر التاج السبكي رحمه الله تعالى في الطبقات وغيره: (أنه دخل على عثمان رضي الله عنه رجل، كان قد لقي امرأة في الطريق، فتأملها، فقال له عثمان رضي الله عنه: يدخل أحدكم، وفي عينيه أثر الزنا ؟ فقال الرجل: أوحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن). وإِنما أظهر عثمان هذا تأديباً للرجل، وزجراً له عن شيءٍ فعله ["حجة الله على العالمين" للنبهاني ص862].

الكشف عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، ولما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه قال له: "أنت أخي" [أخرجه الترمذي في كتاب المناقب عن ابن عمر، وقال: حسن غريب]. وقال له أيضاً: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟" [رواه البخاري في المغازي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه].

عن الأصبغ رحمه الله تعالى قال: أتينا مع عليّ فمررْنا بموضع قبر الحسين، فقال علي: (ههنا مناخ ركابهم، وههنا موضع رحالهم، وههنا مهراق دمائهم. فتية من آل محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون بهذه العَرْصة، تبكي عليهم السماء والأرض) ["الرياض النضرة في مناقب العشرة" للمحب الطبري ج2. ص295].

وقال علي رضي الله عنه لأهل الكوفة: (سينزل بكم أهلُ بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيستغيثون بكم فلم يغاثوا) فكان منهم في شأن الحسين ما كان ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي ج1. ص143].

ولو أردنا أن نستقصي تراجم الصحابة الكرام رضي الله عنهم في كشفهم وفراستهم، لخرجنا عن موضوعنا في رسالتنا هذه.

كشف العارفين:

روي عن الإِمام الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى: (أنهما كانا بِفِناء الكعبة، ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجاراً، وقال الآخر: بل حداداً، فتبادر من حضر إِلى الرجل فسأله فقال: كنت نجاراً وأنا اليوم حداد) ["تفسير القرطبي" ج10. ص44].

وعن أبي سعيد الخراز رحمه الله تعالى قال: (دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيراً عليه خرقتان، فقلت في نفسي: هذا وأشباهه كَلٍّ على الناس ؛ فناداني وقال: {واعلموا أنَّ اللهَ يعلَمُ ما في أنْفُسِكُم فاحذَروهُ} [البقرة: 235]. فاستغفرْتُ الله في سرِّي، فناداني وقال: {وهوَ الذي يَقْبَلُ التوبَةَ عن عبادِهِ} [الشورى: 25]. ثم غاب عني، ولم أره) ["الإِحياء" للغزالي ج3 ص21].

ومثل هذا وقع لغيره. يقول خير النسَّاج رحمه الله تعالى: (كنت جالساً في بيتي، فوقع لي أن الجنيد بالباب، فنفيت عن قلبي ذلك، فوقع ثانياً وثالثاً، فخرجت، فإِذا الجنيد، فقال: لِمَ لم تخرج مع الخاطر الأول ؟) ["الرسالة القشيرية" ص110].

وحُكي عن إِبراهيم الخوّاص رحمه الله تعالى قال: (كنت في بغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة، حسن الحرمة حسن الوجه، فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهودي، فكلهم كرهوا ذلك، فخرجت وخرج الشاب، ثم رجع إِليهم وقال: إِيش قال الشيخ ؟ فاحتشموه، فألح عليهم فقالوا: قال: إِنك يهودي. قال: فجاءني، وأكبَّ على يدي وأسلم، فقيل: ما السبب ؟ قال نجد في كتبنا أن الصدّيق لا تخطىء فراسته فقلتُ: أمتحنُ المسلمين، فتأملتهم فقلت: إِن كان فيهم صدّيق، ففي هذه الطائفة لأنهم يقولون حديثه سبحانه، فلبَّستُ عليهم، فلما اطّلع عليَّ وتفرَّس فيَّ علمتُ أنه صدّيق، وصار الشاب من كبار الصوفية) ["الرسالة القشيرية" ص110].

ولا عجب في ذلك فقد أخبر عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إِن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم" [رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك. وإِسناده حسن، كما في مجمع الزوائد ج10 ص268].

ووقف نصراني على الجنيد رحمه الله تعالى، وهو يتكلم في الجامع على الناس، فقال: أيها الشيخ! ما معنى حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" [رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري. في كتاب التفسير]. فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه وقال: أسلمْ فقد جاء وقت إِسلامك، فأسلم الغلام ["الفتاوى الحديثية" لابن حجر الهيثمي ص229].

وحديث الفراسة أصل في الكشف الذي يقع لكثير من الأولياء، تجد الواحد منهم يكاشف الشخص بما حصل له في غيبته، كأنه حاضر معه. وهي فتنة في حق مَنْ لم يتخلق بأخلاق الرحمن.

وقد يكون الكشف عن أصحاب القبور منعَّمين أو معذَّبين:

قال العلامة عبد الرؤوف المناوي رحمه الله تعالى عند شرحه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن لا تَدافَنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة ومتعة نعيمها، والنسائي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه]. وإِنما أَحبَّ إِسماعهم عذاب القبر دون غيره من الأهوال لأنه أول المنازل. وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومَنْ كُوشف بما لا يطيقه هلك.

تنبيه: قال بعض الصوفية: (والاطلاع على المعذَّبين والمنعَّمين في قبورهم واقع لكثير من الرجال، وهو هول عظيم، يموت صاحبه في اليوم والليلة موتات، ويستغيث ويسأل الله أن يحجبه عنه، وهذا المقام لا يحصل للعبد إِلا بعد غلبة روحانيته على جسمانيته، حتى يكون كالروحانيين. فالذين خاطبهم الشارع هنا هم الذين غلبت جسمانيتهم لا من غلبت روحانيتهم، والمصطفى صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بما يليق بهم) ["فيض القدير، شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي ج5. ص342].

