آخر الأخبار
موضوعات

الأربعاء، 2 يناير 2013

- هل الإلهام حجة فى شرع الله

 العلماء الربانيون الذين أثنى الله عليهم جمعوا بين نور العقل ونور القلب، وجمعوا بين نور العلم ونور الإيمان، وجمعوا بين نور الفطرة ونور النبوة، واهتدوا بصحيح المنقول، وصريح المعقول ووفقوا بين النصوص الجزئية، والمقاصد الكلية، وردُّوا الفروع إلى الأصول والمتشابهات إلى المحكمات.. العلماء الربانيون متوازنون وسطيون، هم لا ينكرون أن يقذف الله في قلب عبدٍ من عباده نوراً يكشف له بعض المستورات والحقائق، ويهديه إلى الصواب في بعض المضايق والمواقف، بدون اكتساب ولا استدلال، بل هبة من الله تعالى، وإلهام منه، إن هذا الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق والعبادة الخالصة، والمجاهدة الجهيدة..  لا ينكر العلماء الربانيون هذا الإلهام ؛لأن الله سبحانه وتعالى

يقول:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ

سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) ﴾[سورة الأنفال]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)﴾  الحديد

 العلماء الربانيون لا ينكرون أن يقذف الله في قلب المؤمن نوراً يكشف له الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ، وما صح وما لا يصح، وما ينبغي، وما لا ينبغي.
 ولا نزاع أيضاً في أن الإيمان والعبادة والتقوى، ومجاهدة النفس لها أثرها في تنوير العقول، وهداية القلوب، والتوفيق إلى إصابة الحق في الأقوال، والسداد في الأعمال، والخروج من مضايق الاشتباه إلى الوضوح، ومن اضطراب الشك إلى ثبات اليقين.
 ولا نزاع أيضاً في أن الله يكشف لبعض المتقين من عباده حقائق العلم، وأنوار المعرفة، في فهم كتاب الله وسنة نبيه، بمحض الفيض الإلهي، والفتح الرباني، ما يلهث كثيرون ليحصلوا عليه بالمذاكرة والتحصيل، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: اقتربوا م أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تنجلي لهم أمور صادقة.
 ولكن إذا كان علم المنطق يضبط حركة العقل، وعلم أصول الفقه يضبط الاستدلال، هذا الإلهام كيف نضبطه ؟.. هل يُترك الإلهام فوضى فيبقى بابه مفتوحاً لمن هب ودب، ولمن تخيل واختال، ولمن لا يميز بين إلهام الملك ونفس الشيطان، أو لمن ادعى الوصول ولم يرع الأصول، أو لكل دجال يشتري الدنيا بالدين، ويتبع غير سبيل المؤمنين..
 علم المنطق ضبط حركة العقل، وعلم أصول الفقه، ضبط الاستدلال، أما أن يبقى الإلهام مفتوحاً بابه، بلا ضوابط، وبلا قيود عندئذ يختلط الحق بالباطل، ويضيع أمر الدين..
 الإلهام لا يُعتد به، ولا نعبأ به، ولا نأخذ به إذا خرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعياً، هو ليس حقاً بذاته، هو إما خيال، أو وهم، أو إلقاء من شيطان، أو كشف من رحمان، فإذا عارض الإلهام ما هو ثابت في التشريع، الذي هو عام، وليس خاصاً، ولا ينخرم بالإلهام أصل التشريع، ولا ينكسر اطراده، ولا يُستثنى من الدخول تحت حكمه أحد، إن كان الإلهام موافقاً لقواعد الشرع، وأصول الدين نأخذ به في المباحات، أما إذا خالف قاعدة شرعية، أو خرم حكماً فقهياً أو كسر اطراد قاعدة، عندئذ لا نعبأ به ولا نأخذ به، شأنه شأن الرؤيا التي تخالف نصاً تشريعياً، بل إن الإنسان لو ـ افتراضاً ـ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره بترك حلال، أو أخذ حرام تُردُّ الرؤيا عليه، ويثبت الشرع..

 أولى، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾[سورة الإسراء]
 لابد من علم، لابد من دليل..
 وإن الإجماع، إجماع الأمة التي لا تجتمع على خطأ كما قال

العلماء قالوا: الإلهام: إلقاء ما يُفرق به بين الضلال والهدى، ما

يلقى في الروع بطريق الفيض،

إلقاء في النفس أمراً يبعث على الفعل والترك.

هل الإلهام حجة في الشرع؟
قال ابن النجار الفتوحي الحنبلي في شرح الكوك المنير : ( بِإِلْهَامٍ ) ..... ( وَهُوَ مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَطْمَئِنُّ ) الْقَلْبُ ( بِهِ ) أَيْ بِذَلِكَ الْعِلْمِ حَتَّى ( يَدْعُوَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ ) أَيْ بِالْعِلْمِ الَّذِي اطْمَأَنَّ بِهِ ( وَهُوَ ) أَيْ الْإِلْهَامُ ( فِي قَوْلٍ : طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ ) حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْإِلْهَامِ : هَلْ هُوَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَحُكِيَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ : أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَالَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ نَقْلًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَحَدَّهُ أَبُو زَيْدٍ بِأَنَّهُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوك إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : هُوَ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } ) أَيْ عَرَّفَهَا بِالْإِيقَاعِ فِي الْقَلْبِ , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ) وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ , وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك } فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَهَادَةَ قَلْبِهِ بِلَا حُجَّةٍ أَوْلَى مِنْ الْفَتْوَى .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ خَيَالٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْحُجَجِ كُلِّهَا , وَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِيقَاعَ فِي الْقَلْبِ بِلَا دَلِيلٍ , بَلْ الْهِدَايَةُ إلَى الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ , كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه : إلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ . اه

وقيل : الإلهام ليس بحجة عند جماهير العلماءولكن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة..

وقال عليه السلام: لم يبق من النبوات إلا المبشرات قيل وما هي يا رسول الله؟ قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له..

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن لمة الملك التي وعد بالخير وحث عليه وحذرنا من لمة الشيطان..

فالرؤى والإلهام بالخير يستأنس به ويستعان على فعل الخير الذي ثبت أصله بالأدلة الشرعية المرعية ولا يستفاد منه حكم شرعي لعدم انضباطه وعدم الوثاقة التامة به ولأنه ليس في الشرع ما يدل على الاحتجاج به

والقول بحجيته ضعيف مردود غير معتبر ..وقد نص سادتنا على أنه لا بد من عرض الخواطر الملهَمة على

الشرع الشريف وأنها لا تقبل إلا بشاهدي عدل من الكتاب  والسنة وفي الزبد لابن رسلان:

وزن بحكم الشرع كل خاطر **


فإن يكن مأموره فبادر

قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل(5/ 348):كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا دخل في الضلالات، وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر رضي الله عنهماوأفضل من كان محدَّثا من هذه الأمة عمر للحديث

وللحديث الآخر :

[ إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ] ومع هذا

فالصديق أفضل منهلأن الصديق إنما يأخذ من مشكاة الرسالة لا

من مكاشفته ومخاطبته؛ وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر

فيه الخطأ، وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبة

 والمشاهدة ففيه صواب وخطأ وإنما يفرق بين صوابه وخطائه

بنور النبوةكما كان عمر يزن ما يَرد عليه بالرسالة فما وافق

ذلك قبله وما خالفه رده.

قال بعض الشيوخ* ما معناه : قد ضمنتْ لنا العصمة فيما جاء


به الكتاب والسنةولم تضمن لنا العصمة في الكشوف.


وقال أبو سليمان الداراني :

 إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين

اثنين : الكتاب والسنة.

وقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد : كل ذواق أو كل وَجْد لا

يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.

وقال الجنيد بن محمد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم

يقرأ القرآن وبكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا.

وقال سهل (أي التستري) أيضا :

 يا معشر المريدين لا تفارقوا السواد**

على البياض فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق.

