آخر الأخبار
موضوعات

الجمعة، 2 مايو 2014

- نتائج مجلس العلم

- نتائج مجلس العلم
أمرنا ربنا أن نطلب المعرفة التي أدى أمانتها رسول الله r لأصحابه في البدء لتصل  إلينا جيلا بعد جيل كاملة محفوظة لا نقص فيها ولا خلل، فذكرها ربنا بقوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم..} ولا يخشعُ قلب عن ذكر المذكور إلا إذا كان عارفا بعظمة المذكور على قدره هو لا على قدر المذكور إذ لا يدرك كنه عظمة المذكور سبحانه إلا هو {..وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } (الأنفال:2)، وهذه هي مراحل التكليف العرفاني الثلاثة :

(1)  ذكر الله : إذا ذكرَ الله وجلت القلوب من خوف المقام.

(2)  تلاوة الآيات : وهى تشمل : تلاوة الآيات في المصحف، وتلاوة الآيات في الآفاق،    وتلاوة الآيات في الأنفس، وهناك آيات بعد ذلك لا تباح ولا تلوح إلا لمن صفا ووفا          وتأدب بآداب أهل الإصطفا وووجه بالجمال.

(3)  زيادة الإيمان: ومعنى هذا أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لأن الطاعة نور على الصراط الموصل، أما المعصية فظلمة تحجب السالك عن طريق ربه وهي لهذا تسبب إنقاص الإيمان في قلب كل إنسان يتعرض لكل ذلك، لهذا ذكر سبحانه الإيمان كثيرا وذكر أيضا المحبة الناتجة عن الإيمان الناتج عن المعرفة فقال { والذين ءامنوا أشد حبا لله } (البقرة:165) فهناك : حب شديد وحب أشد، فنحن نحب الآباء والأبناء والأزواج ومتاع الدنيا الذي من حلال، ولكن لا بد أن نحب الله ورسوله أكثر من أي حب آخر{ قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } (التوبة:24) وهي الأصناف الثمانية لمحبة الدنيا، فشعب الإيمان التي هي بضع وسبعون كلما تجمل العبد منا بجمال شعبة منها تحلى بحـللها وعلومها وحكمها وأسرارها فيزيد مقام إيمانه بقدر ما وصل إليه. ولا يزال العبد كذلك ما دام سالكا مع عارف مرشد معلم دال على الله بالله ومتصل القلب بالمصطفى r فهو على مزيد من عطايا الله ويزداد إيمانا مع إيمانه ما دام محاسبا لنفسه ( والمحاسبة شعبة من شعب الإيمان ) ومراقبا لربه ( والمراقبة أيضا شعبة من شعب الإيمان )، فيتفضل المتفضل بتمام النعمة وبإحسان العقيدة وإحسان العبادة وإحسان المعاملة وإحسان الأخلاق وإحسان الآداب. ومقامات الإحسان في القرآن كثيرة ولكن أجملها ربنا في آية واحدة فقال { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (البقرة:112) ووجه الشيء حقيقته.

وكلمات العلم النافع لآلئ ودرر لمن ألقى السمع وهو شهيد، والإمام أبو العزائم رضي الله عنه ينبهنا إلى حقيقة هامة فيقول :

واحفظ إذا سمعت  أذناك  جوهرة     <<<<.>>>>       واحرص عليها تنل كل السعادات

فالكلمة النافعة يصحبها التوفيق، فإذا وصلت إلى قلب سامع مسلم أسعده الله سعادتين :

1 ـ السعادة الأولى لفهمها والعمل بها.

2 ـ السعادة الثانية بأن يفتح له باب العلوم اللدنية تحقيقا لقول رسول الله r [ من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ] (رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس).

ولمجلس العلم آثار شتى، ولك أن تسأل نفسك بعد السماع :

$  هل تغير منك شيء ؟

$  انتقلت بالسماع من حسن إلى أحسن ؟

$  تحققت في مجلس العلم بحقيقة الإقبال على حضرة العليم سبحانه ؟

$  هل بإقبالك منحتَ طمأنينة القلب وأنت في مجلس العلم ؟

$  هل ذكرت الله في المجلس ذكرا كثيرا يخشع له القلب ويطمئن به ؟

$     هل عاهدت نفسك معاهدة كاملة أن تعمل بعد انتهاء المجلس بمقتضى ما علمت بقدر الإستطاعة ؟ إذ أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وما آتاها.

ومجلس العلم فيه ومنه النجاة من الفتن التي نبه رسول الله r عنها بقوله [ ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا إلا من أحياه الله بالعلم ] (أخرجه ابن ماجه في الفتن والدارمي  في المقدمة) قال تعالى { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } (الأنعام:122)، وبين رسول الله r أهمية هذا العلم في مرحلة الدنيا – سواء كان متعلما أو معلما، بقوله [ الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما ] (رواه الترمذي وابن ماجه في الزهد)، حتى إذا ما انتقل الإنسان إلى برزخه تظل صحيفة حسناته مفتوحة وقابلة للمزيد لأنه r قال [ إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ] (أخرجه مسلم في الوصية) وكلها من ثمار العلم.

علم التلقي وعلم الدراسة :

وليس كل متحدث بعالم، فقد سبق وذكرت قول إمامنا أبي العزائم رضي الله عنه في ذلك. والقرآن يميز بين علم السطور وعلم الصدور :

(1) علم السطور : وهو علم الدراسة، ويشترك في تحصيله أهل القرب وأهل الإيمان وأهل الكفر. والقرآن كمصحف مكتوب - وكذلك السنة - يقرأه ويحفظه المسلم وغير المسلم، ومن يعطون الشهادات الجامعية والعلمية في بلاد العالم المختلفة للمسلمين وغير المسلمين الوافدين للدراسة لا يؤثر فيهم ما يقولون وهم هم على كفرهم.

(2) علم الصدور : وهو علم الإيتاء والاختصاص، ولا يصل إليه إلا أهله {بل هو ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } (العنكبوت:49)، فعلم الإيتاء هو العلم النوراني وكذلك حكمة الإيتاء { يؤتِي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } (البقرة:269). يبين الإمام أبو العزائم الفرق بين علم التلقي وعلم الدراسة فيقول في مواجيده :

علم التلقي وعلم  الدراسة      شتان عندي بنص الفراسه

تلقى من الله من خصه      بتفريده       بالرياسه

تلق من الدرس من نفسه      من   السفل أو من كتابه

فأهل التلقي من الله  هم      أولوا العزم أو  بالوراثه

فلا تأمنن غيرهم واحذرن      فأهل الجهالة أهل التعاسه

وتابع  فتىً  مرشدًا   كاملا      تحقق بالعلمين بعد السياسه

وعلم الصدور أهله قليلون، وعلم السطور أهله كثيرون من المسلمين وغير المسلمين وعلامتهم أنهم يقرءون - وقد يحفظون، ولكن المهم هو التوفيق للعمل بمقتضى ما علموا، فهم يحصلون علوما كثيرة جدا، وقد عبر الإمام عن ذلك بقوله ( يحصلون أمثال الجبال علما ولكنهم لهم مثلين واضحين في القرآن : مثلهم بالحمير مرة وبالكلاب مرة أخرى )، قال تعالى { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين } (الجمعة:5)، وقال تعالى {واتلُ عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين~   ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثـله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثـل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } (الأعراف:175،176)، والأرض هنا هي أرض الطبع والحظ والهوى والبعد، والتكذيب بالآيات ضرب الله له مثلا آخر في قوله { أرءيتَ الذى يكذب بالدين~   ..} وهو خطاب لرسوله أولا ولكل واحد منا من خلاله r بعد ذلك ، والذي يكذب بالدين ليس الذي يعلن كفره ولكنه {..فذلك الذي يدع اليتيم  ~  ..} ولما سئل رسول الله r عن ذلك قال : ينهره ويقهره ويضربه بغير دليل لأنه يتيم {..ولا يحض على طعام المسكين   ~  ..} فلا يعطف ولا يجعل الناس تعطف {..فويل للمصلين ~   الذين هم عن صلاتهم ساهون  ~  الذين هم يراءون  ~  ويمنعون الماعون }(سورة الماعون) .. فالتكذيب بالدين ليس بإبطان أو إعلان  الكفر  كما سبق وذكرت، لكنه عدم العمل بما جاء به المصطفى r ، فالذي لا يأمن جاره بوائقه مكذب بالدين، والذي يصلي ولا يعرف كيف يصلى مكذب بالدين لأنه مأمور بتصحيح العمل بطلب العلم من أهله لأن كل عمل له أساسه فهو علم، والعلم يطلب لأنه المنهاج وهو يحتاج لطالب وحامل له، فلا يطلب العلم للمراءاة أو للتفاخر أو ليقال عالم، إنما يطلب لانشراح الصدور به فتزكو النفس ويطمئن القلب ويصفو الفؤاد وبه يكون الإنسان إنسانا بمعناه، نفخت فيه الروح فأقبل ولم يدبر وسمع وقال سمعت وأطعت، ودليل السمع مع الطاعة هو التنفيذ، والتنفيذ في أول المسألة هو في اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتناب المعاصي يقدم على الدخول في الطاعات لأن الإتيان بالطاعات أمر لا بد منه لكن يقدم عليه اجتناب المعاصي حتى تصفو الروح وقت القيام بالطاعة فأصبحت الظلمات بتعددها نورا واحدا نتيجة ولاية الله للعبد.

والعلم صفة إلهية، والصفة الإلهية لا تتناهى. ولا يزال العبد يقول لربه في صباحه ومسائه : رب زدني علما، ويظل في طلب الزيادة حتى ينتقل إلى العالم البرزخي فيطلبها أيضا من ربه. ويجب أن نكون على يقين أن العالم البرزخي فيه علوم وحكم ومعارف لا تتناهى .. ففيه مجالس أهل الإقبال على الله ، ومجالس العلماء والحكماء، ومجالس الورثة والخلفاء، ومجالس الأنبياء والمرسلين بعلومهم وحكمهم وأحوالهم، ففيه مجلس سيدنا آدم بعلمه، وفيه مجلس سيدنا نوح بعلمه .. وفيه مجلس سيد الخلق r . ولا يحظى بهذه المجالس إلا من جاهد نفسه هنا في الدنيا.

يتساءل الإمام أبو العزائم ليلقي لنا الضوء على حقيقة العلم فيقول :

العلم  هل   فهمه  يكفى  لتقريبي      إلى مقام التداني : نور محبوبي ؟

إن  كان  هذا  فما  لي  قد  أميل إلى      داعي الهوى بعد فهمي  بعد تأديبي ؟

العلم كالمال برهان على نفسي      أني  تطهرتُ أو أني كمكلوب

أما اليقين فبرهان على  قربي      صححت حالي لتأييد وترغيب

ذق باليقين مقام الفرد واستجل      سر الحقيقة منه غير  مكذوب

كم عامل تائه يهوي إلى  سفل      مسارع للهوى في كل منسوب

لو كان علمي  جذاب  إلى الأعلى      لما دعانى الهوى في سفل تقريبى

العلم عند بني   الإفرنج  أرفَعَهم      في  هوة الظلم  في كفر وتعذيب

علم اللسان وعلم  الكون هادينا      شركٌ لكل امرئ  للعلم مقلوب

العلم بالله  حصن  الأمن  يطلبه      فرد يقول أيا نفسى الهوى غيبى

العلم بالله طهرُ النفس  ظاهرهُ      سير إلى الله من أمن وترهيب


وباطن العلم كشف الغيب بعد هدى      كشف  الحقائق يعلي كل   مطلوب
والمكلوب إشارة إلى قوله تعالى { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين  ~   ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون }(الأعراف:175،176).

ويشرح رضوان الله عليه حقيقة العلم بمعاني أخرى فيقول :

هو العلم لا يجلى بغير الحقائق      وعلم بكشف فيه  قرب  لخالق

وما العلم والأعمال من غير خشية      سوى  آلة  صماء  سؤل   المنافق

وما العلم إلا  ما يعلمه  العلي      وآي { يعلمكم } دليل لصادق

وفي  أول { الرحمن } نور لمهتد      بها { علم القرآن } جذب  الموفق
تبرأت من حولي وقولي وقوتي      تحققت أن الله بالفضل  رازقي

تبرأت من نفسي وكل جوارحي      أنبت  إلى  ربى بإخلاص واثق

ثم ينادي المعاني والمباني فيقول :
أيا علم يا حال وكل جوارحي      ويا مال يا أولاد لستم مرافقي
أنيبوا معي أو فاتركوني فإنني      تحققت  أن الكون أحلام وامق
ومرارة   دنياي   بل   غرارة      وضرارة والعبد في ليل غاسق

ففروا  من الدنيا إلى الله  سارعوا      إلى اللهِ من تلكَ الملاهي الخوارق

الأحد، 27 أبريل 2014

- فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا

- فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
بيان قول الله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، [5، النازعات].
ومعناها أن الله سبحانه وتعالى خصص نوعا من الملائكة الكرام لتدبير أمر هذه الحياة من السموات إلى الأرض، فما من كائن في هذا الوجود إلا وتقوم هذه المدبرات بتسييره وتدبيره حسب مشيئة الله عزَّ وجلَّ، إنها تدبر شئون الجن والإنس وسائر الموجودات بل وتحفظ الإنس من شر الشياطين حتى لا تتخطفهم من الأرض، فقد أقامهم الله لرعاية شئون الحياة حتى تصل لنهايتها ذلك تقدير العزيز العليم.
فإذا علمنا أن هناك عالم غيبي يدبر شئون هذه الحياة غير عالمنا الكوني ازداد إيماننا بقدرة الله التي تصنع كل شيء بسبب وبغير سبب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾، [7، الفتح]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، [31، المدثر].

وهناك الملائكة الموكلون بالأرزاق والموكلون بالأرحام والأجنة والموكلون بالنبات والزروع والأشجار والموكلون بالجبال والبحار والأنهار والموكلون بالسحاب والرياح والأمطار والموكلون بالأفلاك والنجوم والشموس والأقمار والموكلون بإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وقتال الكافرين مع المجاهدين وغيرهم من أنواع الملائكة التي تؤثر بإذن الله في مجريات الأمور من الأحدث والشئون ولله في خلقه تصريف عجيب وتدبير غريب جلَّ شأن الله وتعاظم صنع الله الذي أتقن كل شيء وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
         منقول من كتاب بريد الى القلوب
لفضيلة الشيخ محمد على سلامة
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد سابقا

الجمعة، 4 أبريل 2014

- تزكية النفوس قبل تلقي الدروس

- تزكية النفوس قبل تلقي الدروس
الحقيقة التي يجب أن يعيها المؤمن أنه لا تعليم إلا بعد تزكية النفس - قال تعالى { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ءاياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } (البقرة:151) ، لأن كل علم يحصله الإنسان قبل تزكية النفس يسمى فَناً. ومعنى ذلك أن تزكية النفوس مقدمة على تلقي الدروس، فهي لا تنفع صاحبها إلا إذا نزلت في ماعون طاهر نقي سليم، ولا يسلم الماعون (وهو القلب) من العيوب وأدران الذنوب والغفلة إلا إذا فتحت له أبواب المعرفة التي يفتحها الفتاح سبحانه بنور فضله وبسر رحمته {..أم على قلوب أقفالها } (محمد:24) ولا بد للأقفال من مفاتيح، والمفاتيح عنده سبحانه {..وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو }(الأنعام:59). وإذا فتح من القلب ولو قدر سمّ الخياط ( ثقب الإبرة ) تنزلت على أرض هذه القلوب أنهار المعارف الإلهية بل ومحيطات الحكم الربانية لأن الله تعالى يقول { أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدَرها فاحتمل السيل زبدًا رابيا } (الرعد:17)، فالماء ينزل من السماء، والماء أيضا ماء العلم والحكمة والمعرفة يتنزل من سماء الفضل الإلهي فتسيل الأودية وهى أودية القلوب بقدرها، ولكل قلب سعة .. نسأل الله تبارك وتعالى وسعة قلوبنا حتى نكرم بالقلب المحيط، ومن منطلق هذا المعنى يصلي إمامنا أبو العزائم على سيدنا رسول الله r صلاة إظهار المقام فيقول [ اللهم صل وسلم على محيطالجمال والكمال، المتفرع من بحار معارفه أنهار الهدايات الربانية ].