وما حكي من فراسة المشايخ وإِخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر، إِلا أن الجاحد لا تفيده هذه الشواهد والأخبار مما ذكرناه من النقول الصحيحة عن الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم ؛ مادام لا يؤمن إِلا بالمادة ولا يصدِّق ما وراءها.

قال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: (اعلم أن المرء إِذا صفا قلبه صار ينظر بنور الله، فلا يقع بصره على كدرٍ أو صافٍ إِلا عرفه. ثم تختلف المقامات، فمنهم من يعرف أن هناك كدراً ولا يدري ما أصله، ومنهم من يكون أعلى من هذا المقام فيدري أصله، كما اتفق لعثمان رضي الله عنه، فإِنَّ تأمُّل الرجل للمرأة أورثه كدراً فأبصره عثمان، وفهم سببه.

وهنا دقيقة: وهي أن كل معصية لها كدر، وتُورِث نكتة سوداء في القلب فيكون رَيْناً، كما قال تعالى: {كلا بلْ رانَ على قُلُوبِهِمْ ما كانوا يًكْسِبُونَ} [المطففين: 14]. إِلى أن يستحكم والعياذ بالله، فيظلم القلب وتغلق أبواب النور فيُطْبَع عليه، فلا يبقى سبيل إِلى التوبة. كما قال تعالى: {وَطُبِعَ على قلوبِهِمْ فَهُمْ لا يفقَهُونَ} [التوبة: 87].

إِذا عرفتَ هذا ؛ فالصغيرة من المعاصي تورث كدراً صغيراً بقدرها قريب المحو بالاستغفارِ وغيره من المكفرات. ولا يدركه إِلا ذو بصر حادٌّ كعثمان رضي الله عنه، حيث أدرك هذا الكدر اليسير، فإِنَّ تأمُّل المرأة والنظر إِليها أدركه عثمان وعرف أصله [قال العلامة الألوسي في كتابه "روح المعاني" عند قوله تعالى: {قل للمُؤمِنينَ يغُضُّوا مِنْ أبضارِهِم} [النور: 30]: (ثم إِن غض البصر عما يحرم النظر إِليه واجب، ونظرة الفجأة ـ لاتَعَمَّد فيها ـ معفو عنها. فقد أخرج أبو داود، والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُتْبِع النظرة النظرة، فإِن لك الأولى وليست لك الآخرة" تفسير روح المعاني للعلامة الألوسي ج18. ص125. وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عين زانية". رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات. وعن علقمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "زنا العينين النظر". رواه الطبراني. الحديثان في مجمع الزوائد. ج6. ص256. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني عن ربه عز وجل: "النظرة سهم مسموم من سهام إِبليس، مَنْ تركها مِنْ مخافتي أبدلته إِيماناً يجد حلاوته في قلبه". رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة وقال: صحيح الإِسناد. وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَتغضُّن أبصاركم ولَتحفظُن فروجكم، أو ليكسفَن الله وجوهكم". رواه الطبراني. وعنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم ينظر إِلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إِلا أحدث له الله عبادة يجد حلاوتها في قلبه". رواه الإِمام أحمد. في الترغيب والترهيب ج3. ص34ـ36]. وهذا مقام عالٍ يخضع له كثير من المقامات.



وإِذا انضم إِلى الصغيرة صغيرة أخرى ازداد الكدر، وإِذا تكاثرت الذنوب حتى وصلت ـ والعياذ بالله ـ إِلى ما وصفناه من ظلام القلوب صار بحيث يشاهده كل ذي بصر، فمن رأى متضمخاً بالمعاصي قد أظلم قلبه ؛ ولم يتفرس فيه ذلك فليعلم أنه إِنما لم يبصره لما عنده من العمى المانع للأبصار، وإلا فلو كان بصيراً لأبصر هذا الظلام الداجي، فبقدر بصره يبصر، فافهم ما نتحفك به) ["حجة الله على العالمين" للنبهاني البيروتي ص862].

فالفراسة أمر جائز الوقوع، وهي منحة إِلهية يكرم الله بها عباده الصالحين الذين تمسكوا بدينهم، وحفظوا جوارحهم، وصقلوا قلوبهم، وهذبوا نفوسهم.

قال المناوي في شرح الجامع الصغير عند قوله عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ لكل قوم فراسة، وإِنما يعرفها الأشراف": (قاعدة الفراسة وأسُّها: الغض عن المحارم، قال الكرماني: من عمّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوم المراقبة، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المخالفات، واعتاد أكل الحلال لم تخطىء فراسته ابداً. اهـ فمن وُفِّق لذلك أبصر الحقائق عياناً بقلبه) ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" للمناوي ج2. ص515].

وعلى كلٍ فالقلوب تختلف باختلاف صقلها وتنظيفها من أدران الذنوب المظلمة، فهي كالزجاج كلما صقل ازداد ثمنه، وكشف الجراثيم التي لا ترى. فأين زجاج النافذة من زجاج المجهر الذي يكشف الجراثيم الدقيقة ؟ وكما لا يقاس زجاج النافذة بزجاج المجهر، كذلك لا تقاس القلوب الصافية المصقولة بالقلوب المكدرة المظلمة، ولا تقاس الملائكة بالشياطين.

فمن جدَّ وجد، ومن سار على الطريق وصل، ومن أتقن المقدمة وصل إِلى النتيجة، والبدايات تدل على النهايات.
جاري التحميل...