وهذا وأمثاله كثير في كلام الشيوخ العارفين يعلمون

 أنه لا تحصل لهم حقيقة التوحيد والمعرفة واليقين إلا بمتابعة

المرسلين .انتهى كلام ابن تيمية

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

الصوفية في تركيا

 الصوفية في تركيا


محمد باتوك الناظر إلى طبيعة التدين في المجتمعات التركية يمكنه بسهولة أن يرى آثار التصوف الواضحة فيه، ولعل تفسير هذا يبدو سهلا إذا ما تذكرنا فضل الطرق الصوفية في دعوة الشعوب التركية المختلفة من أوزبك وأذريين وكرغز وغيرهم ممن دخلالدين من باب التصوف.ولذلك دأب الأتراك منذ حديث عهدهم بالدين على حماية التصوف الذي كان بمثابة الحصن المنيع الذي يحتمي به الدين والبلاد معا من شتى الهجمات وسائر المخاطر وأولها العلمانية، إلى جانب المساهمة في دفع بعض من مريدي هذه الطرق ليكونوا من بين ابرز الوجوه السياسية في تركيا الحديثة.
التصوف والدولةاستقبل الشعب التركي الدول الغربية التي حاولت أن تحتل أرضه في بدايات القرن العشرين بمقاومة شعبية لم تخطر على بال الغزاة. وقد كان في طليعة القائمين على تلك المقاومة مصطفى كمال باشا (أتاتورك).وقد حظي هذا الأخير في حرب التحرير بدعم كبير من كافة أطياف الشعب التركي خاصة من أهالي الطرق الصوفية المختلفة، الأمر الذي جعل للمريدين والشيوخ الصوفيين مقاعد في أول مجلس للنواب التركي في أنقرة عام 1920 ليصيروا بذلك نوابا في المجلس أو "مبعوثين" على حد التعبير آنذاك.
"
شارك أتباع الطرق الصوفية في حرب التحرير مع اتاتورك الذي انتخب منهم مساعدين قبل أن ينقلب عليهم ويتخذ الاجراءات الرامية الى القضاء على التدين وأهله
"
 انتخب مصطفى كمال ليكون رئيسا لهذا المجلس الوليد كما انتخب إلى جانبه مساعدان من شيوخ الطرق الصوفية أحدهما شيخ التكيّة الواقعة في قونيا (وهو من الطريقة المولوية) ويدعى عبدالحليم أفندي، والآخر كان شيخ تكيّة بكتاشية  في مدينة كرشهير ويدعى جمال الدين أفندي. بالإضافة إلى كثير من الشيوخ والصوفيين الذين كانوا في ذلك المجلس الأول.قدم الصوفيون الدعم لمصطفى كمال في كل من حرب التحرير وتشكيل مجلس النواب الأول، إلا أن أتاتورك سرعان ما ألغى هذا الأخير ليشكل مجلس النواب الثاني سنة 1923 ولتتبع تشكيل هذا المجلس مجموعة من التغييرات الجذرية كإعلان إلغاء الخلافة واستبدال الحروف اللاتينية من الحروف العربية في الكتابة وقيام المنحازين إلى الغرب بممارسة فعالياتهم الرامية إلى القضاء على التدين وأهله، وكل هذا ولا شك كان سببا في حنق المتدينين وإثارة حفيظتهم.تطورت الأحداث وأغلق الحزب المعارض عام 1925 تذرعا بثورة الشيخ سعيد بيران التي جرت خلال ذلك العام في محافظات الشرق والجنوب الشرقي، وبعد ذلك أغلقت التكايا في نفس السنة بل وتم منع الطرق الصوفية من ممارسة فعالياتها. ولم يقتصر هذا الحظر على التكايا آنذاك فقد شمل المدارس الدينية ليحظى التعليم "المتغرب" بالاهتمام الأكبر على حساب التعليم الديني. ولكن مع كل هذا التضييق وتلك التحديات تابعت الطرق الصوفية ممارسة فعالياتها في الخفاء وفي حجرات الصمود التي أعدّتها لذلك تحت الأرض.حافظت الطرق الصوفية على وجودها وممارسة فعالياتها بعد منع تكاياها وإغلاق مدارسها، ولقد وقف التصوف أمام مجموعة من الجهات التي ناصبته العداء يذود عن حوضه ويذب عن حماه، و كان من أبرز أعدائه أولئك القائمون على الصحافة والإعلام آنذاك، وهم الذين ما فتئوا يستفزون الحكومة بشكل مستمر لمحاربة الطرق الصوفية وأهلها.وقفت أوتاد التصوف ثابتة أمام عواصف التغريب العاتية حتى تحمي خيمة الدين من أن تولي أدراج الرياح، وقد كان ضمن تلك العواصف ما جرى سنة 1930 حيث قامت الدولة بإعدام مجموعة من أهل التصوف وحبس مجموعة أخرى على أثر قيام مجموعة من الأشخاص (ويقال إنهم كانوا من متعاطي المخدرات لا يمتون إلى التصوف بصلة) بقتل عسكري في قضاء مانامان التابع لمحافظة إزمير الأمر الذي اتخذته الدولة ذريعة لمحاولة نقض غزل التصوف المحكم.انقشعت غمامة التضييق جزئيا لتشع شمس الحرية من جديد بعد فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات العام 1950، إلا أن الانقلاب الذي قام به الجيش في 27 مايو/ أيار سنة 1960 عاد ليكدر صفو الأجواء ويزج الحريات من جديد في سجن الظلم والتضييق.لقد كان العلمانيون يعملون على محاربة التعليم والإعلام الدينيين ويحاولون التضييق على النشاطات والفعاليات الصوفية مع أنهم لم يكونوا يمثلون من أفراد المجتمع إلا النزر اليسير ولكنّهم تمكنوا من إحكام القبضة على مقاليد الحكم وزمام السلطة آنذاك. أما القسم الأكبر من الشعب فقد كان غير راض ٍعن تلك العلمانية متمسكا بدينه ولكنه كان في الوقت نفسه خائفا يترقب، يمارس تدينه وراء الكواليس أو في عتمة الدهاليز.الطرق الصوفيةتمكنت كثير من الطرق الصوفية في تركيا أن تحافظ على وجودها رغم كل العقبات التي مرت بها، ولعل من أبرز تلك الطرق الطريقة النقشبندية والقادرية والخلوتية والعُشّاقية والجراحية والبكتاشية والمولوية، وتشارك هذه الطرق في الحياة الاجتماعية ولبعضها علاقات ودور سياسي، ومن أهم هذه الطرق النقشبندية والقادرية.
"
هناك العديد من الطرق الصوفية في تركيا من أبرزها النقشبندية والقادرية وقد كان لبعضها أدوار سياسية مهمة "
 تعد الطريقة النقشبندية أكبر الطرق الصوفية في تركيا من حيث عدد المنتسبين إليها، وينتسب معظم أهلها إلى الفرع المعروف بـ"النقشبندية الخالدية" التي أخذت اسمها من خالد البغدادي الذي توفي في القرن الـ19، ومن أبرز الجماعات المندرجة ضمن هذه الطريقة من يحسب لها أدوار اجتماعية وثقافية و سياسية فاعلة:1- جماعة إسكندر باشا: التي كان لشيخها محمد زاهد كوتكو الذي توفي في العام 1980 دور مهم في تأسيس حركة الإسلام السياسي وفي مواجهة النفوذ العلماني في تركيا.2- جماعة أرانكوي: ولم يكن لهذه الجماعة حزب سياسي يمثلها حيث آثرت العمل السياسي غير المباشر من خلال التوجيه والتأثير والوعظ الديني بسبب أحداث مانمان عام 1930 التي سامت بها الدولة المتصوفين سوء العذاب الأمر الذي جعل هذه الجماعة تمارس نشاطاتها باحتياط وحذر.3- جماعة المنزل: نسبة إلى قرية المنزل التي كان يمارس فيها شيخ الجماعة النقشبندي محمد راشد أرول فعالياته الموجهة في جلها إلى محاربة العادات السيئة من الخمر والقمار وسوى ذلك، وقد حققت الجماعة نجاحا كبيرا في ذلك ما استقطب الزوار من داخل البلاد وخارجها الأمر الذي لم يرق للعلمانيين الذين انتهزوا فرصة انقلاب عام 1980 ليشدوا الخناق على تحركات شيخ الجماعة ونفيه، رغم حرصه على عدم التعاطي بالسياسة.4- جماعة إسماعيل أغا: وتعود التسمية إلى مسجد إسماعيل أغا في إسطنبول الذي يؤمه شيخ الجماعة محمود أفندي، ويطلب من الراغبين في الانتساب إلى الجماعة أن يرتدوا العمائم والجبب والسراويل ومن الراغبات أن يلبسن العباءات، الأمر الذي يجعلهم في خندق صعب من خنادق المواجهة مع تيار التغريب خاصة مع صحافته التي تصوره على أنه مروق صارخ من مبادئ العلمانية5- السليمانيون: نسبة إلى شيخهم النقشبندي سليمان حلمي أفندي، وقد كانت أبرز فعالياته تعليم القرآن الكريم في أكثر الأوقات ضيقا على الحركات الدينية، وقد مارس ذلك في الخفاء وطور لتعليم القرآن وتحفيظه طرقا تنشئ القراء والحفاظ في وقت زمني قصير.أما الطريقة المهمة الثانية فهي الطريقة القادرية التي تأسست على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني، وللطريقة القادرية عدة جماعات متفرعة منها في تركيا، فهناك الجماعة التي كان يرأسها مصطفى خيري أوغوت أفندي وآلت إلى مريده حيدر باش بعد وفاته سنة 1979. أخذت الجماعة تصدر مجلتين شهريتين ولها قناة تلفزيونية باسم "مالتَم" كما أن لها حزبا سياسيا يرأسه حيدر باشا بنفسه ليكون أوضح مثال على العلاقة المباشرة بين السياسة والتصوف.ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن هناك طرقا منحرفة كالباكتاشية والعلوية اللتين ما فتئتا تدعمان الأحزاب اليسارية المؤيدة للعلمانية وكأنهما تحاولان الانتقام من الاتجاه السني.التصوف والسياسةربما كانت الجماعة النقشبندية المعروفة بجماعة إسكندر باشا هي الأكثر تأثيرا في المشهد السياسي التركي بشكل مباشر، حيث كان الشيخ كوتكو يشجع مريديه على العمل في مراكز التأثير في الدولة خاصة فيما يعرف بـ"منظمة الدولة للتخطيط"، حتى نجح في نهايات الستينيات من القرن الماضي في مساعيه هذه بتواجد طلابه في مختلف المستويات الوظيفية في تلك المنظمة.
"
خرج من بين الطرق الصوفية السياسي التركي نجم الدين أربكان الذي شجعه شيخ جماعته على تأسيس حزبه ودعمه بأعضاء من الطريقة النقشبندية"
 ولم يكتف الشيخ كوتكو بخلق مواضع نفوذ في الدولة لمريديه من المتصوفة، لكن طموحه امتد إلى تأسيس تيار إسلامي سياسي من خلال تشجيعه لأحد مريديه النجباء وهو نجم الدين أربكان على تأسيس حزب سياسي فقام الأخير عام 1970 بتشكيل حزب النظام الوطني الذي أخذت أسماؤه تتجدد بتجدد التحديات حيث صار حزب السلامة الوطنية ثم حزب الرفاه ثم حزب السعادة أخيرا. وقد كان معظم من شجع على تأسيس حزب النظام ثم السلامة الوطنية ومعظم أعضائه فيما بعد هم من أولئك المنسوبين إلى الطريقة النقشبندية.توفي الشيخ كوتكو سنة 1980 ليخلفه صهره ومريده محمود أسعد جوشان الذيأخذ يمارس نشاطاته تحت مظلة "وقف طريق الحق" الذي كان أسسه بأمر من شيخه كوتكو، وأخذ يفتتح الفروع لهذا الوقف في أماكن مختلفة وعمل على تفعيل نشاطاته التعليمية والتعاونية بما تسنح له الظروف وتوفره الإمكانات.وخلال السنوات اللاحقة اتسعت الفجوة بين كل  نجم الدين أربكان ومحمود أسعد جوشان، حتى آل الخلاف إلى انفصال كامل سنة 1990 بين الحزب والطريقة. أثرت هذه الأحداث على الطريقة وفاعليتها خصوصا بعدما اختار كثير من المريدين الحزب على الطريقة لدى مفترق الطرق، وفي سنة 2001 وافت المنية شيخ الطريقة جوشان في حادث سير في أستراليا ليخلفه نجله نور الدين جوشان ولتفقد الطريقة بموته قدرا كبيرا من تأثيرها التصوفي والاجتماعي.
ولم يكن للجماعات الصوفية الأخرى نفس الدور السياسي المباشر إلا أن مواصلتها نشاطات الوعظ الديني والتأليف في مجالات التفسير والسيرة أدام الصلة بين هذه الجماعات ومحيطها الاجتماعي وزاد في أعداد مريديها كما هو حال جماعة أرانكوي وشيخها سامي أفندي وخلفه الشيخ موسى توب باشا الذي كان يخالف العمل الحزبي ويرجح العمل في تربية الأمة وتأهيلها.وحتى في حالة جماعة المنزل التي اهتمت بمحاربة العادات السيئة في المجتمع كان مجرد استقطابها للناس وتأثيرها فيهم إنجازا له أثر سياسي حيث كانت تجربة الشيخ رشيد مع العلمانيين تؤكد دور الطرق الصوفية في المجتمع وكونها لا تقتصر على الزوايا والحضرات كما قد يتبادر لأذهان البعض فقد كانت الطرق الصوفية الشوكة العنيدة في حلق أعداء الدين بسبب نشاطاتها المنظمة وفعالياتها المؤثرة على مختلف الصعد.وربما كانت جماعة السليمانيين أقرب إلى المشاركة الفعلية في العمل السياسي حيث انتخب شيخها كمال كاتشار من قبل حزب العدالة الذي أسسه سليمان ديميريل ليكون نائبا في مجلس النواب لدورات ثلاث. كما كان كمال كاتشار أحد أعضاء الهيئة التركية البرلمانية لدى المجلس الأوروبي، وفي الإجمال يبدو أثر الطرق الصوفية واضحا على الأحزاب الدينية واليمينية، حيث كان زعماء هذه الأحزاب يزورون شيوخ الطرق قبل كل انتخابات ليضمنوا تصويت المنتسبين، الأمر الذي لم يرق للعلمانيين ما دفعهم إلى العمل جاهدين على حسر أثر الطرق الصوفية في المجتمع.ويمتد أثر الطرق الصوفية حتى إلى غير المنتسبين لها من السياسيين ومنهم رئيس الجمهورية الأسبق تورغت أوزال الذي كان متعاطفا مع النقشبندية وقد كان كل من أخيه وأمه مريدا لدى الشيخ النقشبندي محمد زاهد كوتكو، ولا يمكن الجزم بكونه مريدا لدى الشيخ أم لا، إلا أنه من المعلوم أنه كان على اتصال مع الطريقة ويميل إليها بشكل واضح ما دفعه إلى التسامح وتوسيع الفضاءات أمام النشاطات الدينية والصوفية تحت مظلة الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الشخصية.تعرض التيار الديني لحملات مختلفة من الحصار وأغلقت الأحزاب المتتالية التي ورثت حزب النظام الوطني وصولا إلى إجبار الجيش لأربكان على الاستقالة من رئاسة الحكومة عام 1997، وقد توالت السنوات العجاف حتى حظي حزب العدالة والتنمية بحوالي ثلث أصوات الناخبين في تركيا في انتخابات عام 2002، ليشكل بذلك القوة الكبرى في مجلس النواب التركي ويشكل الحكومة منفردا.تأسس حزب العدالة والتنمية على يد رجب طيب أردوغان الذي انتهج منهجا مخالفا لحزب أربكان (بأسمائه المتجددة) الذي كان يضم أردوغان في صفوفه.لم يحاول أردوغان أن ينتفع من العاطفة الدينية في الانتخابات كما كان يفعل أربكان، فلم يزعم أن الانتخابات هي عملية إحصاء لأعداد المسلمين في تركيا ولم يستعمل أيا من تلك التشبيهات والعبارات التي تقحم الدين في خدمة المصالح السياسية بشكل سافر، ما جعل أردوغان قادرا على مخاطبة الإسلاميين وغيرهم في آن معا وكسب أصواتهم لصالحه بالإضافة إلى عدم تحميل الإسلاميين أو التيار الديني تبعات تجربته الجديدة في حال أخفقت.وقد تسلم حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم، وقد كان الموضوع الحي في الساحة التركية هو موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومواضيع أخرى متعلقة بحقوق الإنسان، وفتح هذا المناخ فضاءات رحبة نسبيا أمام التيار الديني الصوفي، حيث إن بروز التدين بصورته المحلية الصوفية كان أولى لدى الاتحاد الأوروبي وكل من يسعى إلى الانضمام إليه من بروز صورة تدين مستوردة من باكستان أو السعودية أو سواها مما لا يمكن للاتحاد الأوروبي استيعابه بحال._______________