قلنا إن تزكية النفوس مقدمة على تلقى الدروس. والدروس تستنبط من كلام الله وكلام الله طهور، ومن سنة سيدنا رسول الله وسنته r نور، ومن سير السلف الصالح وسيرهم نور من نور رسول الله ، والطهور والنور لا يدخلان إلا المواعين الطاهرة السليمة، فالعلم ماء، وماء السماء طهور، ولكن الحكم يتغير بتغير المكان الذي ينزل عليه، وعلى حسب المكان الذي ينزل فيه الماء يكون الحكم بطهارته .. وعلى قدر صفاء القلب وسلامته يكن حسن السماع. وإذا أحسن العبد السماع بسر تزكية النفس ميز بين الحسن والأحسن، فترك الحسن مع حسنه واتبع الأحسن ممثلا في صاحب القول الأحسن ليدخل في البشرى التي أعدها الله لنا في قوله سبحانه { فبشر عباد ~  الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب }(الزمر:17،18). وتزكية النفوس لا تتيسر إلا بالسير على منهاج وأخلاق رسول الله r  وبحرارة الشوق إليه r . والشوق حرارة تسرى في أرجائك ظاهرا وفى حقيقتك باطنا، وهو نور تنزلٍ وفيه أسرار. وإذا اشتقتَ إلى ما فيك من أنوار وأسرار باريك سبحانه فكن على يقين بسر هذا الشوق، فالشوق لما فيك منه - أي لرؤية ما فيك من صورة جمالية كمالية - شوق على طريق السير والسلوك إلى الله ورسوله. وإذا اشتقتَ لما فيك منه عكفت على معرفة نفسك وتلمستَ الطرق إليها، قال r [ من عرف نفسه فقد عرف ربه ] (رواه السيوطي في الدرر المنثورة)، وتدبر فإنك إذا شكرتَ فشكرك لنفسك، وإذا اهتديتَ فهدايتك لنفسك، ونهاية الوصول وصولك لمعرفة نفسك - قال تعالى {من شكر فإنما يشكر لنفسه } (النمل:40) { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه }(يونس:108)، وقال تعالى لحبيبه ومصطفاه r { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } (النساء:63).

الجمعة، 7 مارس 2014

- الاخوة فى الله

- الاخوة فى الله
إعلم أن الأخوة مشهد من مشاهد التوحيد الكامل , التى بها تتجلى معانى الكمالات والنزاهة لذات الأحد سبحانه , من حيث أنه تنزه غنى الخلق قائم بذاته , منزه عن المعين والصاحب والوالد والولد وعن التركيب والأعضاء والأجزاء , وأنت المفتقر إلى الأعضاء والجوارح والولد والصاحب والمعين والوكيل والوزير , فالأخوة أكمل جمالات رتبتك , بها تتميز الحضرتان وتظهر المكانتان , حتى تحقق عين يقين من أنت ومن ربك .

الأخوان في الله عز وجل :

هم المعراج إلى حضرة الحق تعالى , بهم تتجدد معالم الحق وتعلو كلمته وتقام حدوده وتحفظ مناسكه وينتشر الأمن والعدل , قال الله تعالى : " يأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " , فالإخوان تشهدك في نفسك أنك عبد مضطر مفتقر ذليل , فتعلم بها معانى كمالات ربك القدير , وتشهدك معونة الله وإمداداته , وود الله لك وإحسانه بما يجريه على يديهم لك من الخير والمزيد والنصر والقوة , والأخ في الحقيقة هو أنت, وكلما أكثرت من الأخوة كلما كنت كثيراً , بقدرهم يكون لك ألسن وآذان وأعين وأيد وأرجل وكنوز وخزن , ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين , إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين , فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين , وعلى البر والتقوى مضطجعين , ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه , وأمر بالأعتصام بحبله وهداه , ونهى عن التفرق إذا جمعتهم الدار , وقرن ذلك بالمنة عليهم إذ أنقذهم من شفا حفرة النار , وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه سبحانه , وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين لما جاء فيه من الأمر والندب , إذ كان الحب في الله عز وجل من أوثق عرى الإيمان , وكانت الألفة والصحبة لأجله , والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتقين .

* وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عز وجل , بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين ,لأن ذلك زين في الرخاء , وعون في الشدائد , وتعاون على البر والتقوى والألفة في الدين , قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون , وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا , وأذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" , وقال رسول الله r: " إن اقربكم منى

مجلساً أحاسنكم أخلاقاً , الموطئون أكنافا , الذين يألفون ويؤلفون " , وقال عليه الصلاة والسلام : " مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ,وما ألتقى مؤمنان إلا أفاد الله عز وجل أحداهما من صاحبه خيراً " وقال r: " من آخى أخاً في الله عز وجل , رفعه الله عز وجل درجة في الجنة لا ينالها بشئ من عمله " ويقال : إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر , رفع الأعلى مقاما أخيه معه إلى مقامه , وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين , والأهل بعضهم ببعض .

* قال الله تعالى مخبراً عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته : " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " . وقال r: " المؤمن كثير بأخيه " .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " ما أعطى عبد بعد الأسلام خيراً من أخ صالح" . وفي الأخبار السابقة عن داود عليه السلام : " إن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه يا داود مالى أراك منتبذاً وحيداً , قال : إلهى قليت الخلق من أجلك , فأوحى الله عز وجل إليه : يا داود كن يقظانا مرتاداً لنفسك إخواناً , فكل خدن لا يوافقك على مسرتى فلا تصحبه , فإنه لك عدو ويقسى قلبك ويباعدك منى " , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كونوا مؤلفين ولا تكونوا منفرين " وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال " يارب كيف لى أن يحبنى الناس كلهم , وأسلم فيما بينى وبينك ؟ قال : خالق الناس باخلاقهم , وأحسن فيما بينى وبينك " وفي بعضها : " خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا , وخالق أهل الأخرة بأخلاق الآخرة " .

وقال محمد ابن الحنفية بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم : " ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً , حتى يجعل الله عز وجل منه فرجاً ,ويقال : أن أحد الأخوين في الله عز وجل إذا مات قبل صاحبه , وقيل له أدخل الجنة سأل عن منزل أخيه , فإن كان دونه لم يدخل الجنة , حتى يعطى أخوه مثل منازله , ولا يزال يسأل له من كذا فيقال : إنه لم يكن يعمل مثل عملك , فيقول إنى كنت أعمل لى له , فيعطى جميع ما سأل له , ويرفع أخوه إلى درجته معه . ويقال : ما حسد العدو متعاونين على بر , حسده متآخين في الله عز وجل , ومتحابين فيه , فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله على إفساد ما بينهما , وقد قال تعالى : " وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم " , وقال عز وجل مخبراً عن يوسف عليه السلام : " بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخواتى " .

* وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : " عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم , فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء , وضع ما يغلبك من أمر أخيك على الحسنة حتى يحبك , واعتزل عدوك , وأحذر صديقك من القوم إلا الأمين , ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل , ولا تصحب الفاجر فتتعلم فجوره , ولا تطلعه على سرك , واستشر في أمرك الذين يخشون الله تبارك وتعالى " .

* وقال الأحنف : " من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث أن يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم الدالة . "والدالة : الجرأة " وقال : الإخاء جوهرة رقيقة , فهى ما لم ترق عليها وتحرسها كانت معرضة للآفات , فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه , وبالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك , وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل , ولا من أخيك التقصير .

* وقال أسماء بن خارجة الفزارى : ما سئمت أحداً قط لأنه إنما يسأمنى أحد رجلين , كريم كانت منه زلة وهفوة , فأنا أحق من غفرها , وآخذ عليها بالفضل فيها , أو لئيم فلم أكن أجعل عرضى له غرضاً .

* عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبى r قال : " لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه " وعن ابي هريرة قال : قال رسول الله r: " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق " .

* الإخوان هم هياكل متعددة , سرت فيهم روح واحدة , كالجسد الواحد تعددت أعضاؤه ولكنه واحد , فإذا تألم عضو منه شعر بالألم كل الجسد , فكذلك الإخوان يتألمون جميعاً لألم أحدهم , غنيهم فقير لأنه يؤثر الفقير على نفسه , وفقيرهم غنى لكمال ثقته بربه , صفت قلوبهم فتجملت ظواهرهم , فإذا رأى الأخ الأخ كأنه أشرقت عليه أنوار , فأنبسط وانشرح وصافح وفرح , فيزداد نوراً , وحالاً على حاله , وعلماً على علمه , يبدل كل أخ لأخيه ما يجد من وجد أو موجود , فيغذى الأخ أخاه بعلمه , والآخر يغذيه بخبزه , فلا يقابل أخ أخاً إلا وفتحت أبواب السماء بالبركات , وهطلت الأرزاق والفتوحات , نزع الله ما في صدورهم من غل , وما في قلوبهم من طمع, لأنه سبحانه هو المحبوب لهم في أنفسهم وما تقولون في أثنين تقابلا على شوق في الله وبذل في ذات الله ؟ ,هذا يبذل لأخيه ما به سعادته الأبدية من علم وحال وخلق حسن , والآخر يبذل له نفيس طعامه وشرابه وماله وما تقولون فيمن تحقق فيهم قوله r في الحديث القدسى عن الله تعالى : " المتحابون فيّ َوالمتباذلون فيَّ على منابر من نور يغبطهم الملائكة والأنبياء لقربهم من الله " .

وليس هذا الوصف العلى موجوداً إلا في الصديقين وأبدال الرسل عليهم الصلاة والسلام , فكل أخ يعامل إخوانه بهذا فهو من الصديقين , ومن أبدال الرسل عليهم الصلاة والسلام .

* فالأخ في الله تعالى :هو شخص آخر إلا أنه أنت , لآنه يقصد ما تقصد ويتمنى ما تتمنى , ويعتقد ما تعتقد , ويعمل بعملك , ويقتدى بقولك وعملك وحالك , ذاق ذوقك وفهم عبارتك وأدرك أشارتك , يسعى فيما يرضيك ويحب من تحب , يصادق صديقك ويعادى عدوك , يحفظك غائباً ويسرك حاضراً , يذكرك إن غفلت ويعينك إن ذكرت في مرضاتك عندما ترضى الله تعالى , ويتوقف عن العمل إن جهل حكم عملك , حتى تبين له بدون جدل ولا انتقاد ولا اعتراض , تجمل بكل خصالك , واتصف بجميع صفاتك , ودك بأكمل ما يود به نفسه , وتحمل الشدائد في جمع الكلمة , ويجاهد نفسه ليتجمل بمكارم الأخلاق , يصل رحمك ويكرم أقاربك ويعطف على أولادك , هذا هو الخ ولو كان بعيد النسب عنك .

* الأخ هو أنت خلقا واعتقادا ومقصدا وعملا وحالا , الأخ من بذل نفسه قبل نفسك , وماله قبل مالك , وقدم أصدقاءك وأهلك وأولادك على خاصته وأهله وأولاده

* ليس الأخ بنسب الأبوين , إنما الأخ من ناسبك في خصوصيتك , وتشبه بك في جميع أحوالك , قرب منك بما جملك الله به فصار قريبك , وانتسب بما تقربت به إلى الله فصار من نسبك .

* الأخ من لا تتكلف وله ولا تخشى الشر منه , استوى عندك السر والعلن معه , وا،ت عظيم في عينه وقلبه في كل أحوالك , من يسر وعسر وبعد وقرب , إن شددت يسر وإن يسرت هابك , سروره أن تكون مسروراً , هذا هو الأخ ( وقليل ماهم ) فهذا الأخ هو الوارث للأحوال والعلوم والأسرار , فإذا كان من أهل نسبك كان ذلك أكمل وأجمل وذلك هو الفضل العظيم , وإنما هى متشابهة توجب القرب بعد الحب , فالرقى إلى المقام بعد الحال , والوصول فالكمال .

أسأل الله أن يجملنا بأخلاقه , وأن يمنحنا عنايته , وأن يواجهنا بواجهه الجميل , إنه مجيب الدعاء .

الرفيق في الطريق :-

أيها السالك مسالك الوصول , الساعي بتوفيق الله تعالي الي مقام الشهود, عليك بالأخ الصادق المخلص في الطلب , المجد المحافظ علي الادب , واجعل سريرتك صافية من جهتة , وكن له كما تكون لشيخك , فان الشيخ أيها الانسان يحجبك عنه هيبتة , وعزمة في نصيحتك علي الهفوات والصغائر من كماله وحسن أدبه . فكن في سيرك الأول متوجها لأخ سبقك في صحبة هذا الشيخ , لعلمة بما يحبة منك وما يبغضه , ولا تنتقد علي هذا الصاحب في العمل تراه , خصوصا بالنسبة للشيخ , فانه أعلم منك بما يحبه الشيخ , بل سلم له جميع ذلك , واياك أن تعاتبه او تعاقبه , أو ترفع شكوي فيه للشيخ , أو تخاصم أحدا من إخوانك , أو تعادي منهم احدا , أو تفوه بإشهار عيب من عيوبهم – خصوصا أمام الشيخ – وتكلف ستر عورتهم , وغض الطرف عن عيوبهم , وخذ منهم ما

تراه من جميل الصفات وكمل الأخلاق , وكلما قدمك هذا الأخ أمام الشيخ , فاحفظ ادبك معه , واجعله أرفع منك مقام , فللمشايخ أحوال يمتحنون بها أخلاق مريديهم , ويفيضون المدد للمريد علي قدر أخلاقه , والله سبحانه وتعالي أعلم .

* مراتب الأخوان :-

من سبقك ولو بيوم في صحبة الشيخ فله عليك فضل السابقية , ثم تصلهم بقدر مجاهداتهم وبذلهم وموالاتهم وكمال اتباعهم وحسن أخلاقهم وصدق تسليمهم , فقد يفضل الواحد على الألف لما اختص به من الفضائل والكمالات , وهذا الفضل يجب على الأخوان أن يتناسوه فيما بينهم , بمعنى أن الأخ الفاضل الذى ميزه الله بأكبر خصال الخير لا يشهد لنفسه فضلاً على إخوانه , إنما ذلك أمر تشهد به الإخوان له , فلا يغتر به , بل يزداد في تواضعه , وفي رغبته , وفي إقباله وفي مجاهداته , فإن الكمالات الإلهية لا نهاية لها , المواهب الربانية لا حصر لها , فمن وقف عند حد منها رضي لنفسه بالنقص مع تيسير الكمال له .

* وعلى الأخوان أن يعتقدوا الإحسان في غيرهم , والنقص في أنفسهم , وأن يغضوا عيون البحث عن عيوب بعضهم , ويصموا آذان التنقيب عن نقائض بعضهم , فإن المريد ليس رسولا معصزما , ولا ملكاً نوارنيا مجرداً عن لوازم البشرية . وعلى كل أخ أن يشتغل بتطهير نفسه , وتزيتها من عيوبها , وأن ينظر لنفسه بالانتقاد أو البحث عن دسائسها ومساوئها , وينظر لكمالات إخوانه ليتكمل بها , ومحاسنهم ليتجمل بها , وهذا سبيل السلف الصالح من أهل الحب والصدق والإخلاص .

* فضائل الأخوة في الله :

عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المتحابون في الله عز وجل على عمود من ياقوت حمراء , في رأس العمود سبعون ألف غرفة , مشرفون على أهل الجنة , يضئ حسنهم لأهل الجنة , كما تضئ الشمس لأهل الدنيا , عليهم ثياب سندس خضر , مكتوب على جباههم : هؤلاء المتحابون في الله عز وجل "

* وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن حول العرش منابر من نور عليها قوم لباسهم نور ووجوهم نور و ليسوا بأنبياء ولا شهداء , يغبطهم الأنبياء والشهداء , فقالوا : يا رسول الله صفهم لنا , فقال : هم المتحابون في الله عز وجل , والمتجالسون في الله تعالى , والمتزاورون في الله تعالى " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبعة يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله , منهم كذا وكذا واثنان تآخيا في الله عز وجل , اجتمعا على ذلك وتفرقا " .

وكان الفضل بن عياض وغيره يقول : نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة .

* بم تصح الأخوة في الله :

لا تصح الأخوة في الله عز وجل إلا بما شرط فيها من الرحمة في الأجتماع , والخلطة عند الأفتراق بظهور النصيحة , واجتناب الغيبة وتمام الوفاء , ووجود الأنس وفقد الجفاء , وارتفاع الوحشة , ووجود الأنبساط , وزوال الأحتشام . وقال عليه الصلاة والسلام : " أحب اإخوان إلي الله عز وجل أرفقهما بصاحبه " , وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد : لا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلا بمثل ما تحب أن تذكر به إذا غبت , وأعفه بما تحب أن تعفى به , وقال آخر : ما ذكر أخ لى في غيبته إلا تصورت نفسى في صورته , فقلت فيه ما أحب أن يقال في , فهذا حقيقة في صدق الإسلام , لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه .

وعن بعض الحكماء : من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم وأثموا ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم , ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا .

وفي الأخبار : اثنان عزيزان ولا يزدادان إلا عزة , درهم حلال , وأخ تسكن إليه .

وقد كان أبو الدرداء يقول : إذا تغير أخوك رحاله عما كان فلا تدعه لأجل ذلك , فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم اخرى . وفي حديث عمر وقد سأل عن أخ كان قد آخاه , فخرج إلى الشام , فسأل عنه بعض من قدم عليه فقال : ذلك اخو الشيطان , قال : مه , قال إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر , فقال : إذا أردت الخروج فأخبرنى , قال فكتب إليه : " بسم الله الرحمن الرحيم , حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب " الآية , ثم عاتبه تحت ذلك وعذله , فلما قرأ الكتاب قال : صدق الله ونصح لى عمر , قال : فتاب ورجع .

وكان الحسن وأبو قلابة يقولان : إخواننا أحب الينا من أهلينا واولادنا , لأن أهلينا يذكرونا الدنيا , والإخوان يذكرونا الآخرة .

*وقال عليه الصلاة والسلام : " مازا ر رجل أخاه في الله عز وجل شوقاً إلأيه ورغبة في لقائه , إلا ناداه ملك من خلفه : طبت وطابت لك الجنة " , وعن عطاء كان يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث , فإن كانوا مرضى فعودوهم , وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم , وإن كانوا نسوا فذكروهم و وقال الحنف بن قيس : ثلاث خلال تجلب بهن المحبة , الأنصاف في المعاشرة , والمواساة في الشدة , والأنطواء على المودة . فأول ما تصح المحبة في الله أن لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصيته , ولا على حظ من دنياه , ولا لسبب موافقته على هواه , ولا لأجل ارتفاقه اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله ولا يكون ذلك مكافأة على إحسان أحسن به إليه , ولا لنعمة ويد يجزيه عليها , فهذه ليس فيها

طريق إلى الله تعالى ولا للآخرة , لأنها طرقات الدنيا ولأسباب الهوى , فإذا سلم من هذه المعانى فهذا أول المحبة لله تعالى . ولا يقدح في الإخوة لله تبارك وتعالى أن يحبه لحسن خلقه , وفضل أدبه , وحسن حلمه , وكمال عقله , وكثرة احتماله وصبره , أو لوجود الأنس به , وارتفاع الوحشة منه , وإنما يخرجه عن حقيقة الحب في الله أن يحبه لما يكون دخلا في الدين , ووليجة في طرائق المؤمنين , ولما أنفصل عنه ولم يكن متصلاً به مثل الأنعام والأفضال ووجود الإرتفاق , فهذا الحب لا يمنع القلب وجده لما جبل الطبع عليه , ولبغض من كان بضده ممن أساء اليه . وحقيقة الحب في الله عز وجل أن لا يحسده على دين ولا دنيا , كما لا يحسد نفسه عليهما , وأن يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجا إليهما كنفسه , وهذان شرطا الحب في الله عز وجل اللذين ذكرهما الله تعالى في قوله : " يحبون من هاجر إليهم ".

* ثم وصف محبتهم إذا يصف حقاً ويمدح محقاً فقال تعالى : " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا " , يعنى من دين ودنيا , ثم قال تعالى في الشرط الثانى : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " , ولا تصح مؤخاة مبتدع في الله تعالى ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه , ولا محبة فقير أحب غنياً لآجل دنياه , ولا ما يناله من عاجل مناه , وليس الإخاء كف الأذى لأن هذا واجب الإخاء الصبر على الأذى .

وكانت طائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربع معان , لا يترجح بعضها , ولا يكون فيها اعتراض من وهى :

إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم .

وإن صلى الليل أجمع لم يقل له أحد نم بعضه .

وتستوى حالاته عنده فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه , ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه , فإذا كان عنده يزيد بالعمل وينقص بترك العمل فالفرقة أسلم للدين .

وقد كان الأخوان يتهافتون على العلوم والأعمال وعلى التلاوة والأذكار .

وبهذه المعانى تحسن الصحبة وتحق المحبة , وكانوا يجدون من المزيد من ذلك والنفع به في العاجل والآجل مالا يجدونه في التخلى والأنفراد , من تحسين الأخلاق , وتلقيح العقول , ومذاكرة العلوم , وهذا لا يصح إلا لأهله , وهم أهل سلامة الصدور , والرضا بالميسور مع وجود الرحمة , وفقد الحسد ووجد التناصر , وعدم التظاهر , وسقوط التكلف ودوام التآلف , وقد ضم الله عز وجل الصديق إلى الأهل ووصله بهم , ثم رفع الأخ وقدمه على الصديق وهو قوله عز وجل : " أو ما ملكتم مفاتحه " .

* نصيحة للأخوان :

آخى تباعد عن أخلاق أبليس وهى : الحسد , والكبر , والطمع , وحب الشهرة والسمعة , وأذية الخلق , والغيبة والنميمة , والكذب والزور و وإشاعة الفاحشة في إخوانك المؤمنين , واحب لجميع إخوانك ما تحبه لنفسك , ودع الفساد , وتباعد عن أخلاق البهائم من الحرص , والبخل و والأنتقام , والحيل , والمكر والخداع , والتملق , والزنا , وشرب الخمر و والتهاون بحقوق الناس . وتخلق بأخلاق الملائكة بتأدية المأمورات , والتباعد عن المنهيات , واحفظ الرأس وما وعى من العينين والأذنين واللسان والنف . والجسم وما حوى من اليدين والقلب والبطن والفرج والرجلين .واحكم يأخى أنك من أكابر الأولياء الله تعالى , المحفوظين بعين عنايته و لأن الله لا يوفق لهذه إلا صفوته من أوليائه , وهو الموفق الهادى سبحانه وتعالى , وأدم الشكر على لنعمته تعطى المزيد , والله سبحانه ولى المؤمنين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

* من أحبك لذاتك عاداك , ومن أحب الله ورسوله فيك دام أنسه بك .

*أخوك من أذا غفلت ذكرك , واذا ذكرت أعانك .

* ما أجهل من خسر الرجال ليكتسب المال , وأجهل منه من خسر المال ليخاصم الرجال , وشر منهما من خسر دينه ليكتسب الدنيا , والعاقل يبدل ماله ليكتسب أخوانه , ويبذل نفسه ليكتسب دينه . * الأخ الذي ينتظر عطائك فهو أخ لعطائك , ومثل هذا خذه سائلا مسكينا تتقرب الي الله فيه .

* الأخ الصالح كنزك عند فقرك

* كن أقرب إلى أخيك عندما تراه قريبا من إبليس

* خير إخوانك من كانوا في ميزانك

*خير الأخوان من فقه إيرادتك , وفهم إشارتك , ونفذ أوامرك .

*شر الأخوان من إذا أرضيته مدح وإذا أغضبته قدح

* لا تثق إلا بالله , وإحتاط من الناس بسوء الظن , ولا تنفذ سوء الظن في إخوانك إلا بعد التبصرة .

* الأحسان واجب عليك إلى أخيك ولو تحققت منه الأساءة , فكيف تسئ إليه مع تشكك في قصده ؟

* ليس كل أخ في الطريق معك في منزلته , لنهم درجات فعلى المريد أن يصطفى من إخوانه أخاً يعلوا بمجالسته حاله , وتزكوا بمخاطبته نفسه ,ويعامل جميع أخوانه بحسب مراتبهم , ليكون روحاً لهم معينة على ما هم فيه , فيمدح المبتدئ على حسن عمله والواصل على حاله , ويتنزل لكل أخ حتى تأتلف القلوب وتنشرح الصدور , ويتألف الجسد كاملاً , لكل عضو فيه وظيفة يقوم بها , وبذلك تدوم الألفة وتزداد المحبة ويطيب لكل أخ وقته , ويصفوا حاله ويطمئن قلبه .

الأحد، 2 مارس 2014

- جنة آدم عليه السلام

- جنة آدم عليه السلام
إن الجنة التي أسكن الله فيها آدم عليه السلام لم تكن دار نعيم يقيم فيها للأبد، ولكن الله أسكنه فيها للابتلاء والاعتبار، ومن هنا أمره الله ونهاه وهو في الجنة.
والجنة قد جعلها الله للتكريم والتشريف وليست للتعريف والتكليف، فلما أمر الله آدم عليه السلام بأن يسكن الجنة هو وزوجته حواء، وأن يأكلا من جميع خيراتها، ويتمتعا بما فيها، ولما نهاهما الله عن الاقتراب من شجرة معهودة في الجنة، علمنا أن الله أسكنه الجنة للابتلاء والاختبار وليس للجزاء والثواب، وحيث أن جنة آدم كانت للتكليف وللأمر والنهي فحصل وقوع المعصية فيها لأنه صارت أشبه شيء بعالم الحياة الدنيا. الذي ترد فيه من المكلف الطاعة والمعصية.
أما الجنة التي وعد الله بها المؤمنين فهي للسعادة الأبدية، وللنعيم المقيم والسرور الدائم ونوال كل ما يشتهيه الإنسان وكل ما يتمناه من غير أن يعتري ذلك خلل ولا وصب ولا نصب ولا فتور، لأن الجنة بالنسبة للمؤمنين دار الجزاء الأوفى ودار الخلود الأبدي جزاءا على ما قدموا لأنفسهم في الحياة الدنيا من الخيرات والصالحات.
وقد سبق أن قلنا أن جنة آدم عليه السلام كانت للتكليف والتعريف، وقد مرَّ آنفا بيان التكليف أما التعريف فإن الله عزَّ وجلَّ قد علم آدم الأسماء كلها، وعرفه مسميات هذه الأسماء حتى يكون على علم بكل الحقائق والأشياء التي يتعامل معها سواء في الجنة أو في عالم الدنيا، وكان تعليم الله لآدم عليه السلام عن طريق الإلهام وإلقاء المعاني والمعلومات في نفس آدم وليس عن طريق الملائكة، ولذلك أمره الله أيضًا بأن يعلم الملائكة مما تعلمه من الحق جلَّ جلاله، فكانت جنة آدم دار عمل ودار علم يعمل فيها ما يأمره الله به، ويتعلم فيها ما يعلمه الله له ويُعلم فيه الملائكة عليهم السلام، كما كان أيضًا يُعلم كل ذلك لزوجته حواء عليها السلام والله ورسوله أعلم
منقول من كتاب بريد الى القلوب 
لفضيلة الشخ محمد على سلامة 
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيدسابقا

الأحد، 9 فبراير 2014

- الفوقية والعلو والخلاف العقائدى والمذهبى

- الفوقية والعلو والخلاف العقائدى والمذهبى

حوار مع الغزالى عن الفوقية والعلو والخلاف العقائدى والمذهبى
يقول الشيخ الغزالي في كتابه ((هموم داعيه)) فصل السلفيه التي
تعرف وتحب :(طرق بابى شاب وكان فى عينيه بريق يدل على الذكاء، والحماس معا!قال:قرأت بعض كتبك،ورأيت أن استكمل معرفتك من أسئلة أوجهها إليك!قلت له :حسبك سؤال واحد فلدى ما يشغلنى..قال: ما رأيك فى "الفوقية" بالنسبة على الله تعالى؟!ومع تعودلقاء شباب كثير من هذا الصنف إلا أن السؤالفاجآنى..تريثت قليلا قليلا ثم شرعت أتكلم: لاأدرى كيف أجيبك؟أنا
مع أهل الاسلام كلهم أسبح باسم ربى الأعلى! وبين الحين والحين يطوف بى من إجلال وإعظامه ما أظننى به واحدا من الذين قيل فيهم" يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون"(النمل:50)تسألنى عن هذه الفوقية؟ لاأدرى!انا مع العقلاء الذين يقولون:السماء فوقنا والأرض تحتنا، ثم إنى بعد ما اتسعت مداركى العلمية عرفت أن الارض التى أسكنها كرة دائرة طائرة،وأنها مع أخوات لها يتسقن فى نظام مع أمهن الشمس التى تجرى هى الأخرى مع لدات لها فى مجرة معروفة الأبعاد والمدار.وقد أحصى علماء الفلك مجرات كثيرة عامرة بالشموس مثل مجرتنا وحسبوا بعد مطالعات ومتابعات أنهم عرفوا حدود الكون..ثم كشفت لهم المراصد على مسافة ملايين الملايين من السنين الضوئية ان هناك مجرات أخرى أسطع ضوءا وأشد تألقا ..فعرفوا أن الكون أرحب مما يظنون...أنا لم يهلنى أمر هذه الكشوف،وإنما زاد إعظامى لربى ،الذى بنى فأوسع،وذرأ فأبدع ،إنه يهب لهذه الأكوان كلها وجودها وبقاءها لحظة بعد أخرى..!واذكر أنى رأيت مرة أسرابا من النمل تحف بقطعة من الحلوى وتسلم فتاتها لأسراب أخرى،رأيت ألوفا

تأخذ من ألوف،فاتجهت إلى السماء وأنا أقول وثم ألوف مؤلفة من

النجوم الثابتة والكواكب الدوارة،ان الدقة التى تحم حياة النمل فى

جحوره هى هى التى تحكم الشموس فى داراتها.. رؤية تامة هنا

وهناك"له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه

من ولى ولايشرك فى حكمه أحدا.." (لكهف:26)مادامت السماء

محيطة بنا فهى فوقنا وتحتنا،ونحن على أرضنا قد نكون فوق قوم

يعيششون على الأرض فى انب آخر منها ...وعلى أية حال فالخالق

الأعلى له فوقية تقهر الخلائق جميعا،وتستعلى وتستعلن على

الجن والانس والملائكة وسائر الموجودات ...ذاك ماأعرف،ولاأحب

إفساد النظم القرآنى الكريم بتعاريف ما أنزل الله بها من سلطان.قال

الشاب: ألم تقرأ العقيدة الطحاوية؟ قلت: أوصى المسلمين أن

يقرءوا القرآن ،وألا يعملوا عقولهم فى اكتناه المغيبات التى يستحيل

أدراك كنهها ، كذلك فعل سلفهم الصالح فأفلح..

قال الشاب : وكتابك عقيدة المسلم ؟ قلت قررت فيه ما سمعت

الآن ..!قال : إنه يتجه مع مذهب السلف ولكنك تبعت فى ترتيب

العقائد منهج أبى الحسن الأشعرى وهو مؤول منحرف..