التصوف بين التدين والسياسة (تركيا نموذجا)


لعل التجربة التركية خير شاهد على النجاح الباهر للتصوف في زماننا هذا. فعلى الرغم من التضييق الذي مارسته السلطة الاتاتوركية فان مسلمي تركيا المنتظمين في الطرق الصوفية لم يحملوا السلاح ضد مجتمعهم بل دأبوا على الرفق والتربية حتى اخرجوا لتركيا الاتاتوركية

قصة الحركة الإسلامية الصوفية في تركيا

لعل من أكثر الأمور عجبًا أن نشهد صحوة إسلامية صوفية حقيقية في بلد شديد العلمانية مثل تركيا، فالعلمانية في تركيا غير العلمانية في أوربا ذاتها؛ لأن الأوربيين في علمانيتهم أرادوا فقط فصل الدين عن السياسة، بينما العلمانيون في تركيا لم يكتفوا بذلك، إنما بنوا علمانيتهم على أساس محاربة الدين في أصوله

الفارس الصوفي صلاح الدين الايوبي

 الفارس الصوفي صلاح الدين الايوبي

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله الاطهار الطاهرين وصحابته النخبة المنتجبين وبعد :
 منذ وقت ليس ببعيد على تصوف صلاح الدين الايوبي رضى الله تعالى عنه - وقد عميت علي بعض الحقائق حول شخصه وشخصيته الصوفيه وان كنت لم انكر عليه جهاده و فضائله في قتال أمة الصليب , ومنذ الصغر وكنت متعلقا به محبا لمآثرة و لكثير من سيوف الاسلام الامام علي بن
ابي طالب وسيدن الحمزة وسيدنا جعفر الطيار وسيدنا خالد بن الوليد وسيدنا سعد ابن ابي وقاص و المؤيد قطز رضى الله عنهم
اجمعين , وارى ان لا عود الى عصر الانتصارات الا بعوده هذه السيوف فى صور جديده واسماء جديده ولكن بنفس هذه القلوب و هذه الروحانية الساريه في السابقين رضوان الله تعالى على رياضهم الشريفه.وبصدد الحديث عن الناصر صلاح الدين الايوبي فانه وان كان ليس ذو تجربه صوفيه كحجة الاسلام ابى حامد الغزالي ولا كالسيد ابو الحسن الشاذولي ........ الى اخر ائمة الطريق الصوفي الا انه ذو جذبة صوفيه و روحانيه صفائيه سنراها سويا بلسان مؤرخي عصره و وشاهدوا عيان زمنه , وان كانت هناك بعض الحوادث التي تمت في عصره قد انتقدها البعض فاني اطلق عليها ( فقه الحروب والازمات ) ومعلله بمصلحة الامه والامر في النهاية الى الله سبحانه وتعالى.والان لننظر الى الناصر صلاح الدين الايوبي بمنظار اهل عصره المبارك وبمنظارهم حتى نعرف الرجل وننظره كما نظروه :- يصف لنا ابن شداد "سكرتيره وقاضيه" شخصية صلاح الدين بقوله: (كان رحمه الله حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم. وقد جمع له الشيخ "أبو المعالي النيسابوري المنعوت بالقطب"(ترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيوب، المرتضى الزبيدي. ت صلاح الدين المنجد دمشق 1971 مطبوعات مجمع اللغة العربية. ص899. انظر ترجمة القطب النيسابوري في جامع الأولياء ج(2) ص444.)2- وقد ورد عن صلاح الدين الايوبي أنه خلال المعارك كان يصحب علماء الصوفية لأخذ الرأي والمشورة فضلاً على أن وجودهم يعتبر حافزاً قوياً للمريدين على القتال ببسالة وشجاعة نادرة"(نظر سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام والجزيرة –رسالة دكتوراة- جامعة بغداد. د.عبد القادر نوري- بغداد 1976 –مطبعة الإرشاد –ص438 وتواليها.)3- وقد سلك صلاح الدين طريق زهد الصوفية لدرجة أنه كما قال ابن شداد: "مات رحمه الله ولم يحفظ ما تجب عليه الزكاة... ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك". "وقنع من الدنيا في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة"(النوادر السلطانية، ص6، ص16.)4- ويقول المقريزي إن صلاح الدين أول من أنشأ خانقاه للصوفية بمصر ووقف عليها أوقافاً كثيرة وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح وولي مشيختها الأكابر.(الخطط والآثار ج(2) ص415. بدائع الزهور ج(1) قسم(1) ص242)5- وقريب من قول المقريزي يقول (ابن جبير في رحلته ص46"ومن مناقب هذا البلد (مصر) ومفاخره


 العائدة في الحقيقة إلى سلطانه المدارس والمحارس الموضوعة لأهل الطلب والتعبد... وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة هو صلاح الدين المظفر يوسف بن أيوب وصل الله صلاحه وتوفيقه".)قد استرعت انتباه هذا الرحالة الأندلسي أحوال الصوفية فقال:"وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأن قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها وفرغ خواطرهم لعبادته... وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة...".6- ويذكر ابن إياس في بدائع الزهور (تاريخ مصر) عند حديثه عن مناقب صلاح الدين "وهو أول من اتخذ قيام المؤذنين في أواخر الليل وطلوعهم إلى المآذن للتسبيح حتى يطلع الفجر... وكان لا يلبس إلا الثياب القطن والجبب الصوف وقد عدّه اليافعي في كتاب روض الرياحين من جملة الأولياء الثلاثمائة".(بدائع الزهور في وقائع الدهور
 (تاريخ مصر) ابن إياس الحنفي. ت. محمد مصطفى، القاهرة 1982، الهيئة المصرية للكتاب ط2. ج1 ص248)وقد لمح ذلك الصفدي ت 764هـ بقصيدة مدح فيها نور الدين وصلاح الدين وما أدخلاه من سنن حسنة فقال من قصيدة:أحيا الذي قد سن نور الدينوزاد ما أمكن من تحسينوقال آخر:ودمت صلاح الدين للدين مصلحاًيطيعك في تصريف أحوالك الدهرانظر تحفة ذوي الألباب في من حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب، الصفدي القسم(2). ص83. منشورات وزارة الثقافة- 1992.كما أثنى أحد شعراء صلاح الدين على نزعة التصوف التي تميز بها السلطان فقال:ملك له في الحرب بحر تفقهوله غداة السلم زهد تصوفأحييت دين محمد وأقمتهوسترته من بعد طول تكشفانظر عيون الروضتين في أخبار الدولتين، أبو شامة المقدسي، منشورات وزارة الثقافة 1992. ج2 ص1777- وخلال فتح صلاح الدين للقدس (583) أمر المسلمين بالمحافظة على كنيسة القيامة "وبنى بالقرب منها مدرسة للفقهاء الشافعية ورباطاً للصلحاء الصوفية ووقف عليهما وقوفاً وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفاً"(الفتح القسي في الفتح القدسي، العماد الأصبهاني ت. محمد محمود صبح القاهرة 1965، المؤسسة العامة للتأليف ص145.)8- ويؤكد ابن الوردي في تاريخه حضور مشايخ الصوفية فتح القدس بقوله: "وشهد فتحه كثير من أرباب الخرق والزهد والعلماء في مصر والشام بحيث لم يتخلف منهم أحد"

 .( تتمة المختصر في أخبار البشر، ابن الوردي. ت. أحمد رفعت البدراوي بيروت 1970، دار المعرفة ط1 ج2 ص147)9- والروايات كثيرة تؤكد زهد صلاح الدين وتقشفه في مأكله وملبسه بينما يغدق كرمه على الفقهاء والصوفية ويوقف القرى بما تملك من موارد وأرباح خدمة للزوايا ودور الفقراء.(البداية والنهاية ج12 ص193)10
- وبلغ من تعظيمه للرسول صلي الله عليه وسلم واهتمامه بمولده الشريف أنه كان يدفع للكتاب الذين يؤلفون في قصة المولد العطايا الواسعة. وجدير بالذكر أن المدائح النبوية ازدهرت في فترة الحروب الصليبية وأصبحت فناً مستقلاً بذاته فقد مدح الشعراء الرسول صلي الله عليه وسلم وتوسلوا به إلى الله سبحانه لكشف الغمة عن أمته(الأدب في العصر الأيوبي، محمد زغلول سلام. القاهرة 1968 دار المعارف ص236)11- ومما يدل على محبة صلاح الدين للصوفية قول ابن الأثير في الكامل"كان يحضر عنده الفقراء والصوفية ويعمل لهم السماعَ فإذا قام أحدهم لرقص أو سماع يقوم له فلا يقعد حتى يفرغ الفقير"
(الكامل في التاريخ ج12 ص97.).12- ويحكى عنه أنه كان إذا سمع بأحد العارفين بالله زاره في زاويته ليقتبس من أنواره وقد سار إلى بغداد للقاء شيخ الطريقة القادرية علي بن الحسين المعروف "قضيب البان" الذي شجعه على قيادة جيوش الإيمان وأرسل معه عدداً من أبنائه للمشاركة في المعركة وقد استطاع أحدهم وكان ملثماً قتل أحد قادة جيوش الصليبيين وقد طلب من الفارس الملثم التقدم للمكافأة فلم يجب أحد(نهاية المطالب في أنساب فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب من دمشق الفيحاء إلى الموصل الحدباء، أبحاث ودراسات حققها صلاح الدين الموصلي دمشق 1975 مطبعة الثبات ص12).13-

 قد شد صلاح الدين الرحال أكثر من مرة إلى زيارة أولياء عصره من ذلك ما قاله المؤرخون "كما زار السلطان الشيخ الزاهد أبي زكريا المغربي عند مشهد عمر بن عبد العزيز –في معرة النعمان- فتبرك بزيارة الميت والحي".(انظر عيون الروضتين ج2 ص134، الأعلاق الخطيرة ج ذكر أمراء الشام والجزيرة لابن شداد- عز الدين- منشورات وزارة الثقافة 1975 ج1 قسم 1 ص174. الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب لابن الشحنة ص99. الكامل ج12 ص20.
 عند حديث ابن شداد عن المزارات التي في ظاهر حلب ص154. قال: "ومنها مشهد الحسين... ولما ملك صلاح الدين يوسف حلب زاره في بعض الأيام وأطلق له عشرة آلاف درهم.14- ذكر السيوطي رحمه الله في تاريخ الخلفاء، أن صلاح الدّين هو الذي بنى تربة وقبة الامام الشافعي في مصر، ويُذْكر عنه أنه هو الذي بنى ضريح الرّاعي في فلسطين.15- قال المقريزي في "المواعظ" (4\160):«وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري. وصار يحفّظها صغار أولاده. فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه. فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك (يقصد المماليك).

 واتفق مع ذلك توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزاليّ مذهب الأشعريّ. فلما عاد إلى بلاد المغرب وقّام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم. ثم مات فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ الميسيّ وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدّة سنين، وتسموا بالموحدين! فلذلك صارتّ دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت. إذ هو عندهم الإمام المعلوم المهديّ المعصوم. فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلاّ اللّه خالقها سبحانه وتعالى، كما هو معروف في كتب التاريخ. فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب وجُهِلَ، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه. 

»16- قال السبكي:« دخل يومًا القاضي الفاضل وزير السلطان لزيارة الشافعي، فوجده – الخبوشاني شيخ صلاح الدين – يلقي الدرس على كرسي ضيق، فجلس وجنبه إلى القبر، فصاح الشيخ فيه، قم، قم، ظهرك إلى الإمام؟ فقال الفاضل: إن كنت مستدبره بقالبي فأنا مستقبله بقلبي، فصاح فيه أخرى وقال: ما تُعُبِّدنا بهذا. فخرج وهو لا يعقل »[طبقات السبكي 7/15 – 17 محققة]. 

الخميس، 4 أكتوبر 2012

- تنزيه الله عن الجهة والمكان

الله منزه عن المكان والجهة بالأدلة
قال أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ:[وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء، والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات].
بعض الأدلة في تنـزيه الله عن الجهة والمكان مع ذكر حكم المجسمة:
اعلم أخي المسلم أن اعتقاد المسلمين سلفهم وخلفهم أن الله غنيّ عن العالمين،أي مستغن عن كل ما سواه أزلاً وأبدًا فلا يحتاج إلى مكان يقوم به أو شىء يحل به أو إلى جهة

ويكفي في تنـزيه الله عن المكان والحيز والجهة قوله تعالى( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشُّورى:11 فلو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد طول وعرض وعمق ومن كان كذلك كان محدَثًا مخلوقا محتاجًا لمن حدَّه بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق.
هذا الدليل من القرءان. أما من الحديث فما رواه البخاري وابن الجارود والبيهقي بالإسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "‏ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىءٌ غَيْرُهُ"‏
ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه احد لا ماء ولا هواء ولا أرض ولا سماء ولا كرسيّ ولا عرش ولا إنس ولا جن ولا ملائكة ولا زمان ولا مكان ولا جهة
فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان ولا جهة وهو الذى خلق المكان والجهات فليس بحاجة إليها وهذا ما يستفاد من الحديث المذكور.
وقال الحافظ البيهقي المتوفى سنة 458 هـ في كتابه الأسماء والصفات:" استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"وأنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقكَ شىءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شىءٌ"
وهذا الحديث فيه الرد أيضًا على القائلين بالجهة في حقه تعالى.
وقال الإمام عليّ رضي الله عنه: "كان الله ولا مكان وهو الآنَ على ما عليه كان"
رواه الإمام أبو منصور البغدادي.
وأما رفع الأيدي عند الدعاء إلى السماء فلا يدل على أن الله متحيز في جهة فوق لانّ السماء قبلة الدّعاء كما جعل الله الكعبة قبلة للصلاة والدعاء وهي مسكن الملائكة الكرام .
كما أن حديث مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء " اي كان باطن كفيّه لجهة الارض وظهرها للسماء وهذا لا يدل على أن الله في جهة تحت فلا حجة في هذا ولا في هذا لإثبات جهة فوق ولا جهة تحت لله تعالى بل الله تعالى منـزه عن الجهات كلها فالله موجود بلا جهة ولا مكان.
وقال الإمام السلفي أبو جعفر الطحاوى المولود سنة 227هـ فى عقيدته التى ذكر أنها عقيدة أهل السنّة والجماعة: "تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الستّ كسائر المبتدعات ".انتهى
الجهات الست هي فوق وتحت ويمين وشمال وامام وخلف هذه الجهات تختص بالمخلوقين وليس لله لانّه خالقها ولا يحتاج اليها
عقيدة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان (80 - 150هـ) رضي الله عنه
يقول الإمام أبي حنيفة النعمان ما نصه :
( قلت :أرأيت لو قيل أين الله تعالى ؟ فقال - أي أبو حنيفة :يقال له كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق ،وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء ،وهو خالق كل شيء )
الفقه الأبسط ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص25