قلت :رحم الله أبا الحسن وابن تيمية!
كلاهما خدم الإسلام جهده،وغفر الله لهما مايمكن أن يكون قد وقع

فى كلامهم من خطأ.اسمع يابنى لماذا تحيون الخصومات العلمية

القدمية؟ كانت هذه لخصومات- ودولة الإسلام ممدودة السلطة –

خفيفة الضرر،إنكم اليوم تجددونها ودولة الإسلام ضعيفة،بل لادولة

له،فلم تعيدونها جذعة،وتسكبون عليها من النفط مايزيدها ضراما؟

وجهوا الأمة اى كتاب ربها وسنة نبيها واشتغلوهم بما اشتغل به

سلفناالأول ،اشتغل بالجهاد فى سبيل الله فاعتز وساد!مع ملاحظة

أنهم كانوا يحررون غيرهم أما نحن فمكلفون بتحرير أنفسنا.قال

الشاب وهو يتململ حسبناك من السلف!! قلت : أن الإنتماء إلى

السلف شرف أتقاصر دونه وفى الوقت نفسه أحرص عليهن لقد

جئت تسألنى عن قضية لة سأل عنها الأصحاب رضى الله عنهم

لسكتوا....وأغلب الظن أنك تود لو تعثرت فى الإجابة حتى تتخذنى

غرضا،أنت ومن وراءك ،فلتعلم أن طهر النفس أرجح عند الله من

إدراك الصواب.......!ليس سلفيا من يجهل دعائم الاصلاح الخلقى

والاجتماعى والسياسى كما جاء بها الاسلام وأعلى رايتها

السلف،ثم يجرى هنا وهناك مذكيا الخلاف فى قضايا تجاوزها العصر

الحاضر،ورأى الخوض فيها مضيعة للوقت فيها....أما كان حسبنا منهج

القرآن العزيز فى تعليم العقائد؟

فى تعريف الناس بربهم نسمع قوله تعالى" الله لاإله إلا هو له

الأسماء الحسنى"( والاستجابة الفطرية لدى سماع هذه الآية أن

نقول: عرفنا ربنا وماينبغى له من نعوت الكمال)ويقول تعالى" فاعلم

أنه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات..."والاستجابة

الطبيعية لدى تلقى هذا الأمر أن نقول سمعا وطاعة، علمنا أن الله

واحد، ونستغفره من تقصيرنا فى الوفاء بحقوقه..ثم تتجه بعد ذلك

جهود المربين والموجهين إلى تنمية الإيمان النابت فى مغارسه

الصحيحة حتى يتحول من معرفة نظرية إلى خشية وتقوى وحياء

وخشوع ، ولانزال ننميه كما فعل سلفنا الصالح حتى يفعم المؤمن

بمشاعر التمجيد فيقول كما علمه الرسول الكريم:" ياربى لك الحمد

كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم لجلال وجهك وعظيم

سلطانك"!،فاذا واجه الموت فى سلام أو حرب لم يجزع بل قال

"غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه" كما هتف بذلك بلال رضى الله

عنه.أما جعل الايمان قضايا جدلية فهذا هو الموت الأدبى والمادى .

ولو أن سلفنا مضى مع تيار الجدل ما فتح الإسلام بلدا ، ولا شرح

بالإيمان صدرا........إن منهج القرآن الكريم فى إنشاء العقائد

وإنضاجها خفيف رقيق أخف من الهواء وأرق من الماء،اما بعض الكتب

التى تعرض العقائد فى كثير من الأعصار والأقطار فعلى نقيض ذلك

، وقد ألفت كتابى "عقيدة المسلم " وأنا متشبع بهذه

الأفكار،وأحسب أن الله نفع به كثيرا....على أن هناك أمورا يقحم

فيها السلف إقحاما ،ولا علاقة لهم بها،فما دخل السلف فى فقه

الفروع واختلاف الأئمة فيه؟ومن الذى يزعم ان ابن حنبل هو ممثل

السلفية فى ذلكم الميدان،وأن أبا حنيفة ومالكا والشافعى ،جاروا

على الطريق ،وأمسوا من الخلف لامن السلف؟إن هذا تفكير

صبيانى..وبعض من سموا بالحنابلة الذين حكى تاريخ بغداد أنهم

كانوا يطاردون الشافعية لحرصهم على صلاة القنوت فى صلاة الفجر

هم فريق من الهمل لا وزن لهم..

وأنا موقن بأن الإمام أحمد نفسه لو رآهم لأنكر عليهم وذم

عملهم....التبعة ليست على رعاع يمزقون شمل الأمة بتعصبهم

،وإنما تقع التبعة على علماء يعرفون أن الرسول صلى الله عليه

وسلم حكم بأن للمجتهد أجرين إذا أصاب، وأجرا إذا أخطأ.

ولو فرضنا جدلا أن الحق مع الحنابلة والأحناف فى أنه لاقنوت فى

الفجر فمن الذى يحرم مالكا والشافعى أجر المجتهد المخطئ.

السبت، 11 يناير 2014

- واشوقاه لإخواني

-  واشوقاه لإخواني
إشتاق لهم سيدنا علي - من باب الوراثة المحمدية - على نهج ما اشتاق لهم النبي r عندما قال [ واشوقاه لإخواني .. ثلاثا ]، وأعلن ذلك إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه  أيضا من باب الوراثة المحمدية فقال :

بشرى لنا اشتاق الحبيب لذاتنا      وتمنى  يرآنا  بقول   صراح

إخوانه  والناصرون  لدينه      والمرشدون لحضرة الفتاح

وكبيرهم وصغيرهم وصديقهم      سر الإخوة من رضا  وسماح

يا سيدي خصصتنا  بأخوة      ناولتنا من  حوضك الفياح

شكرا لذاتك  يا حبيبي دائما      شكرا وشكرا زائدا إيضاحي
ولكي نكون من أهل العلم والمعرفة، فلا وصول إلى ذلك إلا بحفظ الأصول، ومن حفظ الأصول أكرمه الله تعالى بحقيقة الوصول، والوصول الذي أعنيه هو وصولك إلى معرفة نفسك وما فيك من أسرار وأنوار ربك، وإذا كاشفك ربك بما انطوى فيك من غيوب المعاني تراءى لك الملكوت وأصبحتَ بيننا ببدنك وحقيقتك الروحانية في السماء، عند هذا الحد تصبح من أهل العلم والمعرفة وتؤذنُ بالدلالة على الله وتدخل في دائرة الصحبة التي يقول فيها رسول الله r [ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ] (أخرجه الدارمي). والصحبة لها شروط أهمها الحضور القلبي الدائم مع الخبير القرآني الصادق{ الرحمن فاسئل به خبيرا } (الفرقان:59) {ولا ينبئك مثل خبير} (فاطر:14)، فهو مظهر هداية من الله تبارك وتعالى، وتتوالى الإمدادات والفوائد من وراء حجاب، وتكرم بالإشراقات الروحانية بسر صلتك القلبية به.

وأنت إذا أكرمت بمعرفة أصلك : من البداية القريبة التي هي الماء المهين، إلى بداية الطين، إلى حيث كنت عدما بحتا، إلى وجودك في العلم الإلهي .. فهذه الأصول تعكس أنوار البدء عليك وأنت هنا، فتترجم بلسان الروح وتتحرك بيننا كالنجوم في فلكها، ولهذا عبر النبي r في حديثه السابق ذكره عن أصحابه بالنجوم لعلو مقاماتهم وسمو منازلهم وإشراقات أنوارهم. والنجوم أيضا لا تظهر أضواءها إلا في ظلمة الليل، فمعنى هذا أن الصحابة كالنجوم المشرقة في سماء الدلالة على الله تعالى ولا تظهر إلا في ليل الجهاد وليل الغفلة. والنجم في السماء يشير إلى الإتجاه الصحيح للساري لأنه محتاج إلى دليل وهادي، والنجم في السماء دليل هداية في البحر مع وسعته وفي الصحراء مع التيه فيها إذا لم يتيسر الدليل .. قال تعالى { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } (الأنعام:97) وقال تعالى {وعلامات وبالنجم هم يهتدون }، وأعلام الهداية هم العلماء العاملون المتبعون لحضرة المصطفى r وبالإخلاص بحقيقة الصفاء والوفاء بنور الإقبال وبسر القبول، قال r [ إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة ] (أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين)، أنفاسهم نفائس لأنهم عادوا إلى البدء بيانا إن لم يتيسر لهم العود عيانا، والكشف البياني كالعيان ما دام عن طريق مخبر صادق، وأعيد قول الإمام عليٌ كرم الله وجهه ( لو كشف الحجاب ما ازددتُ يقينا )، والمقصود أنه يرى كل شيء كما وصفه له رسول الله r ، ولهذا أيضا يقول أهل الإيمان يوم القيامة { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } (يس:52).

وإذا أردنا أن نصل إلى هذا فعلينا أن نفقه قول الله تبارك وتعالى في حديثه القدسي [ من طلبني وجدني، ومن وجدني عرفني، ومن عرفني عشقني، ومن عشقني قتلته، ومن قتلته كنت ديته ] (ورد في الأثر) والقتل هنا قتل معنوي بسيف الحب والعشق، ويطلب له ديـة، فإذا أصبح ربك هو ديتك بعد اجتيازك لهذه المقامات المذكورة مع التقرب إلى الله يالنوافل وحسن أدائها، فتكون الدية أن يتجلى عليك بالسمع الحقي والبصر الحقي واللسان الحقي بالنزاهة والتنزيه، واسمع للحديث القدسي [ ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإن سألني لأعطيَنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ] (أخرجه البخاري). الطريق واضح، والوصول بحفظ الأصول بعد العلم بها، وأكرر ما أقول : بعد العلم بها. والأصول عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق.

وإذا صدق العبد مع ربه ومع نبيه، ووجد الأخ الصالح الصادق الذي يذكره إذا نسي ويعينه إذا ذكر ويرشده إلى ربه وإلى حضرة نبيه، بهذا ترتفع الحجب - ومعنى حجاب العين أن العين تستعمل والعياذ بالله في النظرة المحرمة فتكون محجوبة عن شهود أنوار البصير سبحانه، ولو رفع الحجاب عنها لأبصرت بالبصير لترى ما لا يبصر بالعين المجردة ورأت ما وراء المادة وهو ما يسمى بالجلاء البصري والشفافية فينظر بنور الله ، وحجاب الأذن استعمالها والعياذ بالله في التجسس بغير الحق وفيما يغضب الحق ولكنها إذا أكرمت ورفع عنها حجابها وهو غطاء الحظوظ والأهواء والشهوات سمعت بالسميع ما لا يمكن سماعه بالأذن المحدودة ، وكذلك باقي الجوارح، والحقائق الباطنة، فحجابها بعدها عن نور الكتاب وأضواء السنة.

سيدنا موسى مع العبد الصالح :

لنا في قصة العبد الصالح مع موسى الكليم عليهما السلام في سورة (الكهف) عبرة لمن أراد أن يذكر أو أراد نشورا، لأن طالب العلم الصادق في طلبه يجمله الله تعالى بجمالين :

(1) أن يرزقه الله الأدب مع المعلم.

(2) أن يوفقه سبحانه للعمل بما يعلم فيورثه علم ما لم يكن يعلم.


الإتباع :

أساس الإتباع الاجتماع، فالطريق اجتماع فاستماع فاتباع ورغبة من التابع للمتبوع. والمتبوع هو الخبير الرحماني أو الولي المرشد كما أخبر القرآن، فهو الأستاذ وهو المعلم، فتتحقق بهذا الإتباع السعادة في الدين والدنيا والآخرة، ولهذا جعل الله اتباعنا لرسول الله r بالصدق وبالإخلاص سببا في ارتقائنا إلى مقام المحبوبية ومنزلة المغفرة، فقد أتى نفر من المدينة وقالوا إنا قوم نحب الله ، فأنزل الله تعالى قوله { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (آل عمران:31)، والمحب على خطر فقد يحب ولا يحب. وعلى هذا فإن أساس الإتباع رابطة المحبة بين المتبع والمتبوع، ولا بد من وجود الخبير القرآني ليصح الإتباع لأن الأدعياء في كل زمان كثيرون، بل يوجد في دنيانا أدعياء للنبوة. وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلا عليا في قرآنه بين لنا فيه الطالب والمطلوب، واختار لنا تابعا عظيم الشأن جليل المكانة، حتى لا يتعالى واحد من الناس في أي زمان عن طلب المعرفة من الخبير القرآني، لأن الطالب في آيات القصة نبي ألبسه الله حلة النبوة، وهو رسول بعثه الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه الألواح وتفضل عليه بالتوراة، وهو من أولى العزم من الرسل أي من صفوة الرسل، وفوق ذلك منحه الله مقام المكالمة، وهو سيدنا موسى عليه السلام، وأثبت الله هذه الحقيقة في آيات من قرآنه، والذي دله على طلب العلم من الخبير هو الله تبارك وتعالى.

والمتبوع وصفه الله لموسى بأنه عبد فقال تبارك وتعالى {عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما } (الكهف:65) وهو المشهور عند العلماء باسم ( الخضر ). وسيدنا موسى مع سمو منزلته وعلو مقامه فإن الله يدله على عبد من عباده آتاه الله العلم والحكمة والرحمة وفصل الخطاب. ومن واقع هذه الآية نجد أن الرحمة آتاها الله للخضر عليه السلام من مقام العندية { آتيناه رحمة من عندنا..} والعلم الذي أعطاه الله له من مقام اللدنية  {..وعلمناه من لدنا علما}. ومقامات القرب تنحصر في ثلاث مقامات : مقام المعية بدرجاتها، ومقام العندية بمنازلها، ومقام اللدنية بمراتبها، والفرق كبير جدا بين مقام العندية ومقام اللدنية. وقد تفضل الله على الأمة المحمدية لأجل حبيبه المصطفى r فتجلى عليها بالرحمة وبالعلم من مقام اللدنية سر قوله تعالى { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } (آل عمران:8) وقوله تعالى { واتقوا الله ويعلمكم الله }(البقرة:282) وهو العلم اللدني الذي ا واسطة فيه بين العبد وربه.

الثلاثاء، 7 يناير 2014

- عقبات السالك فى طريق الله

- عقبات السالك فى طريق الله
قال الشيخ رضوان الله عليه: إن العقبات التي تقف أمام السالك في طريق الله تعالى ثلاث:
أولا: الشهوات:
وهذه الشهوات تتمثل في حب النساء من أجل غريزة الجنس والاستمتاع بهن. دون النظر إلى ما وراء ذلك من المعاني النبيلة التي أمر الله ورسوله أن نحب النساء من أجلها وحب الأولاد من أجل العصبية والافتخار والتكاثر بهم من غير اكتراث بالحكمة من هذا الحب وحب الذهب والفضة من أجل كنزهما أو الإكثار منهما والتعالي بهما على الناس.
وحب الخيول المطهمة وما في حكمها من المركبات والسيارات من أجل الزينة والتباهي والمتعة الجسمانية وليس من أجل الله ورسوله.
وحب تملك البهائم والأنعام من أجل الثراء العريض والاستئثار بخيراتها وحب تملك الأرض والحيازات، وكذلك العمارات وما شاكلها من المؤسسات والمصانع والمزارع من أجل إشباع رغبة النفس وإمتاعها بهذه الغريزة فهذه الشهوات وما يدور حولها ويتولد عنها تعتبر عقبات في طريق السالك إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن انشغال القلب بها، واهتمام النفس بشأنها، ومزاحمة الناس في طلبها يشغل الإنسان ويلهيه عن ذكر الله وعن طاعته والتقرب إليه جلَّ جلاله، أما الاكتفاء بما رزق الله منها فإن ذلك يريح السالك ويفرغ قلبه إلى طلب مرضاة الله ورضاء رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعني بذلك أن يتهاون المؤمن في العمل والإنتاج والإجادة والإتقان فإن هذا من روح الدين وأساسه والفرق واضح بين الشهوات وبين الجد والنشاط.
ثانيا: الحظوظ:
وهي كل ما تحظى به النفس البشرية وتفرح به من زهرة الحياة الدنيا والحصول عليها بالفعل، فالحظ هو نصيب الإنسان الذي يأخذه ويناله من الشهوات التي أحبها وتمنتها نفسه، وذلك مثل اشتباه النفس للتفاح، فقد لا يحصل الإنسان عليه ويظل يشتهيه فإذا ما حصل الإنسان عليه يكون قد أخذ حظه ونصيبه من هذه الشهوة وكذلك باقي الشهوات التي ذكرناها في اليد الأول.
ثالثًا: الآمال:
وهي الأشياء التي يرغب فيها الإنسان، ويتمناها مثل حب السلامة والعافية وحب الخلود والبقاء في هذه الدنيا وحب الجاه والمراكز والسلطان وحب السمعة والمجد والمحمدة عند الناس، فهذه كلها آمال تؤثر تأثيرًا مباشرًا على قلب السالك الذي يرجو لقاء ربه ويرجو رضوان الله الأكبر ويرجو معية رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الدنيا والآخرة وإلى كل هذه النقاط الثلاث يشير الإمام أبو العزائم رضي الله عنه بقوله:
إن الطريق مَراحل هي شهوة       حظ وآمال بنص كتـــــــــــــاب
فوق الرواحل همة علمٌ بــــــه       ينجو من الشيطان من مرتاب
وعلى ذلك فإن السالك في طريق الله تعالى يجب عليه، أن يتسلح بالهمة العالية والعزيمة الصادقة والإرادة القوية، وأن يتسلح بالعلم النافع الذي يكشف له عن مراحل الطريق إلى الله تعالى، وعن العقبات التي تواجهه وتعترض طريقه حتى يقتحم تلكم العقبات وهذه الحواجز القوية، كما أنه يجب عليه أن يستعين بالرفاق الأمناء والإخوان المخلصين من أجل ذلك أيضًا فإنه بذلك يكون حريًا ببلوغ مقاصده والوصول إلى مطالبه التي خلقه الله من أجلها، وتعبده الله بها، واستعمله فيها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كذلك يجب على السالك أن يتقن العلوم الكونية التي تدفع المسلمين إلى الرقي والازدهار في مجالات الحياة الدنيا فإن ذلك من العلم النافع الذي أمر الله بتعليمه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ملاحظة