وقال أيضاً ما نصه :
( ونقر بأن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه ،وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج ،فلو كان محتاجاً لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين ،ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله ،تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً )
كتاب الوصية ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص2

وقد كفّر الإمام المجتهد من ينسب المكان لله تعالى، فقال ما نصه :
(من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض)
الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص12
وقال أيضاً ما نصه :
(ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة)
شرح الفقه الأكبر ص136 وما بعد

وقال أيضاً ما نصه :
(لقاء الله تعالى لأهل الجنة حق بلا كيفية ولا تشبيه ولا جهة)
شرح الفقه الأكبر ص138
وممن نقل إجماع المسلمين سلفهم وخلفهم على أن الله موجود بلا مكان الإمام أبو منصور البغدادى المتوفّى سنة 429 هـ

الذي قال فى كتابه "الفَرْق بين الفِرَق" في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة، (ص256) ما نصّه :"وأجمعوا - أي أهل السنة والجماعة - على أنّه - تعالى- لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان" .انتهى بحروفه
وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني المولود سنة 419 هـ في كتابه الإرشاد: "مذهب أهل الحق قاطبة أن الله يتعالى عن التحيز والتخصصبالجهات" انتهى يتعالى اي يتنزه اي لا يجوز في حق الله القول انّه يحتاج للتحيز في مكان اي ان يكون في مكان ,قال تعالى :"وهو الغنيّ الحميد" فالله لا يحتاج لشيء.

وقال مفتي ولاية بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري الشافعي المتوفى سنة 1323 هـ في كتابه " الكفاية لذوي العناية " عن الله مانصه:
ليس بجِرم يأخذ قدرا من الفراغ، فلا مكان له، وليس بعرض يقوم بالجرم، وليس في جهة من الجهات، ولا يوصف بالكِبَر ولا بالصغر، وكل ما قام ببالك فالله بخلاف ذلك " .انتهى اي مهما وسوس الشيطان لنا وصور لنا عن الله ما لا يليق به فالله لا يشبه ذلك لانّ الله خالق الصور لا يشبهها "ليس كمثله شيء ".
تفسيرالعرض : فهو ما يقوم بالجواهر والاجسام كاللون والطعم فالعرض لا يقوم بنفسه انما يقوم بغيره فلا يقال مثلا رأيت لونا يمشي او طعم يسير انما يقال رأيت جسم لونه احمر يسير

الجِرم: هو الشيء الذي له طول وعرض وعمق هذا يقال له جرم

وقال الشيخ حسين بن محمد الجسر الطرابلسي المتوفى سنة 1327 هـ في كتابه "الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية" ما نصه: "إنه تعالى ليس جوهرًا ولا جسمًا، فلا يحتاج إلى مكان يقوم فيه، لأن الاحتياج إلى المكان من خواص الجواهر والأجسام، وثبت هناك أنه تعالى ليس عرضًا فلا يحتاج إلى محل يحل فيه".انتهى

الجوهر الفرد: هو الجزء الذي لا يتجزء لتناهيه في القلة

و الجسم" هو ما تركب من جوهرين فأكثر

وقال شيخ الجامع الأزهر الشيخ سليم البشري المصري المتوفى سنة 1335 هـ ما نصه: "اعلم أيدك الله بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيون أن الله تعالى منـزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنـزهه عن الجهة والمكان كما دلت على ذلك البراهين القطعية" ا.هـ نقلا عن كتاب : فرقان القرءان.

فكما صح وجود الله تعالى بلا مكان وجهة قبل خلق الأماكن والجهات، فكذلك يصح وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان وجهة وهذا لا يكون نفيًا لوجوده تعالى.

هذا وقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه المتوفى سنة 150 هـ في كتابه "الوصية" :" ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق " اهـ

وقال الإمام مالك رضي الله عنه المتوفى سنة 179 هـ :" الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع" اهـ. رواه البيهقي بإسناد جيد ، ولم يقل " والكيف مجهول".
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه المتوفى سنة 204 هـ : "من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه ومن انتهى إلى العدم الصرف فهو معطل ومن انتهى إلى موجود واعترف بعجزه عن إدراكه فهو موحد" انتهى". رواه البيهقي وغيره

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه المتوفى سنة 241 هـ "والله تعالى لا يلحقه تغير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش".

وكان ينكر- الإمام أحمد – على من يقول" إن الله في كل مكان بذاته لأن الأمكنة كلها محدودة ". رواه الإمام أبو الفضل التميمي الحنبلي في كتاب * اعتقاد الإمام أحمد*

وهذا السلطان العادل العالم المجاهد صلاحُ الدين الأيوبي المتوفى سنة 589هـ رحمه الله أمر أن تذاع أصول العقيدة السنية على المنابر قبل أذان الفجر

وأن تُعلّم المنظومة التي ألّفها لهُ محمد بن هبة البرمكي المتوفى سنة 599 هـ للأطفال في الكتاتيب، ومما جاء فيها:

وصانـع العالم لا يحويـه~~ قطـر تعالى الله عن تشبيه

قد كان موجودا ولا مكانا~~ وحكمه الآن على ما كانا

سبحـانه جلَّ عن المكان~~ وعزَّ عن تغيـر الزمــان

فقد غـلا وزاد في الغلو~~ من خصـه بجـهة العلـو
وهذه العقيدة تدرس في جامعة الأزهر في مصر وفي جامعة الزيتونة في تونس بل وسائر المغرب العربي

وكذا في أندونسيا وماليزيا وتركيا وسائر بلاد الشام والسودان واليمن والعراق والهند وباكستان وإفريقيا وبخارى والداغستان وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين.

هذا وقد نقل الإمام القرافي المتوفى سنة 684 هـ والإمام السبكي المتوفى سنة 756هـ والحافظ العراقي المتوفى سنة 804هـ والشيخ ابن حجر الهيتمي المتوفى سنة 947 هـ

وملا علي القاري الحنفي المتوفى سنة 1014هـ ومحمد زاهد الكوثري المتوفى سنة 1371هـ وغيرهم عن الأئمة الأربعة هداة الأمة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك و الإمام الشافعي و الإمام أحمد رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم في حق الله

ونص عبارة الفقيه الحنفي ملاّ علي القاري في كتابه "شرح المشكاة" (ج3 300) :" قال جمع من السلف والخلف إن معتقِد الجهة (أي في حق الله)كافر كما صرح به العراقيّ وقال إنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني( المتوفى سنة 403 هـ)" انتهى

ونقل ابن المعلم القرشي المتوفى سنة 725 هـ في "نجم المهتدي"ص 551 عن "كفاية النبيه في شرح التنبيه" قوله:

"وهذا ينظم من كفره مجمع عليه ومن كفرناه من أهل القبلة كالقائلين بخلق القرءان وبأنّه لا يعلم المعدومات قبل وجودها ومن لا يؤمن بالقَدَر وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش كما حكاه القاضي حسين ( المتوفى سنة 462 هـ) هنا عن نص الشافعي رضي الله عنه". انتهى


وقال الإمام محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة 1083هـ في كتابه "مختصر الإفادات" ص 489 :* فمن اعتقد أو قال إنَّ الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر*.

وقال في ص 490 :"ولا يشبه شيئًا ولا يشبهه شىء فمن شبهَهُ بشىء من خلقه فقد كفر كمن اعتقده جسمًا أو قال إنه جسم لا كالأجسام" انتهى ومن اعتقد انّ الله ساكن السماء كما تقول النصارى او على العرش كما تقول اليهود عليه العودة للاسلام بالنطق بالشهادتين اشهد ان لا اله الا الله محمّد رسول الله .فالله لا يحتاج لسماء او عرش او اي شيء من خلقه "