الشهوة هي الشيء الزائد عن حاجة الإنسان أما ما يحتاج إليه فهو ضرورة لحياته وبقائه وذلك أمر أوجب الشرع تحصيله والانتفاع به والمحافظة عليه فإذا أخذ الإنسان حاجته من الطعام ولم يكتف بها واستمر في الأكل فإنه بذلك يشبع شهوته ويرضي نفسه وهى لا ترضى كذلك في كل ضرورة من الضرورات إذا لم يكتف الإنسان بحاجته منها فإنها تنقلب إلى شهوات يرتكس فيها الإنسان ولا يستطيع الإفلات منها إلا بالمرض أو الموت وتعالى إلى حب النساء فإذا أحببت امرأة لتتزوجها فلا ضير في ذلك أما إذا أحببتها لتتسلى بها أو تمتع ناظريك بها أو تغرر بها فذلك هو الإثم الكبير الموبق في نار جهنم وهكذا باقي الشهوات التي جاءت في قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾، [14، آل عمران ].
منقول من كتاب بريد الى القلوب
لفضيلة الشيخ محمد على سلامه
وكيل وزارة الاوقاف ببورسعيد

الاثنين، 9 ديسمبر 2013

- حكم الترضى على غير الصحابة

الترضي عن الصحابة المقصود به هو الطلب من الله تعالى أن يرضى عنهم، فقولك ( ‏رضي الله عنه) جملة خبرية تفيد الدعاء، كقولنا: صلى الله على محمد فهو في معنى اللهم ‏صل على محمد، وعليه فيجوز الدعاء وطلب الرضى من الله لكل مسلم؛ وإن لم يكن ‏صحابياً، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء لقول الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ‏الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ‏الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة:7،8]‏.
جرى عمل جماهير العلماء عليه، فيترضون على سلف هذه الأمة من غير الصحابة، ومن ‏مشايخهم وأهل الخير والصلاح في كتبهم ومخاطبتهم.‏
وقال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني: ( ما قاله ‏جمع من العلماء أنه يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين ومن بعدهم،
قال النووي في المجموع: ( يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم ‏من العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: رضي الله عنه
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل

الخميس، 5 ديسمبر 2013

- من سيرة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

- من سيرة الشيخ فوزى محمد أبوزيد
علامات على الطريق - من سيرة الشيخ فوزى محمد أبوزيد
هذا فضل اللَّه
علامات على الطريق
من سيرة الشيخ فوزى محمد أبوزيد
البداية - البحث عن العارف - معرفة الإمام أبى العزائم رضي الله عنه - البحث عن المعرفة- العثور على الرجل الحي - البداية الصحيحة للسير إلى الَّله - فى صحبة الشيخ رضي الله عنه - استلام الراية - إكمال المسيرة والفتح الوهبى فى الدعوة – جمع التراث العلمى والدعوى للشيخ وتفريغه – الدعوة على شبكة الإنترنت -الدعوة والهدف
وأما بنعمة ربك فحدث
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين
أيها الأخوة الكرام! أحباب النبى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، فامتثالاً لأمر الله فى كتابه الكريم فى قوله عز وجل :
(وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (11الضحى)
ونزولاً على رغبة الكثيرين من الإخوان والمحبين والمسلمين؛ أكتب شيئاً من سيرتى السلوكية فى طريق القوم تحدثاً بفضل الله تعالى علىَّ ومنته، فكل هذا من فضل الله عز وجل علىَّ وإنعامه وإكرامه، ولذا أسميت هذا السيرة " هذا فضل الله"، وأنا فى هذا يا إخوانى الكرام؛ إنما اتَّبع نهج الصالحين لأن أكثرهم خطوا سيرة حياتهم بأيديهم لمن بعدهم، فكشفوا عما عايشوه عياناً بياناً، ولم يتركوا غيرهم يحكي عنهم نقلاً ولا سماعاً، فأبانوا للقاصدين عن دقائق سيرهم ومجاهداتهم وأنوار أفعالهم وأحوالهم التى بلغهم الله تعالى بسرها المنازل؛ فلا تكون سيرتهم من بعدهم نهباً لتآليف المنتفعين! ولا مرتعاً لأدعياء المتصوفين! ولا مبالغات المحبين!! وهم فى هذا كله قد تجرَّدوا عن رؤية ذواتهم ومدح أفعالهم، لأنهم لم يشهدوا إلا بالحق القاطع تنفيذاً لأمر الله المانع فى الكتاب الجامع فى قوله تعالى فى (283البقرة):
( و لاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ )
فكانوا فى سردهم لمجاهداتهم وأحوالهم ومشاهداتهم ومنازلاتهم ومكافحاتهم مسترشدين فى كل لمحة ونفس وأقل بقول الحق تبارك وتعالى فى كتابه الكريم :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ , كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (2-3 الصف)
ومهما عجبت مما يقولون! أو صعب عليك استيعابه أوعسر فهمه أو هضمه فاعلم أنهم جعلوا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم نصب أعينهم ولم يحيدوا عنه قيد أنملة:
{ إِنَّ أَفْرَى الْفِرَى مَنْ قَوَّلَنِي مَا لَمْ أَقُلْ، وَمَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَا }
فلولا أنه حق صراح ما قالوه ولولا الحاجة لكشفه ما حكوه، وما خفى كان أعظم!، فإن عجبت من شيىء ذكروه فلا تعجل بنقدهم ولا انتقاصهم! ولكن عد باللوم على نفسك ولا تقدح فى حقهم، فإنهم لم يصدر عنهم قول إلا عن نور حق بيِّنٍ شهدوه؛ لا مجال فيه للنفس ولا للوهم أو التوهم ولا الخيال.
وممن نهجوا هذا النهج فكتبوا سيرهم بأنفسهم للذكر لا للحصر:
الإمام المحاسبى فى كتابه: "النصائح الدينية"، والإمام الغزالى فى كتابه: "المنقذ من الضلال"، و إبن الجوزى فى كتابه: "لفتة الكبد إلى نصيحة الولد"، والإمام ابن حجر العسقلانى فى كتابه: "رفع الإصر عن قضاة مصر"، و محمد بن طولون الدمشقى فى كتابه: "الفلك المشحون فى أحوال محمد بن طولون"، والإمام الشعرانى فى كتابه الشهير :" لطائف المنن والأخلاق فى التحدث بنعمة الله على الإطلاق"، وغيرهم وغيرهم … رضى الله عنهم أجمعين، فأنا على نهجهم رضي الله عنهم أكتب هذه الشذرات المختصرة ليكون فيها بفضل الله بعض العون والعبرة لمن يرغبون سلوك طريق القوم ويريدون أمثلة حديثة أمامهم!.
ويعلم الله منى أنِّى أرى نفسى أقلَّ من أن أكون نموذجا أو قدوة للسالكين! أو أن أقف بجوار من ذكرت من السابقين المفلحين! ولكنه إلحاح الإخوة المحبين! وإصرار الأحباب الكرام أجمعين! أسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لى مالا يعلمون، وأن يجعلنى أحسن مما يظنون فهكذا علمنا الحبيب الأعظم أن نكون، كما أنِّى أسأله سبحانه وتعالى أن يقيمنى دائماً وأبداً على خير حال يحبُّه الله ورسوله والمؤمنون.
مع وعد بعود حميد إن شاء الله لإكمال هذه السيرة وإخراجها فى كتاب منفصل كما يرغب إخوانى، وكما تقضى أمانة العلم والشهادة على ما ربَّانا عليه ساداتنا ومشايخنا، والله المستعان وبه بلوغ الإخلاص والتوفيق فى كل شان.
إبدأ بسم الله الرحمن الرحيم، فاقول ولدت ببلدة الجميزة مركز السنطة بمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، يوم الإثنين الثامن عشر من أكتوبر 1948م، الموافق للخامس عشر من ذى الحجة 1367هـ، وتلقيت تعليمى ببلدتى وبالمركز حتى حصلت على الثانوية العامة، ثم التحقت بكلية دار العلوم بالقاهرة سنة 1966م، ومنها حصلت على ليسانس دار العلوم سنة1970 م.
ثمَّ عملت بالتربية والتعليم بصعيد مصر أولاً، ثم تنقَّلت وترقَّيت حتى وصلت إلى منصب مدير عام بمديرية طنطا التعليمية، ثم تقاعدت سنة 2009م، وما زلت أقيم حتى الآن ببلدتى بالجميزة، وقد منَّ الله تعالى على بفضله واستعملنى فى مجال الدعوة إليه سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة منذ ما يقرب من الأربعين عاماً والحمدلله على فضل الله وتوفيقهالبداية
وأنا فى السنة الثانية من كلية دار العلوم – جامعة القاهرة- وكان ذلك فى عام1967م، حبِّبت إلى العبادة، وخاصة الصيام وتلاوة القرآن والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ، وأكرمن الله بالمحافظة على الفرائض فى أوقاتها فى جماعة.
واستأنست فى تلك الفترة ببعض الكتب الدينية محاولا جهدى أن أقرأها لأعمل بها، وكانت البداية هى كتاب) تنبيه الغافلين (لأبى الليث السمرقندى ، ثم كتاب) بداية الهداية (للإمام الغزالى وهو مطبوع على هامش كتابه) منهاج العابدين( والذى وضع فيه رضي الله عنه .منهاجا كاملا للفرد من وقت يقظته من نومه حتى نومه ثانية بعد صلاة العشاء .
وقد أكرمنى الله عز وجل بتنفيذ ما فى هذا الكتاب، بالإضافة الى صيام يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع والأيام الفاضلة كأيام العشر من ذى الحجة ويوم عاشوراء وغيرها، وكذا حبِّبت إلى الصلاة على النبى ، فكنت أواظب على قراءة كتاب) دلائل الخيرات (للإمام الجزولى وكتاب ) أنوار الحق فى الصلاة على سيد الخلق (للشيخ عبدالمقصود سالم .
وكنت أجد لذة عظيمة فى الصلاة علي النبى صلى الله عليه وسلم فى طريقى بصيغ كان يلهمنى الله عز وجل بها، حتى كنت أفرُّ ممن أعرفهم فى الطريق لكى لا يشغلونى عن تلك اللذة العظيمة، كما جعلت لى حزبا من الصلوات والتسليمات عليه صلى الله عليه وسلم أقرأه فى منتصف الليل قبل النوم، فكنت أقرأه فى سكون الليل ووحشته وأحسُّ بأنس عظيم يجعلنى أستحضر أنه صلى الله عليه وسلم سيحضرنى ويمكننى من رؤيته،وأنام على هذه الكيفية وأنا منتظرٌ ومترقِّبٌ لمجئ حضرته، فأكرمنى الله عز وجل برؤيته صلى الله عليه وسلم مرات عديدة.
وقرأت وقتها كلاماً منسوباً للإمام الغزالى ومقتضاه: أن العبد إذا واظب على الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأنس به ويراه، ثم تعلو همته بكثرة الصلاة عليه فإنه صلى الله عليه وسلم يصير شيخه ويوجِّهه في منامه أو في يقظته إن كان من الأقوياء وأن مثل هذا لا يحتاج إلى شيخ آخر، وصادف هذا الكلام هوى في نفسي وعزمت على السير في هذا المنهج إلى منتهاه.
البحث عن العارف وبركة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وفي ذلك الوقت كان الصالحون ومحبوهم يتجمعون حول العارفين المنتقلين، وخاصة في موالدهم وكنت أتردَّد على تلك الموالد بحثاً عن الصالحين للتعرف عليهم وزيارتهم، وأيضاً كنت أتردَّد على الأضرحة المباركة بدعوة من أصحابها، فكنت أرى نفسي في ضريح أحد العارفين ربما لا أعرفه من قبل فأذهب إلى زيارته.
وفي مرة إلتقيت برجل من الصالحين هو الشيخ حسن شعبان ، وأثناء تجاذبنا الحديث سألني: هل لك شيخ؟، فقلت: نعم، شيخي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: هذا لا ينفع عندنا (أي عند أهل الطريق) من لا شيخ له فالشيطان شيخه!!
فكانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التى حركت ما كمن في نفسي من حبِّ الإتصال بالعارفين تحقيقاً لقوله تعالى (119 التوبة) :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ )
وهكذا انتقلت بفضل الله تعالى إلى المرحلة التالية فأصبحت كلما سمعت عن عارف أو صالح ذهبت إليه وعرضت نفسي عليه، فمنهم الشيخ "أحمد حجاب" رضي الله عنه الذي قال لي: "هو أنا شلت نفسي لمَّا ها شيل غيري"!!
فخرجت من عنده حزيناً، ولم أكن أعلم وقتها أن الأولياء قسمان، وليُّ مرشدٌ وهو الذي يقيمه الله عز وجل لدلالة الخلق عليه، ووليُّ لنفسه وهو الذي يقيمه الله لعبادته وطاعته.
ولما كانت الكلية بحي المنيرة بالقاهرة في ذلك الوقت بالقرب من السيدة زينب رضي الله عنها، فكنت أتردد على السيدة زينب كثيراً وأسأل عن الصالحين، فذهبت إلى الشيخ عبدالمقصود سالم ، وعرضت عليه صحبته، فقال لي: هل تزوجت؟ ، فقلت: لا، فقال: عندما تنهي دراستك وتتزوج إئتني !!
فتعجبت لأني كنت في حال لا أحسُّ فيه بأن هذا الأمر عائق عن السير إلى الله، فقلت على الفور: وهل سيدنا عيسى تزوَّج؟ فأجابنى: لسنا كسيدنا عيسى.
وبعد بحث جهيد مع الصادقين من رجال الله تارة، ومع البطالين في طريق القوم، والذين هم في نظرنا قطاع طريق للخلق، ولذا لا نجد داعياً لذكرهم ..
ذهبت في المولد الرجبى لسيدي أحمد البدوي بطنطا لزيارة الشيخ إبراهيم حسين عمّار بعد ما سمعته عنه، وعندما صافحته وجلست أمامه، أخذ يتأملني ثم أثني عليَّ وطلب مني أن أكرر زيارته، ففعلت وتوثقت عرى المحبة بيننا ومكثت معه سنتين كانت فيهما التربية الروحية الأولى لي.
وكان الشيخ إبراهيم حسين رضي الله عنه رجلاً صاحب حال، وهو قطبٌ للمقام العيسوي، فكان يضع يده على ظهري ويربِّت بها فأحسُّ بحرارة الحال تنتقل إلىَّ، وقد ورثني الله عز وجل ببركته أحوالاً باطنية حتى كنت لا أطيق أن أحرك لساني لإستماعى بوضوح إلى الذكر الذي ينشغل به جناني! إلى درجة أني كنت عندما أركب المواصلات في طريقي إلى الكلية، لا أحسُّ بأجساد من حولي رغم شدة الزحام ولصوقها بي لما أنا مشغول به.
وكان هذا حال طيبٌ، ولكنه كان سيؤثر عليَّ تأثيراً سلبيَّاً لولا أن تداركتني عناية الله عز وجل ، فقد قوَّى هذا الحال عزمي على التفرغ للعبادة، ونويت فعلاً ترك الدراسة والبحث عن مكان منقطع أتفرغ فيه لعبادة الله عز وجل لما أجده من لذة في العبادة، لولا أن تداركتني عناية الله بمعرفة الإمام أبي العزائم رضي الله عنه .
معرفة الإمام أبى العزائم رضي الله عنه