[الدلائل على أن الله تعالى منزه عن الجهة]
1- قال النسفي في شرح العمدة استدلالا على ذلك: الصور والجهات مختلفة، واجتماعها عليه تعالى مستحيل لتنافيها في أنفسها، وليس البعض أولى من البعض لاستواء الكل في إفادة المدح والنقص وعدم دلالة المحدثات عليه، فلو اختص بجهة لكان بتخصيص مخصص وهذا من أمارات الحدوث.
2- وقال السبكي: صانع العالم لا يكون في جهة لأنه لو كان في جهة لكان في مكان ضرورة أنها المكان أو المستلزمة له، ولو كان في مكان لكان متحيزاً، ولو كان متحيزاً لكان مفتقراً إلى حيزه ومكانه، فلا يكون واجب الوجود، وثبت أنه واجب الوجود، وهذا خلف.
3- وأيضاً لو كان في جهة فإما في كل الجهات، وهو محال وشنيع، وإما في البعض فيلزم الاختصاص المستلزم للافتقار إلى المخصص المنافي للوجوب. نقل كلام النسفي والسبكي الزبيدي في “ إتحاف السادة المتقين 2/104.
4- ومن الدليل على تنزه الله تعالى عن الجهة والمكان من السنة ما رواه مسلم في صحيحه (4/2804) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول في دعائه:
((اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر) قال الإمام الحافظ البيهقي في “ الأسماء الصفات “  ص41: استدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله، فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.
ونشرح هنا ست كلمات متعلقة بهذه المسألة يكثر دورانها ويقع الاشتباه والزلل فيها، يكون شرحها مساعدا لتحقيق المسألة وفهمها وهي “ لفظ الجهة “  و “ أنه تعالى فوق عرشه “  وأنه “ بائن عن خلقه “  و “ أنه تعالى ليس بداخل العالم ولا خارجه “   و “ أنه استوى على العرش “ . و “ أنه تعالى في السماء “ .
1-        أما لفظ الجهة فلم يقع ذكره في حق الله تعالى في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا في لفظ صحابي أو تابعي، ولا في كلام أحد ممن تكلم في ذات الله تعالى وصفاته سوى إقحام المجسمة، قاله الكوثري في تكملة الرد على نونية ابن القيم (117) وقال في صفحة (54).
2-        وأما لفظ أنه تعالى فوق عرشه فلم يرد مرفوعاً إلا في بعض طرق حديث الأوعال من رواية ابن منده في كتاب التوحيد وأسانيده مثخنة بالجراح، بل خبر الأوعال ملفق من الإسرائيليات كما نص عليه أبو بكر بن العربي في شرح سنن الترمذي.
3-        وأما أنه تعالى بائن عن خلقه فقد نقل البيهقي في “ الأسماء والصفات 411 “  عن أبي الحسن الأشعري أنه قال: إن الله مستوٍ على عرشه، وأنه فوق الأشياء بائن منها بمعنى أنها لا تحله ولا يحلها، ولا يمسها ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة تعالى الله عن الحلول والمماثلة علواً كبيراً.
يعني أن البينونة التي أثبتها الإمام أبو الحسن وغيره لله تعالى بمعنى نفي الممازجة والاختلاط وليست بمعنى الاعتزال والتباعد، لأن المماسة والمباينة التي هي ضدها –كما قال- من أوصاف الأجسام، والله عز وجل أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
فلا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام.
وقال العلامة المحقق محمد زاهد الكوثري في تكملة الرد على نونية ابن القيم (53-54):
ولفظ “ بائن عن خلقه “  لم يرد في كتاب ولا سنة، وإنما أطلقه من أطلقه من السلف بمعنى نفي الممازجة رداً على جهم، (يعنى في قوله: إن الله في كل مكان) لا بمعنى الابتعاد بالمسافة تعالى الله عن ذلك، ذكره البيهقي في الأسماء والصفات.
4-        أقول: وهذا معنى قول المتكلمين: (إن الله تعالى لا يكون داخل العالم) قصدوا به نفي الممازجة لتعاليه تعالى عن الحلول والاتحاد، وأما قولهم: (ولا خارجاً عنه) فقد قصدوا به نفي الجهة ونفي الابتعاد بالمسافة، أشار إليه البياضي في إشارات المرام (197) وإلا فمن الضروري أن الذي لا يكون داخل العالم يكون بائناً عنه وخارجاً عنه.
5-  وأما أنه تعالى استوى على العرش فقد قال البيهقي في "الأسماء والصفات" (396-397) وليس معنى قول المسلمين: إن الله استوى على العرش هو أنه مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته لكنه بائن من جميع خلقه، وإنما خبر جاء به التوقيف. فقلنا به، ونفينا عنه التكييف، إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وسننقل كلام الإمام الأشعري في الاستواء في آخر هذه الرسالة.
6- وأما أن الله تعالى في السماء فقد قال ابن تيمية: ومن توهم أن كون الله تعالى في السماء بمعنى أن السماء تحيط به أو تحويه أو أنه محتاج إلى مخلوقاته، أو أنه محصور فيها، فهو مبطل كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه فإنه لم يقل به أحد من المسلمين، بل لو سئل العوام هل تفهمون من قول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل واحد منهم بقوله: هذا شيء لم يخطر ببالنا، بل عند المسلمين أن معنى كون الله تعالى في السماء وكونه على العرش واحد، بمعنى أن الله تعالى في العلو لا في السفل.
نقل هذا الكلام عن ابن تيمية زين الدين مرعي بن يوسف الكرمي في كتابه “ أقاويل الثقات (94)
أقول: قد شرح العلامة زين الدين الكرمي في كتابه (أقاويل الثقات) قول القائلين بالجهة والعلو بوجه جيد لا يخالف مذهب النافين لهما من أهل السنة، فقال:
القائل بالجهة يقول: إن الجهات تنقطع بانقطاع العالم، وتنتهي بانتهاء آخر جزء من الكون، والإشارة إلى الفوق تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة.
ومما يحقق هذا أن الكون الكلي لا في جهة لأن الجهات عبارة عن المكان.
والمكان الكلي لا في مكان، فلما عدمت الأماكن من جوانبه لم يقل: إنه يمين، ولا يسار، ولا قدام، ولا وراء، ولا فوق ولا تحت.
وقالوا: إن ما عدى الكون الكلي وما خلا الذات القديمة ليس بشيء، ولا يشار إليه، ولا يعرف بخلاء ولا ملاء، وانفرد الكون الكلي بوصف التحت، لأن الله تعالى وصف نفسه بالعلو وتمدح به.
وقالوا: إن الله أوجد الأكوان لا في محل وحيِّز، وهو في قدمه تعالى منزه عن المحل والحيِّز، فيستحيل شرعاً وعقلاً عند حدوث العالم أن يحل فيه، أو يختلط به، لأن القديم لا يحل في الحادث وليس محلاً للحوادث، فيلزم أن يكون بائناً عنه، فإذا كان بائناً عنه، يستحيل أن يكون العالم من جهة الفوق والرب في جهة التحت، بل هو فوقه بالفوقية اللائقة التي لا تكيف ولا تمثل، بل تعلم من جهة الجملة والثبوت، لا من جهة التمثيل والكيف، فيوصف الرب بالفوقية كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يفهم منها ما يفهم من صفات المخلوقين.
 وقالوا: إن الدليل القاطع دل على وجود الباري وثبوت ذاته بحقيقة الثبوت. وأنه لا يصلح أن يماس المخلوقين أو تماسه المخلوقات، حتى إن الخصم يسلم أنه تعالى لا يماس الخلق. انتهى.
وهذا التوجيه الذي ذكره الكرمي ناسباً له إلى القائلين بالجهة توجيه جيد يجمع بين قول القائلين بالجهة، وقول القائلين بتنزه الله تعالى عنه، ويرتفع به ما وقع بين الفرق الإسلامية من الخلاف والنزاع الذي أدى بها إلى الفرقة والشحناء والبغضاء.
وقد أشار إلى هذا الوجه القاضي عضد الدين الإيجي في كتابه المواقف. قال: ومنهم –أي من القائلين بالجهة- من قال ليس كونه في جهة ككون الأجسام في جهة. قال السيد الشريف الجرجاني في شرحه (8/19). والمنازعة مع هذا القائل راجعة إلى اللفظ دون المعنى، والإطلاق اللفظي متوقف على ورود الشرع به. انتهى.
وحاصل هذا التوجيه أن الله تعالى ليس داخل العالم مختلطاً به ممازجاً إياه، كما أن العالم ليس بداخل فيه لأن الله تعالى لم يخلق العالم في نفسه وإنما خلق العالم خارجاً عن نفسه، كما أنه تعالى لم يحل فيه بعد أن خلقه، وإلا لزم الممازجة والمخالطة والحلول والاتحاد وقيام الحوادث به تعالى وهذه الأمور منتفية عن الله تعالى بالإجماع.
بل الله تعالى بائن عن العالم ليس داخلاً فيه، وليس في جهة منه.
وذلك لأن الجهات تنقطع بانقطاع العالم، وتنتهي بانتهاء آخر جزء منه، فلا يوصف العالم –وهو الكون الكلي بجملته- بأن له يميناً ولا يساراً، ولا قداماً ولا خلفاً، ولا فوقاً ولا تحتاً، كما لا يوصف الله تعالى بذلك، فلا يكون الله في جهة منه كما لا يكون هو في جهة من الله تعالى.
وقد وصف الله تعالى نفسه بالعلو والفوقية وتمدح بهما، فنثبتهما له تعالى على أنهما وصف مدح له تعالى، وبالمعنى اللائق به تعالى الذي لا يمثل ولا يكيف، ونعتقد العلو والفوقية لله تعالى من جهة الجملة والثبوت، مع نفي التمثيل والتكييف، فنعتقد وصف الرب بالعلو والفوقية كما يليق بجلاله وعظمته، بدون أن نفهم منها ما يفهم من صفات المخلوقين. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(6/136): ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله تعالى أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي ولم يرد ضد ذلك. انتهى.  هذا بحسب التحقيق.
والحاصل أن الذين نفوا الجهة عن الله تعالى نفوها عنه بمعنى أن يكون في جهة معينة من العالم، وأما الذين أثبتوا الفوقية لله تعالى فلم يريدوا أنه تعالى في جهة معينة من العالم، بل أرادوا أنه تعالى بائن عن العالم وليس بداخل فيه، وأنه فوقه بالفوقية اللائقة بعزته وجلاله التي لا تمثل ولا تكيف، وتعلم من جهة الجملة والثبوت لا من جهة التمثيل والكيف، ولا يفهم منها ما يفهم من صفات المخلوقين وفوقيتهم. والفوقية بهذا المعنى لله تعالى وكذلك البينونة مما يثبته الفريق الأول لله تعالى. والذي ينفونه إنما هو الفوقية بمعنى الكون في جهة معينة من العالم التي هي من صفات المخلوقين. وهذه الفوقية لم يثبتها الفريق الثاني بل قد نفوها عن الله تعالى، فلم يتوارد نفي الجهة عن الله تعالى ممن نفاها وإثباتها ممن أثبتها على معنى واحد، فليس بينهما خلاف  في الحقيقة، بناء على هذا التحقيق، بل خلافهم يعود إلى اللفظ، وأما الحقيقة فالفريقان متفقان فيها، فقد أثبت كل من الفريقين ما أثبته الفريق الآخر، ونفى ما نفاه.
2- [ حكم الوهم بالعلو والفوقية لله تعالى ]