وفي غضون ذلك كنت لا أكفُّ عن قراءة كتب الصالحين وآثارهم... وبينما أنا في جلسة مع نفر من محبي الصالحين، ذكروا لي نبذة عن طيبة عن الإمام أبي العزائم وعن خليفته القائم في ذلك الوقت، وهو ابنه السيد أحمد ماضي
أبو العزائم، وبعد انصرافي نمت في تلك الليلة فرأيت السيد أحمد ماضي أبو العزائم جالساً على كرسيه الخاص به، ولم أكن رأيته من قبل.
وعندها استخرت الله عز وجل في زيارته، فرأيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذ بيدي وطاف بي العوالم العلوية ثم هبط بي على الأرض، وأدخلني على الإمام أبى العزائم وقال لي: تعرف من هذا؟، فسكت تأدباً معه صلى الله عليه وسلم فقال صلوات الله وسلامه عليه: هذا شيخك، فعلمت أن هذا إذن منه صلى الله عليه وسلم بالانتقال، فتوجهت إلى السيد أحمد وكان عنده نفر من الإخوان فانصرفوا سريعاً، وبقيت أنا وهو، فبايعته ولزمت طريق أبيه رضي الله عنه .
البحث عن المعرفة
ولما كان الشيء الذي يؤرقني ويدفعني إلى البحث عن الصالحين هو كيفية معرفة الله عز وجل المعرفة الشهودية، وذلك لا يتأتى إلا بانكشاف أنوار البصيرة النورانية، فكان أول سؤال أطرحه على كل عارف ألتقي به هو: كيف تنفتح البصيرة؟ وكان كل واحد منهم يجيبني على حسب منهجه ومشربه. 
ولما دخلت رياض المدرسة العزمية وجدت فيها طريقة التربية تختلف من فرد إلى فرد، فقد ربَّى الإمام أفراداً على نهج الدعوة الصوفية الحقة، وأذن لهم في الإرشاد، فكانوا يجوبون البلاد ويلتف حولهم الصادقون ويحيط بهم المطلوبون، ولكل واحد منهم نهج خاص به؛ وفي ذلك يقول الإمام رضي الله عنه : { الوسعة تقتضي التفاوت }، فوسعة المرشد تقتضي تفاوت مشارب ومشاهد السالكين، فكان أن أقبلت على بعض هؤلاء الهداة أطلب الحصول على بغيتي، وهي فتح باب البصيرة.
وكان أول من تلقَّيت منهم الشيخ طاهر محمد مخاريطة فتعلقت به لأن الله وهبه لسان بيان الإمام أبي العزائم، ومن شدة تعلقي به وقد كنت مواظباً على حضور دروسه في أى مكان، أنى كنت أحفظ الدرس من أوله إلى آخره وأعيده على إخواني بعد رجوعي بقاله وحاله، وكأنه شريط مسجل. 
وكان له الفضل علىَّ إذ حثّني على الإقبال على دراستي حتى الإنتهاء منها ثم بعد ذلك يكون الإقبال بالكلية على طريق الله، ولما كاشفته برغبتي ومنيتي، دلَّنى على الأوراد العزمية من الأحزاب والفتوحات الخمسين في الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واللطائف البرزخية وغيرها حتى أنه لما وجد نهمي في ذلك وأن كل ما وظَّفه لي لا يشبع رغبتي، قال لي: كل الأوراد مفتوحة لك ومعك الإذن فيها.
ولما كان من شروط السلوك الصحيح الذي يعقبه الفتح عند الصوفية أن المريد لا يفعل ورداً إلا بإذن من شيخه؛ حيث أن الإذن يفتح له باب الإمداد ويجعل روح الشيخ تلاحظه فتحفظه من العقبات الخفية والوساوس النفسانية، فقد فرحت بهذا الإذن وأقبلت على الأوراد بهمَّة لا تكلُّ، غير أن هذا لم يشف غليل نفسي، وكان قول الإمام أبي العزائم: 
أبداً إلى هذا الجناب حنيني ... لا صبر لي حتى تراه عيوني
يرنُّ في أذني دائماً مما حدا بي أن أكشف هذا الأمر للشيخ محمد شحاته هنداوي ، فقال لي: الذي يفتح البصيرة هو ذكر الله عز وجل ، ولكنه لم يبين لي كيفية هذا الذكر ولا طريقته، فعرضت الأمر على رجل آخر من الدعاة وهو الشيخ قطب زيد ، فأجابني إجابة فهمت منها أنه يريد صرفي عن هذا الأمر، وأن يكون كلُّ همي هو الإقبال على مجالس الإخوان وتبادل الزيارات وقراءة الصلوات في الجماعة.
هذا ولم يكن يعجبني بعض مفاهيم راجت وسط جموع الإخوان في ذلك الوقت ... حيث أنهم كانوا يروِّجون فيما بينهم أن هذه الأذواق العالية ... والأحوال الراقية ... والمشاهد السامية ... إنما هى أذواق وأحوال ومشاهد قاصرة على الإمام أبي العزائم رضي الله عنه فقط!!، أما الباقون .. فيكفيهم أن يحبُّوه ويقبلوا على الأوراد والمجالس! ولا يكلفون أنفسهم هذا الأمر! .. ويؤيدون دعواهم أن هذه الأشياء تنال بفضل الله فقط! وليس للمجاهدات فيها شأن.
وكنت أرد عليهم بما سمعته منهم من أحوال الإمام أبي العزائم وغيره من الصالحين ومجاهداتهم الفادحة في ذات الله عز وجل ، وفي أن اصطفاء الله عز وجل لم يتوقف وفضله سبحانه وتعالى واسع وغير محصور ورحمته عز وجل واسعة تسع كل من اهتدى وأناب، وقد قال سبحانه وتعالى فى (75 الحج):
( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ )

فكلمة يصطفي بصيغة المضارع تدل على دوام هذا الأمر إلى يوم القيامة. 

البداية الصحيحة للسير إلى الله
وكان من فضل الله عز وجل علىّ أن أكرمنى بصحبة أخي الشيخ أحمد حسن غرباوي الذي أخذ بيدي إلى الطريقة الصحيحة لتهذيب النفس وصقلها وتكميلها بالآداب العالية الواجب اتباعها عند الدخول على الشيخ أو مصاحبته، وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم:
{ على السالك في طريقنا أن يصطفي له أخاً صادقاً سبقه في صحبة الشيخ يتأدب بأقواله، ويتهذب بأفعاله، ويأنس بأحواله، حتى يُدخله على حضرة المرشد ويكشف له عن جمالات وكمالات المرشد، لأن المرشد في ذاته عبد ولا يتحدث عن نفسه }
وكنت وأنا في غمرة تلك الأحوال أتطور سريعاً في الأحوال الروحانية وأشعر بشوق شديد إلى لقاء الشيخ رضي الله عنه ، إلى أن حانت الفرصة ونزلنا لقضاء إجازة العيد، فذهبت تواً للقاء الشيخ ثاني أيام عيد الفطر المبارك.
وكان هذا أول لقاء بيني وبين الشيخ، واستهله رضي الله عنه بعد سؤاله عن الإخوان بأن حكى لي قصة الرجل الذي عزم على زيارة الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه ، وأثناء سيره إليه وجد عابداً يسكن في كوخ صغير بالقرب من ساحل البحر، فعرّج عليه ليتعرف عليه وعرف منه أنه يصوم النهار أبداً ويقوم الليل أبداً!!
فلما سأله العابد عن وجهته؟ عرفه أنه متجه لزيارة الشاذلي فطلب منه أن يسأله الهاء له، فسار الرجل في طريقه حتى وصل إلى الإسكندرية، ونزل على القطب أبي الحسن فوجد من خيرات الله الحسّية والمعنوية، مالا يحيط به الوصف.
وبعد قضاء مدة الضيافة، استأذن الشيخ في السفر فسأله الشيخ: ألم يكلفك أحد بشيء؟، فحكى له ما دار بينه وبين العابد، فرفع يديه وقال لأصحابه: إني داع فأمّنوا: اللهم إنزع حبَّ الدنيا من قلبه؛ فتعجب الرجل! من دعوته.
ثم سافر الرجل راجعاً حتى وصل إلى كوخ العابد، فسأله عن رحلته، فأخبره بها وكتم عنه حياءاً منه ما دعا به الشيخ له، لما يراه من عبادته، ولكن العابد ألّح عليه في معرفة الدعوة التى دعا بها الشيخ له، فذكرها له، فقال: الحمد لله! لقد تعرفت الإجابة وأحسست بها في نفسي منذ ذلك الوقت، فقال الرجل مندهشاً: وما الدنيا التى عندك؟ ، فقال: أنا أصوم النهار، فإذا دنا المغرب ذهبت إلى البحر لأصطاد شيئاً أفطر عليه، فكان الله عز وجل يخرج لي كل يوم سمكة واحدة، كأنها بعينها التى أتحصّل عليها كل يوم، ومهما اجتهدت في الحصول على غيرها لا أستطيع!!.، فكنت كل يوم وأنا ذاهب إلى البحر أتمنى بقلبي أن يرزقنى الله بسمكة أكبر أو بأخرى معها؛ فلما دعا لي الشيخ لم أعد أجد ذلك الخاطر في نفسي.
فزادت دهشة الرجل من أحوال الصالحين وعزم على زيارة الشيخ أبا الحسن في السنة التالية، وعندما ذهب إليه فوجئ بأن الأكل غير ما اعتاده فهو صنف واحد في كل يوم في الفطور والغداء والعشاء، وتعجب من ذلك وظن في نفسه أن الشيخ لا يريد إكرامه، مع أنه كان يأكل معه، وأدرك الشيخ ببصيرته النورانية ما يختلج بصدره فقال: "نحن قوم نجود بالموجود، ولا نتكلف المفقود".
فكانت هذه الحكمة هي المفتاح الذي فتح قفل قلبه ووضعه على أول طريق الفلاح، الذي نهايته لقاء الكريم الفتاح. 
وقد أثمر هذا اللقاء مع الشيخ رضي الله عنه عندي عدة أشياء منها: أني فهمت أنى أنا على شاكلة هذا العابد لشغلى في ذلك الوقت بالعبادة...؛ لأن المريد الصادق يأخذ كل حديث للشيخ في الخلوة أو في الجلوة على أنه هو المقصود به!، ولا شأن له في ذلك بغيره،.
ومنها أنى علمت أن المريد لا يصح له وضع قدم في طريق الله عز وجل حتى يخلع الدنيا بالكلية من قلبه، ومنها أنى أدركت أن دعوة الشيخ وقد كررها أمامي ثلاثاً هي لي والحمد لله شعرت بالإجابة من وقتها، فصارت الدنيا لا تساوي عندي قليلاً ولا كثيراً بجانب رضا الله عز وجل . 
أما الدنيا التى كانت عندي، فهى أني كنت أعبد الله عز وجل لأنال آمالاً وقصوداً في نفسي وهى وإن كانت قصوداً راقية لأنها تتعلق بالدار الآخرة والوصول إلى الله عز وجل ، إلا أنها لا تليق بآداب أهل الحضرة الذين يعبدون الله عز وجل لا لنوال عطاء ولا خوفاً من جزاء، وإنما لأنه سبحانه أهلاً لهذه العبادة وهذه طريقة العارفين، حيث يرمزون إلى السالكين بما يصحح أحوالهم في سياق حديثهم حتى ولو كان حديثاً عادياً، وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه :
عنّي اسمعوا ما تعقلون من الكلام
فالعلم بالرحمن من صافي المدام

والعلم بالله العلي غوامضٌ
لا يُفْقهن إلا لصبٍ في اصطلام

خذ ما صفا لك من إشارة عارف
فالعارفون كلامهم يشفي السـقام

وهكذا بدأت السلوك الحقيقي إلى الله عز وجل على القدم الثابت المحمدي في حظوة هذا الولي، وما دار بيننا سأذكر نذراً يسيرا منها فى هذه السيرة تنشيطاً لهمم الأحباب ورفعاً لعزائم الطلاب وإن كان أغلب ذلك لا يليق أن نذكره لقوله صلى الله عليه وسلم :
{ المجالس بالأمانات } 
وقانون أهل الحضرة في مجالسهم: نحن قوم نجلس مع الله، فإذا قمنا من المجلس فكأنما لم نجلس كتماناً للسر، وهذا لأن هذه العلوم والأسرار تحتاج إلى أذواق خاصة فالطريق إليها الحكمة القائلة: "ذُق تعرف".، والإشارة إليها في قول الإمام الغزالي: 
فكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر 
وهي المعنية بقول الإمام أبي العزائم رضي الله عنه .: 
احفظن سري فسري لا يباح
من يبح بالسر بعد العلم طاح

علمنا فوق العقول مكانة
كيف لا وهو الضيا الغيب الصّراح

خصَّنا بالفضل فيه ربنا
ذاك سرٌ غامض كيف يباح
فى صحبة الشيخ رضي الله عنه
وبدأت صحبتى مع الشيخ رضي الله عنه ، وأذكر باختصار شديد أنه عندما أمرنى بالإرشاد وكنت أتوجه بأمره إلى الجهات المختلفة للقيام بوعظ أهلها وإرشادهم، كان يتولى بعد عودتى وفى درسه تصحيح بعض المفاهيم التى ذكرتها، ويعيد توضيحها بما يلائم العصر مع اليسر فقد كنت أنقل عن السابقين آرائهم واستشهد بها فى دروسى، وربما لاأفطن أنها لاتلائم العصر أو أنها تشدد على الناس.
فكان يقول لى منبِّها وهو فى الدرس العام: بعض الناس يقولون كذا، و الصواب الذى يجب أن نقوله للناس هو كذا، ويذكر الأسباب، ومثال ذلك موضوع الموت، فقد كنت أركز فى حديثى عنه عن شدته ورهبته كدأب السابقين، حتى سمعته رضي الله عنه يقول:
يذكر الناس الموت وشدته ورهبته ولا يفرقون فى ذلك بين المؤمنين وغير المؤمنين، وما قالوه حق وواقع ولكن بالنسبة للكافرين والمشركين والجاحدين، أما بالنسبة للمؤمنين فالأمر يتغير، فهو بالنسبة لهم فرح بلقاء الله وسرور بتكريم الله، وجعل يذكر من ضروب التكريم وألوان النعيم التى يتلقاها المؤمن عند موته حتى جعل الحاضرين يحبُّون الموت ويتمنونه. 
وأذكر أنه مما أثار دهشة الكثير من الأخوان أننا كنا ذات مرة فى زيارة فى بلدة الرزيقات قبلى بأرمنت بمحافظة قنا، وقد ذهب رضي الله عنه .لزيارة مريض وذهبت مع الإخوان للمسجد الصلاة ، وبعد الصلاة طلبوا أن ألقى درسا ، فتحدثت معهم شارحا حكمة للإمام أبى العزائم: ( الورثة أربعة، ورثة أقوال: وهم حملة الشريعة الممنوحين، وورثة أعمال؛ وهم العباد الورعون، وورثة أحوال؛ وهم أهل المواجيد الصادقة المحدثين، والرابع الوارث الفرد الجامع )
وشرحت للإخوان الحاضرين الثلاثة الأولى بحسب ماتيسَّر، وهممت بشرح الرابعة، وإذا بأخ يدخل علينا ويقول الشيخ يدعوكم، فقمنا وذهبنا وجلسنا حيث كان الشيخ وبدأ درسه قائلا: الورثة أربعة وسردهم ثم بدأ بشرح الرابع وهو الوارث الفرد الجامع أى من حيث أنتهيت أنا رضي الله عنه .وأرضاه.
واستمرت بنا السنوات، وتوالت الأحداث، ووقع فيها ماشاء الله له أن يحدث، وظهر فيها من الأنوار والأسرار والإفاضات والتأييدات مما لايسعه الذكر أو لا تطيقه العبارة ولاتحمله الإشارة.
وفى أثناء تلك السنين أسس الشيخ رضي الله عنه جمعية الدعوة إلى الله بمصر الجديدة لتكون واجهة رسمية للدعوة الصادقة، وقد أنضم إليها أبناؤه وتلامذته وكنت واحدا منهم واستمرت المسيرة.
وقد كلفنى رضي الله عنه بما شاء فى هذا السبيل من الأمور والمهام ومن شئون الدعوة، وكنت أصحبه رضي الله عنه فى غالب رحلاته الدعوية، وكان الشيخ رضي الله عنه يحيل إلى الكثير من شئون الإخوان واستشاراتهم، وكان رضي الله عنه إذا ما استشاره أحد فى شيىء وسأله: هل سألت أخانا فوزى فى هذا؟ فإن قال نعم ، قال له أعمل ما أشار عليك به !! وربما سأل الشيخ بعضهم: بماذا أشار عليك فوزى؟ فيقول له: كذا، فيقول: نعم هو الصواب، وأخبرنى البعض ممن كان يلازم الشيخ أثناء إقامته ببورسعيد أنه سمعه فى غير موقف يقول لمن يسأله: إذهب لفوزى ففوزى أنا وأنا فوزى.

استلام الراية
ومرت السنون وكان لى مع الشيخ من الشئون ما لا يسعه المجال، وما قد لا يسطر بحال مما ليس له وعاء إلا صدور الرجال......
حتى جاء أمر الله وكان العام 1411هـ، 1991م ، وذهب الشيخ للحج هذا العام وكان على موعد للقاء الله تعالى، وقد صحبته بعد أن أمرنى بالحج حيث كنت لاأنوى الحج هذا العام وقال لى: ومن الذى يثبت الإخوان عند إنتقالى، فكان ماأراد رضي الله عنه .
ولما جاء الأوان الموعود .... .. وفى آخر ليلة قبل انتقال الشيخ وقد مرَّ رضي الله عنه على جميع الإخوان يسلم عليهم فرداً فرداً وكانوا يعجبون لذلك، جاءنا حيث نقيم بفندق أم القرى الحادية عشرة مساءاً، فأحببنا أن يخلد إلى النوم لينال قسطاً من الراحة، ولكنه قال: أحبُّ أن أجلس معكم لحظات، وبدأ رضي الله عنه يسرد ماحدث فى محاضراته التى ألقاها اليوم للحجيج، ويوضح أن هناك أخطاء كثيرة يقعون فيها للجهل بالمناسك، ثم توجَّه إلى وقال: عندما تنزل مصر إن شاء الله اجمع هذه الأخطاء تحت عنوان "أخطاء شائعة فى الحج " وأضفها إلى كتاب حكمة الحج وأحكامه فى طبعة جديدة. 
وفى اليوم التالى كان ما قدر الله، وانتقل الشيخ رضي الله عنه إلى رحاب الله ، ودفناه بمقبرة المعلا بمكة المكرمة.
وهنا عجيبة من ترتيبات القدر أحببت أن أقصها عليكم ، فقد عرفنا لاحقاً أن مقبرة المعلا تقع فى عطفة أو حارة الجميزة بمكة المكرمة ووجدنا يافطة كبيرة بذلك على مدخل المقبرة للقادم من ناحية الحرم واليافطة مازالت موجودة بجوار المدخل، والعجيبة هنا أن اسم حارة "الجميزة" إسم غير مشهور لا بالسعودية ولا بمصر، وهو نفس اسم بلدتى التى ولدت فيها وأعيش بها فى الوقت الراهن وهى بلدة "الجميزة" مركز السنطة بمحافظة الغربية بمصر.

إكمال المسيرة والفتح الوهبى فى الدعوة
وبعد العودة من الحج استكملنا مسيرة الدعوة المباركة كما بدأها رضي الله عنه .، وأسسنا الجمعية العامة للدعوة إلى الله وهى جمعية مركزية، وأصبح لها ما يزيدعن العشرين فرعاَ بجميع المحافظات.
وأكرمنا الله بإخوان صدق أعانونا فى شئون الدعوة، واكملنا المسيرة على نهج الشيخ بعقد لقائين جامعين فى السنة، اللقاء الأول إحتفالاً بالمولد النبوى الشريف، والثانى إحتفالاً بذكرى الإسراء والمعراج، وأضفنا إليه لقاءاً ثالثاً وهو لقاء الإحتفاء بذكرى الشيخ محمد على سلامة رضي الله عنه .
وكنت أسافر بانتظام إسبوعياً تقريباً من بلدتى إلى بلدة أخرى للقاء إخواننا بأهل هذه البلدة يوم الجمعة أو ليلة الجمعة ويومها، كما واظبت أيضاً على اللقاءات السنوية بالصعيد فى أسوان والأقصر وإسنا وسوهاج، وكذا بالمنيا ومغاغة وأيضاً الإسكندرية وبورسعيد وبنها والمنصورة وكفر الشيخ وغيرها، وكل ذلك على نفقتى الخاصة بفضل الله، ومع استمرارى فى العمل بالتربية والتعليم وترقيتى فى عملى واجتهادى لأكون صورة صادقة جامعة فى هذا الزمان بإذن الله، و ذلك حتى إحالتى إلى التقاعد عند بلوغ الستين ومن وقتها وأنا متفرغ تماما للدعوة ليل نهار وهذا فضل الله تعالى وحسن توفيقه ونظرات حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم .
وكان لهذه اللقاءات المطولة بالصعيد والأسبوعية بالبلاد الأثر الأكبر فى ترسيخ الدعوة وطرح أساليب التربية الصادقة على المريدين ... وتفريخ الرجال الصادقين، وقد أظهر الله تعالى لنا فيها من التأييد وافاض علينا من بحور الإلهام مما تعجز عن تسطيره الأقلام، وجمع علينا بفضله من خيرة الأتباع الصادقين المقبلين على ربِّ العالمين مما جدد روح الدعوة وأشاع فيها روح المحبة والصدق والأخوة.
ثم ألهمنى الله تعالى لما ظهرت لى حاجة الدعوة للقاءات المتتالية المنتظمة المنهجية إضافة إلى ما كان يجرى بالفعل، أن نعقد لقاءاً شهرياً جامعا، فكان لقاء المعادى بالقاهرة يومى الخميس والجمعة الأولى من الشهر، يبدأ اللقاء من بعد صلاة العشاء يوم الخميس، ثم صباح الجمعة فالخطبة ويستمر إلى صلاة العصر.
وقد أكرم الله الدعوة بهذه اللقاءات المنتظمة والتى استمرت من يومها فى منتصف التسعينات حتى اليوم فى أن تكون منبرا راسخاً فى التربية الصوفية المنهجية المنتظمة، وترسيخ الدعوة الصادقة إلى جهاد النفس وغيرها من الكثير مما فتح الله تعالى به علينا، فكانت هذه اللقاءات الشهرية على مدار السنوات بمثابة معاهد علمية صوفية شرعية راسخة ، بل واصبحت لقاءاتنا الشهرية اليوم منبراً عالميا يتابعه آلاف المسلمين على الهواء على الشبكة الدولية للمعلومات.
وانتشرت الدعوة وأكرمنى الله ببركة حبيبه صلى الله عليه وسلم فأفاض على من الحكمة وفصل الخطاب مما دعا الكثيرين لإستضافتى بكثير من البرامج المسجلة أو على الهواء بالإذاعة والتليفزيون والقنوات الفضائية ، وقد عرض علينا ومازال الكثير من ذلك ومن البرامج ولكنى كنت ومازلت أصرُّ دائما على ألا أقبل إلا دعوات البرامج التى تدعو للمِّ الشمل، ومحاربة البدع والخرافات، وعدم التجريج أو بلبلة الرأى العام بالأقوال المهجورة، وعدم شن الحروب الدعائية والبعد عن الإثارة وعدم افتعال أو إشعال الخلاف، وتجنب ما يحدث الفتن ويشيع روح التباغض أو الفرقة والتشدد فى المجتمع.
كما أكرمنى الله بالتأكيد على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لإحياء روح الإسلام الحقيقية وإعطاء الشكليات وزنها الحقيقى بلا مبالغة ولا تسيب، وبأن تكون دعوتنا وسطية لا تفريط فيها فى شرع الله ولاإفراط ولا مغالاة.
وفى المقابل فقد جعلنى الله تعالى أنا محبَّ الصوفية الحقة والمتصوفين الصادقين حرباً على كل أدعياء التصوف ومحبى الدروشة والشعوذة والكسل والإختلاط والخزعبلات ومرتزقى أو أرزاقية التصوف، لنعود بالتصوف إلى رحاب الدين الحق وإلى طريق الصدق والإخلاص والإقبال على الله بالعمل والجد ونفع المجتمع أفراداً وجماعات.

جمع التراث العلمى والدعوى وتفريغه
وقد منَّ الله علينا بأخوان صدق فى جميع البلاد يسجلون دروسنا منذ أيام الشيخ وفى حياته وبعد ذلك، حتى جمعوا لنا من ذلك حتى الآن ما يزيد عن الأربعة ألاف شريط من التسجيلات والعشرات من شرائط الفيديو ثم التسجيلات الرقمية والإسطوانات المدمجة فانضم من ذلك المئات إلى ماسبق، ومازال الكثير لم يجمع بعد مما سجِّل بحقبة السبعينات والثمانينات وأوائل التسعينات وجارى جمعه وتفريغه.
وقام من بينهم جماعة من أهل الإخلاص والصدق أفرغوا ما يقرب من الأربعمائة وخمسين شريطاً ، فكتبت وخرجت أحاديثها وآياتها وأكرمنا الله حتى الآن بطباعة تسعين كتاباً فى جميع شئون الدين والحياة والتصوف والطريق إلى الله والحقيقة المحمدية وأكثرها من هذه الشرائط المفرغة وكذا من اللقاءات الحديثة الممنهجة ؛ نسأل الله تعالى أن يعيننا على إخراج ماتبقى للنور لنفع المسلمين والمسلمات إنشاء الله رب العالمين.

الدعوة على شبكة الإنترنت
الخطوة الأولى والثانية:
لما ظهرت حاجة الدعوة لخوض غمار المجال الحديث على الإنترنت أعان الله إخواننا أهل الصدق فأنشأوا لنا موقعاً على شبكة الإنترنت وذلك عام 1999م، وكان موقعاً بسيطاً بقدر ما أتاحته الشبكة وقتها.
ومع تطور تكنواوجيا الكمبيوتر والإنترنت أكرمنا الله عام 2011م وبجهود المخلصين طوَّرنا الموقع للمرة الثانية ليصبح مرجعاً عالمياً علمياً تسجيلياً لجميع رحلاتنا ولقاءاتنا وكتبنا، واجتمعت جدهود القائمين عليه فى الطريق لتفريغ هذا التراث الضخم بالكامل من التسجيلات وكذا تسجيلات الفيديو لتحويلها رقمياً أيضاً، كل هذا مع تبويب الجميع زمنياً ومكانياً، وفهرستها موضوعيا ليسهل الوصل إلى موادها بأي طريق، ونهاية فالموقع كان فى تطويره الثانى يعرض جميع محاضراتنا صوتا، وصورة ناطقة، وكتابة، ويمكن للمتصفح السماع فقط أو قيديو أو قراءة أون لاين، أو التنزيل كتابة أو صوتا أو الفيديو بامتدادات مختلفة، وطبعا احتجنا إلى العديد من عمليات الإصلاح الهارد والسوفت والمعقدة لتحسن جودة التسجيلات القديمة بعد هذا العمر، ثم يزاد على هذا بتخريج الآية والحديث وغيره لإتمام العمل وكتابة التفريغ ومراجعته ثم رفعه بتلك الصور المتعددة.
وقد احتوى الموقع على كم هائل من الإستشارات والأسئلة والفتاوى التى تجمعت عبر هذه السنين الطوال، واحتوى أيضاً على قسم للبث المباشر مكَّن ملايين المشاهدين من متابعة لقاءات الشيخ فى وقتها آنياً، وإضيف للموقع واجهة باللغة الإنجليزية، وتم رفع المواد التى ترجمت وكذا عدد جيد من الكتب.
وقد بلغ عدد التمابعين للموقع ما يزيد عن المليونين وتم تنزيل عشرات الآلاف من الكتب وكذلك المقالات والصوتيات والفيديوهات.
التطوير الثالث أغسطس 2015:
ومع التطور السريع بعالم الإنترنت ظهرت الحاجة الماسة للتطوير الثالث للموقع وقد تمَّ بحمد الله تعالى إفتتاح الموقع فى نسخته الثالثة المطورة جداً وهو يحتوى على نفس أساسيات الموقع السابق ولكن بأحدث الأساليب البرمجية والعلمية وكذا لتصفحه على الأجهزة النقالة الحديثة من الموبايلات والتابلات وغيرها، وسوف نصدر تطبيقات مختلفة للموبايلات قريباً إن شاء الله.
والأمل فى الله كبير أن يعين القائمين على هذا المشروع ويجمع عليهم المزيد من أهل الصدق والإخلاص والمتخصصين ليكتمل تفريغ وتصنيف ورفع تراث الشيخ قديمه وحديثه فيكون الموقع شاملاً لتراثه العلمى، وبلغات متعددة، والله الموفق من قبل ومن بعد وهو تعالى من وراء القصد وهو يهدى السبيل.