وأما الوهم فيحكم بأن ما وراء العالم فوق له، والله تعالى بائن عن خلقه ليس بداخل فيه، فيحكم الوهم بأنه فوقه، فالفوقية بحسب حكم الوهم تؤول إلى البينونة التي أثبتها العلماء لله تعالى، وهذه الفوقية الوهمية هي المركوزة في فطرة كل إنسان.
لا يذكر أحد من بني آدم الله تعالى إلا وهو يشعر بفوقيته تعالى.
وهي فوقية يحكم بها الوهم مخالفاً لحكم العقل كما هو الحال في معظم أحكام الوهم، فإن معظم أحكامه مخالفة لحكم العقل، ومن أجل ذلك عدَّ المناطقة القياس المؤلف من القضايا الوهمية من الأقيسة التي لا تفيد اليقين، وسموا هذا القياس بالمغالطة والسفسطة.
وقالوا: إن النفس أطوع للوهميات منها لليقينيات: مثال ذلك أن العقل يحكم بأن الميت لا يخاف منه لأنه جماد وكل جماد لا يخاف منه، وأما الوهم فيحكم بأن الميت يخاف منه مخالفاً للعقل فالإنسان مع تيقنه بحكم العقل لا يطيعه ولا ينقاد له، وإنما ينقاد لحكم الوهم فيخاف من الميت،
وكثيراً ما تلتبس الوهميات باليقينيات عند الإنسان فيعتقد الوهميات يقينيات ويجزم بها كجزمه باليقينيات حتى يتبين له بالدليل بطلانها، فيحكم ببطلانها ومع ذلك يبقى منقاداً لها. ومن هذا القبيل الفوقية لله تعالى، فإن معظم بني آدم جازمون بها اتباعاً لحكم الوهم وانقيادا له وعندما يتبين لبعض العلماء بالدليل القطعي بطلانها يحكم ببطلانها ومع ذلك يبقى شاعراً بها في قرار نفسه.
ومن أجل صعوبة التخلص من هذا الحكم الوهمي رخَّص النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في اعتقاد الجهة في حديث الجارية حينما سألها أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: صلى الله تعالى عليه وسلم، إنها مؤمنة، ولم ينكر عليها، ولكنه لم يقل: إنها صادقة، أو إنها على الحق، أو نحو هذا الكلام مما يفيد أن ما اعتقدته حق.
ومن أجل ذلك لم يحكم علماء أهل السنة بكفر معتقد الجهة لله تعالى، وقالوا إن هذا الاعتقاد مَعْفُوٌّ للعوام
وأما امتناعه صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيان بطلان هذه العقيدة للجارية وعن بيان الحق في المسألة لها فلأن بيان الحق فيها يحتاج إلى فلسفة لم تكن الجارية أهلاً لأن تفهمها، كما أنها لم تكن مكلفة باعتقاد نفي الجهة عن الله تعالى،  وقد أمر صلى الله عليه وسلم أن يكلم الناس على قدر عقولهم، فلم يكن هذا الامتناع من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ليس بجائز عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن هذا البيان ليس من البيان الواجب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم حتى يكون تأخيره عن وقت الحاجة ممتنعاً عليه صلى الله تعالى عليه وسلم.
3- [ الفوقية العرفية لله تعالى ]
ثم إننا إذا صرفنا النظر عن التدقيق الفلسفي الذي قررنا به نفي الجهة عن الله تعالى فمما لا ريب فيه ولا ينبغي أن يختلف فيه اثنان أن ما وراء العالم فوقٌ لبني آدم كلهم بحسب العرف كما أنه فوقٌ لهم بحسب الوهم، لأنه مقابل لرؤوسهم كما أن الأرض تحتٌ لهم لأنها مقابلةٌ لأرجلهم، وإن لم يكن فوقاً لهم بحسب التحقيق الذي نقله الكرمي عن القائلين بالجهة، لانقطاع الجهات بانقطاع العالم، والعرف هو الذي يقع به التخاطب في اللغة بين أهلها دون التدقيقات الفلسفية؛ والله تعالى بائن عن خلقه فهو فوقه بحسب العرف، فالفوقية العرفية كالفوقية الوهمية تؤول إلى البينونة التي أثبتها العلماء لله تعالى،فالمعبر عنه بالبينونة في كلام العلماء هو المعبر عنه بالفوقية والعلو أو بما يفيدهما في كلام الشارع.
وبهذا المعنى قال الإمام أبو الحسن الأشعري: فيما نقله عنه البيهقي: (وإنه فوق الأشياء بائنٌ منها) ومن أجل ذلك لم ينكر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الجارية إشارتها إلى فوق.
وبهذا المعنى جاء إثبات العلو والفوقية لله في نصوص الكتاب والسنة مما يصعب حصره، وهذه النصوص وإن كان حمل بعضها على الفوقية بحسب المكانة والعلو بحسب الرتبة مما لا بأس به لكن حمل بعضها الآخر على ذلك مما يأباه المقام والسياق؛ فنتثبت العلو والفوقية لله تعالى بهذا المعنى، بدون كيف ولا تمثيل ونتوقف عنده، ولا نتجاوزه إلى التفاصيل التي لم يرد بها شيء من الكتاب والسنة ونعترف بالعجز عما وراء ذلك.
ونورد هنا نبذة من نصوص الكتاب والسنة التي ورد فيها إثبات الفوقية والعلو لله تعالى، قال الله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم)، وقال: (إليه يصعد الكلم الطيب).
وقال: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) وقال: ( تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء) أخرجه الترمذي وقال: حسن.
 وقال: ( من اشتكى منكم شيئا أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا ألذي في السماء تقدس اسمك...) أخرجه أبو داود.
وقال: (الا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء) أخرجه البخاري ومسلم.
وقال: (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها  فتأبى عليه إلا  كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها) أخرجه الشيخان.
وقال: (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش). أخرجه الشيخان، إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الواردة في ذلك.
وقد تقدم قول ابن تيمية أن معنى كون الله تعالى في السماء وكونه على العرش واحد. وهو أن الله تعالى في العلو لا في السفل. وتقدم أن قلنا: إن وصف العلو لله تعالى يؤل  إلى البينونة التي أثبتها العلماء لله تعالى.
ونختم بحثنا هذا بإيراد نص للإمام أبي الحسن الأشعري قال رحمه الله تعالى في كتاب “ الإبانة “ صـ (71): وأن الله استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده استواءً منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء، وهو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد.
وهذا النص من الإبانة ليس بموجود في النسخ المطبوعة المتداولة، وهو ثابت في مخطوطة نسخة بلدية الإسكندرية، وقد قامت بتحقيقها الدكتورة فوقية حسين محمود، وطبعت الطبعة الأولى منها بدار الأنصار بالقاهرة، والطبعة الثانية بدار الكتاب للنشر والتوزيع بالقاهرة.
والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اضف 
تنزيه الله عن المكان والجهة:

الخميس، 6 سبتمبر 2012

حكم قول جناب الله-

حكم قول جناب الله-
قال الرملي رحمه الله :(( سئلت عما يحلف به أهل مصر من قولهم والجناب الرفيع .
فقلت إن نوى به الله تعالى فهو يمين .
وإن نوى به النبي صلى الله عليه وسلم فليس بيمين لأنه يطلق عليهما إطلاقا واحدا بل قد يغلب في حق النبي صلى اللهعليه وسلم .
ج وكتب أيضا قال العراقي سئلت عمن حلف بالجناب الرفيع وأراد به الله تعالى هل تنعقد يمينه وتلزمه الكفارة إذا حنث فأجبت بأنها لا تنعقد لأن مدلول جناب الإنسان فناء داره ولا يجوز أن يطلق ذلك على الله عز وجل وإطلاقه على الله تعالى إلحاد في أسمائه ...
حاشية الرملي ج4/ص243 )).
قلت : فالرملي رحمه الله تعالى اعتبر الحلف بجناب الرفيع يمين صحيحة وهو ما يدل دلالة قطعية على جواز إطلاق هذه اللفظ عنده .
ثم ذكر الرملي أن العراقي منع منها .

فأين ادعاء تعميم منع العلماء لهذه اللفظة ؟

وفيما يلي مبحث لمعرفة الصواب في هذه المسألة وكيف أن هذه اللفظة استعملها علماؤنا قديما وحديثا .

معاني كلمة الجنب والجناب في اللغة :
قال في المعجم الوسيط ج1/ص138
(( ( الجنب ) من كل شيء ناحيته و شقه و معادله و يقال هذا قليل في جنب مودتك بالنسبة إليها .

و ماذا فعلت في جنب حاجتي في أمرها .
و في التنزيل العزيز { يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله } في جانبه و في حقه .
( الجناب ) الناحية . و يقال مروا يسيرون جنابيه حواليه و فناء الدار أو المحلة و يقال أنا في جناب فلان كنفه و رعايتهو فلان رحب الجناب
 و خصيب الجناب سخي .))

قلت : فتبين مما سبق أن كلمة الجنب والجناب تشتركان في استعمالهما للناحية أي لهما نفس الاستعمال .

وكلمة الجناب تستعمل للناحية ( جناب فلان يعني ناحية فلان ) و لفناء الدار ( جناب فلان يعني فناء دار فلان ) وتستعمل للكنف ( جناب فلان يعني كنف فلان ) وتستعمل للرعاية ( جناب فلان يعني رعاية فلان ) وتستعمل لمعاني أخرى غير التي ذكرت .

لذا فإن حصر معناها بفناء الدار فقط ومن ثم اعتبار جناب فلان تعني ( فناء دار فلان) فقط وقياس جناب الله عليها غير مسلم به كما هو واضح .

والدليل على ذلك من القرآن العظيم في قوله تعالى
 { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله }.

والدليل الآخر هو استعمال علماؤنا الجهابذة للفظة جناب مع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا . .

وسأذكر فيما يلي تفسير أئمتنا لهذه الآية ليتبين لنا أن حصر معنى الجناب بفناء الدار ومن ثم اعتبار هذه اللفظة لا تليق بالله جل وعلا غير مسلم به .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج4/ص374

(( وليوقن كل الإيقان بأن ما جاءت به الآثار النبوية حق ظاهرا وباطنا وان قصر عنه عقله ولم يبلغه علمه فورب السماء والارض انه لحق مثل ما أنكم تنطقون فلا تلجن باب انكار ورد وامساك واغماض

لظاهره وتعجبا من باطنه حفظا لقواعدك التى كتبتها بقواك وضبطتها بأصولك التى عقلتك عن جناب مولاك .

اياك مما يخالف المتقدمين من التنزيه وتوق التمثيل والتشبيه ولعمرى إن هذا هو الصراط المستقيم الذى هو أحد من السيف وأدق من الشعر ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ))

وقال أيضا في مجموع الفتاوى ج6/ص70

((والمشركون يقولون عظمة الرب وجلاله يقتضى ان لا يتقرب إليه الا بواسطة وحجاب فالتقرب إليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع ))

وفي شرح العقيدة الطحاوية ج1/ص284
(( فلا يكون في جناب الحق تعالى ان يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما هذا من أبين المحال فإنه سبحانه الخير كله بيده والشر ليس إليه بل كل ما إليه فخير ))

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي ج1/ص89

(( ووقعت مسألة وهى أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى أو انه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه ))

وقال أيضا في الجواب الكافي ج1/ص98
(( وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأعلى ذكرهم وجعل اللهفيهم الملك والخلافة والعزو وضع أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أين ما ثقفوا وهذا يتضمن غاية القدح فى جناب الرب تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا ))
استعمالها كناية عن الذات الإلهية :
وفي تفسير البيضاوي ج5/ص74
(( { على ما فرطت } بما قصرت { في جنب الله } في جانبه أي في حقه وهو طاعته
وقيل في ذاته على تقدير مضاف كالطاعة .

[ قلت : يعني الجناب هنا كناية عن الذات ]

وقيل في قربه من قوله تعالى { والصاحب بالجنب }))

وقال إمام المفسرين الطبري في تفسيره ج13/ص162

(( وقوله { على ما فرطت في جنب الله } في ذات الله كأنه عندنا قيل في الله .))

[ قلت : وهذا أوضح قول في أن جنب الله يعني بها الذات الإلهية
 والجنب يعني الذات ]
وقال الإمام السمعاني في تفسيره ج4/ص477

(( وقوله { على ما فرطت في جنب الله } أي ضيعت في ذات الله .))

وفي تفسير أبي السعود ج7/ص260

وهو كناية فيها مبالغة وقيل في ذات الله على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى والصاحب بالجنب .

وهنا استعمالها مع اسم الرحمن .

وقال ابن حيان 745 في مقدمة تفسيره البحر المحيط ج1/ص100 :

(( ألوذ بجناب الرحمن وأقتصر على النظر في تفسير القرآن فأتاح الله لي قبل بلوغ ذلك العقد وبلغني ما كنت أروم من ذلك القصد ))
استعمالها مع لفظ الجلالة الله :

وقال الإمام ابن كثير ( ت774) في تفسيره ج1/ص16
(( ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
 أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم )).

استعمالها مع لفظ الرب تبارك وتعالى :

تفسير ابن كثير ج2/ص459

(( { قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله } يقول أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب تبارك وتعالى))
تفسير اسم العزيز ب ( منيع الجناب )

تفسير ابن كثير ج1/ص345

(( { والله عزيز } أي منيع الجناب عظيم السلطان .))

استعماله مع اسم العلي :

وقال العلامة الشوكاني في فتح القدير ج2/ص235
(( بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العلىمفوضين الأمر إليه طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر))

استعماله مع الضمير الدال على لفظ الجلالة الله :

الشوكاني في فتح القدير ج3/ص81

(( { ويهدي إليه من أناب } أى ويهدى إلى الحق أو إلى الإسلام
 أو إلى جنابه عز وجل

وهنا استعماله مع اسم الخالق :

فتح القدير ج3/ص180
(( قوله { ضرب الله مثلا } لما قال سبحانه إن الله يعلم أى بالمعلومات التى من جملتها كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون علمهم سبحانه كيف تضرب الأمثال فقال ضرب الله مثلا أى ذكر شيئا يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه وبين ما جعلوه شريكا له من الأصنام .

وقال الآلوسي ( ت1270) في تفسيره روح المعاني ج1/ص48

وهنا الاستعانة بالجناب كناية عن الذات .

(( وأما الثامن فلأن معنى الحديث أفعل كذا مستعينا بإسم الله الذي لا يضرني مع ذكر أسمه مستعينا به شيء إذ من أستعان بجنابه أعانه ومن لاذ ببابه حفظه وصانه ))
استعماله مع اسم العلي والأعلى

روح المعاني ج1/ص400

(( واصلة من الله إليه وهي شهادته تعالى لإبراهيم عليه السلام بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفا وجيء بالوصفين لتعليل الإنكار وتأكيده فإن ثبوت الشهادة عنده وكونها من جانب جناب العلي الأعلى عز شأنه من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشد الزواجر عن كتمانها ))
استعمالها بدلا من الذات الإلهية .

روح المعاني ج2/ص92
(( { ويكون الدين كله لله } بتوجه الجمع إلى الجناب الأقدس والذات المقدس ))

استعمالها مع اسم الحق .

روح المعاني للآلوسي ج11/ص148

(( { ولا تعملون من عمل } إلخ خلا أن لهم في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسبما درجات تفاوت إستعداداتهم وأقصى الدرجات ماإنتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حتى جمعوا بذلك بين رياسة النبوة والولاية ولم يعقهم التعلق بعالم الأشباح عن الإستغراق في عالم الأرواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن التبتل إلى جناب الحقسبحانه عز وجل لكمال إستعداد نفوسهم الزكية
 المؤيدة بالقوة ))

استعماله مع اسم القوي .

روح المعاني ج12/ص126

(( قوله عليه السلام { أرهطي } إلخ الرد والتكذيب لقومه فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لعزته بل لمراعاة جانب رهطه رد عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله تعالى حق قدره ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون رهطي الأذلة ))
استماله مع اسم المبدئ

روح المعاني ج13/ص228

(( أنه كما لايستحق الوجود ابتداء لايستحقه بقاء وانما ذلك من جناب المبدىء الأول عز شأنه وجل فكما لايتصور وجوده ابتداء مالم يسند عليه جميع انحاء عدمه الاصلي لايتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته مالم ينسد عليه جميع انحاء عدمه الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي ))
استعماله مع اسم الجليل .

روح المعاني ج14/ص13

(( وأن الملائكة لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق الإتيان الشامل للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الأخر منها بل من الأسفل إلى الأعلا وأن يكون مقصد حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا تحت ملكوت أحد من البشر وإنما الذي يليق بشأنهم النزول من مقامهم العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل قاله شيخ الإسلام ))

استعماله مع اسم الكبير واسم المتعالي .

روح المعاني ج14/ص195

(( ويزيد ذلك تعظيما قوله سبحانه { منا} أي من جنابنا الكبير المتعالي ))
استعماله مع اسم الملك .

روح المعاني ج16/ص268

(( { فتعالى الله الملك الحق } لما فيه من انشاء التعجب فكأنه قيل حيث نبهت على عظمة جلالة المنزل وأرشدت إلى فخامة المنزل فعظم جنابه الملك الحق المتصرف في الملك والملكوت ))

وقال العلامة السعدي ( ت1375 ) في تفسيره ج1/ص708

استعماله مع صفة الكبرياء .

(( { وإنا لنحن المسبحون } أي والمقدسون لله سبحانه
 عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه ))

استعماله مع اسم العظيم .

تفسير السعدي ج1/ص268

(( ولكن لما كان هذا السب طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل غيب وآفة وسب وقدح . ))
وقال  ابن باز في مجموع فتاوى ابن باز
(( ذلك بتقدير العزيز العليم ، وهو الذي قدر سبحانه وتعالى لها ذلك . العزيز ، ومعناه : المنيع الجناب الغالب لكل شيء ، العليم بأحوال خلقه سبحانه وتعالى . والله ولي التوفيق .))



ولا يسعني في ختام هذا البحث إلا أن أنصح نفسي أولا وكل الأخوة الأحبة والأخوات الفضليات أن يراقبوا الله عز وجل في نقلهم لما يخص ديننا .
وأختم بحثي بكلام المعصوم عليه الصلاة والسلام الآتي
فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
 ( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع )
وأسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وما أخطأنا به إنه جواد كريم وغفور رحيم .
والله أعلم 
جاري التحميل...