الدعوة والهدف
وأنا أعمل الآن رئيسا للجمعية العامة للدعوة إلى الله بجمهورية مصر العربية، والمشهرة برقم 224 ومقرها الرئيسى 114 شارع 105 حدائق المعادى بالقاهرة، ولها فروع فى جميع أنحاء الجمهورية.
كما أتجول فى جميع الجمهورية والدول العربية وغيرها، لنشر الدعوة الإسلامية وإحياء المُثل والأخلاق الإيمانية بالحكمة والموعظة الحسنة، بالإضافة إلى الكتابات الهادفة إلى إعادة مجد الإسلام ، والتسجيلات الصوتية و الوسائط المتعددة للمحاضرات والدروس واللقاءات على الشرائط و الأقراص المدمجة، وأيضا من خلال موقع الإنترنت: WWW.Fawzyabuzeid.com
أما الدعوة فأدعو بحمد الله تعالى إلى نبذ التعصب والخلافات بين المسلمين والعمل على جمع الصف الإسلامى وإحياء روح الإخوة الإسلامية، والتخلص من الأحقاد والأحساد والأثرة والأنانية وغيرها من أمراض النفس، كما أحرص على تربية أحبابى على التربية الروحية الصافية بعد تهذيب نفوسهم وتصفية قلوبهم
وأعمل جاهداً على تنقية التصوف مما شابه من مظاهر بعيدة عن روح الدين، وإحياء التصوف السلوكى المبنى على القرآن وعمل الرسول والأصحاب.
وهدفى من وراء ذلك هو إعادة المجد الإسلامى ببعث الروح الإيمانية، ونشر الأخلاق الإسلامية وترسيخ المبادئ القرآنية.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه السيرة كل من قرأها ، وأن تكون له عونا على تلمس سبيل الحق، فماكان فيها من خير فمن الله، وما كان من غير ذلك فمن سوء طبعى، أسأله سبحانه أن يغفر لى ويتولنى وأحبابى والمسلمين أجمعين.
و ختاماً لتلك السيرة فإنى وكنهج السابقين الصالحين أورد وصيةً لازمة علىَّ لأحبابى وإخوانى وكل من يتصفح أو يقرأ هذه الصفحات:
وصيَّــــــــــــة
إخوانى الأحباب .بارك الله عز وجل فيكم أجمعين ...
ويا كل من يحبُّ الله ورسوله، فيسير إلى مولاه ويتمنى أن يبلغ فى الدنيا رضاه، وفى الآخرة مناه يوم لقياه ... ولكل من يحبُّ الصالحين والمتبعين لهدى سيد المرسلين، وكلَّ من تعلق قلبه بأحوال الواصلين ومقامات الأولياء والعارفين، أو من مالت قلوبهم لأخبار الإكرامات وتأييد الله لأحبابه ولدينه بالبينات، وبما أفاضه الله على أهله من البصيرة المضيَّة والإلهامات القرآنية، والمشاهدات النبويَّة، والرؤى البهيَّة والمكاشفات الوهبيَّة، والتوفيق وإستجابة الدعاء وتحقيق الرجاء! فحرصاً على سلامة عقيدة وقلوب أبنائى وإخوانى وأحبابى والمسلمين أجمعين فأنى أوصيهم جميعاً بهذه الوصية الأبوية:
1- إننى والحمد لله لا آلو جهداً أن يكون نصحى وقولى من بعد عملى مطابقاً للكتاب والسنة وعمل السادة الأئمة، فأنصحهم جميعاً إن وجد أحدٌ شيئاً مما ينسب إلى غير ذلك؛ فليقف فوراً وليستوثق من القول والفهم ليستبين له الحق!.ثمَّ فليأخذ بما وافق الشرع، وليسأل الله لنا المغفرة إن أخطأنا فى إجتهادنا، فإن تكرَّم وراجعنا؛ فله الشكر منَّا والأجر من الله، فإن فوق كل ذى علم عليم.
2- أن يعلَّوا هممهم وعزائمهم فى طريق الله فيسيروا فيه لله؛ لا لسواه، لا لعطية ولا لفتح ولا كشف ولا كرامة، وأن يتحلُّوا بكمال الإعتقاد بأن الإستقامة على شرع الله هى الكرامة الحقيقية الدائمة والتى هى خيرٌ من ألف كرامة.
3- إننا والحمدلله نطلب من كل مسلمٍ، ولا ندخر وسعاً لكى نؤكد لكل من قصدنا ونحثهم بكل السبل على الأخذ بالأسباب الشرعية والأساليب التقنية والوسائل العلمية التى سنَّها الله تعالى فى هذه الدنيا لإنجاز الأعمال وقضاء المصالح كالتوظف والعلاج أو الزواج والإنجاب أو أى أمل فى الحياة! فنطلب من الجميع أن يقصدوا أولاً المختصِّين من أهل العلم والخبرة وأن يطرقوا جميع الأبواب الشرعية كما أمر الله تعالى وسنَّ رسوله صلى الله عليه وسلم ، الذى قال فى الحديث الشريف الجامع فى الأخذ بالأسباب :
{ ثَلاَثَةٌ لاَ يُجِيبُهُمْ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ: رَجُلٌ نَزَلَ بَيْتَاً خَرِباً، وَرَجُلٌ نَزَلَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ أَرْسَلَ دَابَّتَهُ ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَحْبِسَهَا } 
أى لا يستجيب دعائهم ولا يبلغون غايتهم وقصدهم، فالأول نزل مكانا مهجورا لا يأمن فيه الضرر على نفسه ويقضى ليله متضرعاً لله ليحميه ويحرسه! فلن يجيبه الله! لأنه لم يأخذ بأسباب الأمن والنجاة، وخالف النبى صلى الله عليه وسلم الذى كانت جنود الله كلها تحرسه! ولكنه مع ذلك وأدباً مع مولاه واتباعاً لنظام وقانون الحياة كان يوقف حارساً على بابه عملاً بأسباب الحفظ و الأمان، حتى أنزل الله قوله:
( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (67المائدة) 
فصرف الحارس.
والثانى لم يأخذ بأسباب الكرامة والسلامة ولم يرع حق الطريق فجلس حيث يسير الناس والسيارات والدواب فعرض سلامته للضرر، وكرامته للإمتهان، وأضر بمصالح الناس بتضييق الطريق عليهم! ويريد إحترام الناس ويدعو الله ألا يؤذيه أحد وأن يحفظ عرضه! فلن يستجيب له مولاه لأنه استخفَّ بقوانين الحياة!
أما الثالث ترك أسباب الوقاية والرعاية وبلوغ الغاية! فلا يلومنَّ إلا نفسه ! وكلنا يذكر الحديث الشريف :
{ قال رَجُلٌ للنبيِّ: أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ؟ قالَ: اعْقِلْها وَتَوَكَّلْ } 
فأوصى كل من أراد أن يستنير برأى الصالحين وبصيرتهم بأن يسألوا أهل الذكر والخبرة قبل أن يأتوا الصالحين! فيعطوا الطب حقه و يتركوا الكسل و التراخى والتواكل فى الأخذ بالأسباب! لأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة!.. فليستشيروا أهل العلم وليأخذوا بالأسباب!
ولكن لا تأتى الرجل الصالح تسأله وأنت لم تدرس الأمر، وتريد من الشيخ أن يكون مكتباً لدراسة الجدوى وبيت خبرة فى الطب والهندسة والإستثمار .. وغيرها! وأنت تكسل أو على نفسك تبخل! و تأتى الرجل وأنت خامل كسلان ليريحك من الطب أو العمل والسعى والسؤال والبحث! وتريده أن يدعو لك فينجح المشروع بلا جهد! أوتتزوج البنت ويعمل الولد بلا سعى! ويشفى المريض بلا طب! فهذا تواكلٌ لا يحبُّه الصالحون لأنهم أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وسلم الذى علَّم أصحابه والدنيا بأسرها من بعدهم لما سألته الإعراب:
{ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لاَ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً } .
وورد فى الأثر أن موسى عليه السلام اعتلَّ فعرف بعض بني إسرائيل علَّته فقالوا: تداوَ بكذا تبرأ؛ فقال: لا حتى يعافيني بلا دواء! فطالت علَّتُه فأوحى له الله:
{ ياموسى أردت أن تبطل حكمتي في خلقي بتوكلك عليَّ! لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك!، من أودع فى العقاقير المنافع غيري؟
4- ثم أنصح إخوانى أجمعين وكل من استجاب وأخذ بالأسباب أن يعلى عقيدته فى مولاه فيعلم أن الفاعل على الحقيقة هو الله وأنه سبحانه وتعالى مسبِّب الأسباب، فلا يكون إعتماد المؤمن الصادق علي الأسباب؛ بل نعمل بها اتباعاً لسنة نبيينا وحفظاً لقانون حياتنا؛ ثم نتوكل على الله ونعتمد عليه لا على فعلنا! فالله إن شاء عطَّلَ الأشياء، أو أتى للأسباب بتصاريف عجاب فتتوقف الأسباب ويظلُّ العبد فى تعب وعذاب! ولذا نحتاج لرفع الأكف بالدعاء، ولبركات الصالحين والأولياء وإكرامات الله لأهل الرجاء فتعمل الأشياء ويحصل التوفيق بلا مزيد عناء، أو يأتى الفرج فى الخفاء ويكفى الله عبده الإبتلاء.
وقد ورد أن موسى عليه السلام مرض فأمره الله أن يتداوى بنبتة فبرأ، ثم عاد المرض فأخذ النبتة فلم يبرأ! فتعجَّب فقال له الله: يا موسى! ليس الشفاء فى الشجرة وإنما الشفاء فى كلامى! أى أنى أودعت الدواء فى الشجرة، أما الشفاء فلا يأتى إلا بإذنى بأن يفعل الدواء، فالأشياء لا تعمل بما أودعه الله فيها إلا بإذن باريها، وهذا الفرق بين المؤمن والكافر، كيف ذلك؟
هذا لأن الأخير يمرض ويتعالج ويشفى أو يموت ولا يدرى إلا الظاهر كبَعِيرٍ أُمْسِكَ ثمَّ أُطْلِقَ ولا يدرى لم؟، أما المؤمن فيرى السبب الظاهر أنه أهمل الوقاية فمرض، ويدرى السرَّ الباطن أن الله يُطَهِّره أو يرفع درجته أو ينبِّهَه!، فيذهب ليتعالج سائلاً الله الشفاء مع أخذ الدواء وشكر النعم والآلاء! فأنصحكم أن تعملوا بإخلاصٍ وهمَّة؛ وكُلٌ واضعٌ أمله فى الله لا فيما أدَّاه، فيوفِّقه مولاه فيصيب بالعمل مناه! ويحفظه تعالى بفضله مما خفى من تصاريف القدر وأنواء الحياة!..
فإذا أخذ تم بالأسباب وأتيتم الصالحين نلتم من بركاتهم ودعائهم فكنتم متأدبين بأدب النبى الذى لما أراد الحرب أستعدَّ؛ فلما تقاتلوا قام يدعو الله ويلحُّ! فمع الجدِّ والعمل يدعو الصالحون ويتضرعون لتعمل الأسباب عملها، ويبارك الله فى نتاجها، ويحمى من الشرور والآفات ثمارها؛ ببركة دعائهم وقربهم من ربهم.
5- أوصى إخوانى وأحبابى وأنصحهم دائما باستشارة أهلهم وزوجاتهم وأزواجهم وأبنائهم وبناتهم، وأحثهم جميعاً على تدريب من يعولون على الرأى والمشاورة وإعمال الفهم والفكر وتدبر الأمور؛ لأنه هكذا كان صلى الله عليه وسلم مع أهله وصحبه الكرام بالرغم من تأييد السماء له، وغناه عن كل رأى بعد توفيق الله.
6- كما أوصيكم إخوانى بالإستخارة الشرعية مع الأخذ بالأسباب العملية، وأن تعلِّموا ذلك لأهليكم وأن تقووا عقيدتهم أن الله الفعَّال هو العالم بالنفع فى الحال والمآل، فعند اللزوم نستخيره مفوِّضين وندعوه أن يوفقنا لنستبين، فإن لم نهتدِ فلنخلِّص النوايا ولنكرر بيقين مع لزوم التسليم للعليم المبين، فإن غُمَّ علينا أو صرنا حيارى؛ فلنلجأ للإستنارة والإستشارة بصدق العرض و صائب العبارة.
7- وأنصح إخوانى الأحباب والمسلمين والمسلمات وأصحاب الحاجات أن يُرَشِّدُوا العقائد ويصَحِّحوا المفاهيم أن البنات لم تتزوجْن والنساء لم يطلَّقْن أو لم ينجبن! أو لم يُكْرَهْن! والأزواج لم يتعطلوا ليس بسبب الأعمال ولا السحر ولا الجن ولا الغيرة والحسد! ولا تلك الأمور التى ذكرها الشرع الشريف فى أضيق الحدود! فكانت عند الأولين استثناءاً لا أساساً، لكننا وللأسف لمَّا استشرى الجهل والضعف والإستكانة؛ قلبنا الأمر وجعلنا تلك الأشياء أساس مشاكلنا الزوجية والإجتماعية! بل ونصبناها شمَّاعة هائلة لكل عيوبنا التربوية وأخطائنا الإجتماعية وجهالاتنا العلمية والدينية! فأستمر إستسلامنا وخضوعنا لموروثات وعادات ليست من الدين! ولم يكن هكذا نبينا ولا الصحابة والتابعين.
فدعوا الضعف والخوف والذل والرجاء لغير الله إخوتى! وخذوا بالأسباب مع اللجوء للربِّ المعين! وإياكم والسحرة والدجالين وأهل الإرتياب، اتقوا الله واقيموا شرعه كما فى الكتاب؛ ثم انصبوا الأكف بالدعاء وقفوا بالباب لتعمل الأسباب، ويأتى خفىُّ لطف الله ونجدته وفضله وإسعافه بلا بطء ولا احتساب.
وأنصحكم هنا إخوانى الأحباب ألا تخجلوا من اللجوء للطب النفسى أو الأسرى عند اللزوم! وألا نرى حرجاً من ذلك! لأن الكثيرون يهربون ويلجؤن للدجالين! أو حتى والصالحين ونعتقد أن استشارتهم ودعوتهم أو حضور مجالسهم وفقط سيأتينا بالبركة وستحل مشاكلنا ونكون أرحنا أنفسنا من الطب والأطباء والتحاليل والمستشفيات أجمعين! فكيف ذلك؟!!
فالطب النفسى صار اليوم ضرورة لأن الأمراض النفسية استشرت فى عصرنا بسبب الضغوط الهائلة التى يتعرض لها الناس أفراداً وجماعات من جميع الإتجاهات مما يسبب العديد منها ويضعها على قدم مع القلب والضغط والسكرى والسمنة، بل وأخطر لأنها صارت سبيلاًً لباقى الأمراض، و نحتاج اليوم أيضاً للطبِّ الأسرى لأن شبابنا زادت مشاكلهم الجنسية بسبب التطورات التكنولوجية وتراجع التربية الدينية وغياب الرقابة والتوجيهات الأبوية، وإنتشار العادات المؤذية، وتفشِّى الرذيلة وتقليد مظاهر الحياة الغربية.
8- كما أنصح إخوانى الأحباب والمسلمين أيضاً بالرجوع إلى المفاهيم الشرعية فيما أنتشر من العلاج بالقرآن أو الرُقْيَة الشرعية أو التداوى بالأعشاب أو الحجامة وأن يعلموا أن لذلك ضوابطاً علمية وحدوداً شرعية!! وأحذركم أجمعين من الدجالين والأفاقين والمشعوذين الذين يأكلون الدنيا بالدين ويستغلون سذاجة المتدينين حتى يصدق بعض السذج أن العسل يشفى مرض السكر وكل داء!، أو أن ما عجز عنه الطبُّ تشفيه سور مخصوصة أو أسماء الله الحسنى مع الحبة السوداء!..، فلا غنى عن العلاج بالطب المعلوم والثابت! والأدوية والعقاقير المعتمدة، وكثير منها مستخلصٌ من نباتات بواسطة العلماء والهيئات، مع عقيدتنا أن الشافى هو الله مع الأخذ بالمسببات، وعندها تنفع الدعوات وتفيد البركات، فمن يأتوننى لطلب دعوة شفاء أو تحقيق رجاء أو للنصح والإفتاء! ظانِّين أنى ساقول لهم خذوا كذا أو إقرأوا كيت كما عودهم بعض المشايخ! أنصحهم جميعاً أن الدين هنا هو فى الأخذ بالطب المعلوم الثابت يقيناًً مما علمه الله للأطباء والمختصين والعلماء، وأن النصائح النبوية تأتى مع اتباع الأسباب الدنيوية.
ونحن ياإخوانى مع الأخذ بتلك الأسباب ندعو الله ونتضرع إليه أن يمنَّ بالشفاء وأن يرحم بفضله من كل ابتلاء ببركة سيد الرسل والأنبياء؛ فيوفق سبحانه الأطباء فى تشخيص الداء، فيصيب الدواء، ويبعد الله ببركة الدعلء ما خفى من الأدواء والأنواء، ويسبل الله ستره ويكشف البلاء.
9- وأنصحكم جميعاً ياإخوانى أن نقف صفَّاً كالبنيان المرصرص مع كل الجادين المخلصين ضد كل من يجعل التصوف باباً للسلبية أو التواكل أو التنطع أو الكسل أو ترك الأسباب أو أكل الدنيا بالدين! أنصحكم بتقوى الله ما استطتعتم مع أخذكم بأسباب العلم والعمل لأن الغرب لما أتقن العمل والأسباب فتح الله لهم فى الدنيا الأبواب، وكذا يعاملنا الله إن فعلنا مثلهم، ولكنه سبحانه يزيدنا أهل الإيمان عليهم فوق الرزق بالأسباب؛ بأن يرزقنا أيضاً من وراء الأسباب رزقاً بالفضل من غير حساب ولا احتساب! بشرط التقوى ياأولى الألباب!
والتقوى هى الأخذ بالسنة والكتاب بلا تواكل ولا تنطع! ولا كسل ولا تسكع! وبها يفتح الله بركات الأرض والسماء! وينتفع الناس بالصالحين! وبمشورة أهل الذكر فتصيب النظرات! وتستجاب الدعوات فيأتى توفيق الله ويصير القليل أبرك من الكثير، ويتعطَّف الله إكراماً لأحبابه بفضله وخفى لطفه وبره فتزول الشدائد ويقلب مقلب القلوب قلوب عباده، فيحنن من شاء على من شاء استجابة لدعاء الأولياء، فتنزل العطايا تترى فى كل وقت وحين على المجدين الذين اتقوا الله وأخذوا بالشرع المبين! و ليس على الكسالى ولا البطالين! ولا من يضيعون العلم والدنيا والدين! ولا المدَّعين المستبيحين لأعراض المسلمين! ولا من يعطلون الشرع المتين! وأتباعهم من الغافلين يرونهم مبروكين!!.
10 - أحبابى توقوا الجدال واللجاج والعناد وتمسكوا بوسطية الدين واتركوا ما ظهر من الجاهلين والمغرضين من الطعن على ثوابت الدين أو إبراز مهجور القول وغريب الرأى طلباً للشهرة وإيقاعاً للفرقة فتكونوا ممن أكل الدنيا بالدين فاستحق وعيد رب العالمين، واضربوا المثل فى التآخى ومراعاة أهل الحقوق جميعاً، وارجعوا لحديثه صلى الله عليه وسلم : { إنَّ هَذَا الدينَ مَتِيْنٌ فأوْغِلْ فيه برفقٍ ولا تُبَغِّضْ إلى نَفْسِكَ عبادَةَ الله، فإنَّ المُنْبَتَّ لا أَرْضاً قَطَعَ ولا ظَهْراً أَبْقَى } فاتركوا التشدد والتنطع وخذوا بالأيسر من الدين كما أوصى سيد المرسلين.
وختاماً: أنصحكم أبنائى وإخوانى وأحبابى والمسلمين بالعمل بكل ماسبق! وفقنى الله وإياكم للعمل بما نسمع! ورزقنا الصدق والتوفيق فيما نعمل!.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا
الشيخ فوزى محمد أبوزيد
: الجميزة ، محافظة الغربية ، جمهورية مصر العربية
: 5340519-40-0020
: WWW.fawzyabuzeid.com
: fawzy@fawzyabuzeid.com
fawzyabuzeid@hotmail.com
fawzyabuzeid@yahoo.com
fawzyabuzeid48@gmail.com





جاري التحميل...