آخر الأخبار
موضوعات

السبت، 4 أغسطس 2012

- السنة الحسنة وبدعة الضلالة

 السنة الحسنة وبدعة الضلالة
أخى الكريم: أن هناك أمور كثيرة جدا لا تدخل تحت الحصر استحدثت فى محيط الأمة الاسلامية من الأحاديث التي تدل على أن البدعة تنقسم إلى قسمين ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله :" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

فيُفهم من ذلك يا أحبابنا أن سيدنا رسول الله قسم البدعة إلى قسمين: إلى بدعة حسنة، وهي المحدثة الموافقة للقرآن والسنة وإلى بدعة ضلالة، وهي المحدثة المخالفة للقرآن والسنة.

* السنة:ــــ
للسنة عدة تعريفات اتجه اليها العلماء وكل عرفها بحسب اختصاصه وعلمه من أصوليين وفقهاء ومحدثين وأقرب هذه التعاريف إلى الموضوع الذي أبحثه هنا هو ما قاله الأصفهاني من (مفردات القرآن) : سنة رسول الله وهي طريقته التي كان يتحراها أي طريقته في الفعل والأمر والقبول والرد.
وهي فعل رسول الله وقوله وإقراراته, وقد أنتقل إلى الرفيق الأعلى وترك ستين ألف عين تطرف من المسلمين, لكل منهم أعمال, وآراء وأقوال رآها صلى الله عليه وسلم, وسمعها منهم وأقرهم عليا أو نهاهم عنها. فكل أعمال الصحابة - رضي الله عنهم - وأقوالهم وآراؤهم التي أقرها رسول الله سنة. وقد توسع بعض أهل الكشف بجعل من السنة أعمال التابعين أمام الصحابة رضي الله عنهم التي أقروهم عليها, وعلى هذا فوسعه السنة فوق أن يجمعها رجل واحد مهما بلغ من الكمال. فالسنة محلها في المجتمع الإسلامي جميعه
البدعة
لغة: قال الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن) الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء وإذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلا الله والبديع يقال للمبدع نحو قوله ﴿ بديع السماوات والأرض﴾([2]) ويقال للمبدع – بفتح الدال – نحو بديع وكذلك البدع يقال لها جميعا بمعنى الفاعل والمفعول وقوله تعالى ﴿ ما كنت بدعا من الرسل﴾([3]) قيل معناه: مبدعا لم يتقدمني رسول وقيل : مبدعا فيما أقوله.
وقال الفيومي في (المصباح) أبدع الله تعالى الخلق إبداعا خلقهم لا على مثال وأبدعت الشيء وابتدعته: استخرجته وأحدثته .
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح حديث : «وشر الأمور محدثاتها..»([4]).

· البدعة لغة: كل شيء أحدث على غير مثال.
وقال أيضا عن شرح حديث «نعمت البدعة هذه »([5]): البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق.
· شرعا: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (تهذيب الأسماء واللغات) : هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال الفيومي : هي الزيادة أو النقص في الدين لكن قد يكون بعضها غير مكروه فيسمى بدعة مباحة وهي ما شهد لجنسها أصل في الشرع أو اقتضتها مصلحة تندفع بها مفسدة.
هذا وقد قسم العلماء البدعة إلى قسمين اثنين:
: هي ما استحدث بعد رسول الله وهي نوعان: بدعة حسنة وبدعة سيئة. أما البدعة الحسنة: فهي كل عمل يوافق أو ينطوي تحت ما أمر الله تعالي به, أو سنة رسول الله وكل عمل من أعمال الخير أو الصلاح مما استحدثه الصحابة بعد رسول الله فهو بدعة حسنة تؤيدها السنة, مثال ذلك ما سنة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في صلاة القيام جماعة بالمسجد في شهر رمضان, فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسنها, ولم يأمر أحدا من الصحابة بها, وإنما كان صلوات الله وسلامه عليه يصليها في ليال متفرقة ولم يدع إليها, فهذا العمل من عمر بن الخطاب بعد رسول الله بدعة حسنة وهو يدخل تحت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة الحديث ..) . وأما البدعة السيئة: فهي كل عمل مستحدث مخالف ما كان عليه رسول الله أو ما ورد عنه نص صريح, وهو ما عناه صلوات الله عليه بقوله (وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلاله وكل ضلاله في النار) وقوله عليه الصلاة والسلام: (... ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة). ويقابل هذا قوله عليه الصلاة والسلام (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) ..كما سن الإمام عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - الذكر في جماعة قعودا وقياما, بدليل أنه صلى العيد في صحراء خارج المدينة ثم جلس مع الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون الله تعالي, فال عروة بن الزبير - رضي الله عنهما (الذين يذكرون الله قياما وقعودا) وأنت تذكره قاعدا, فأسرع بالقيام وذكر مع الجماعة قائما. فأخذ أئمة الطريق بسنته رضي الله عنه.

وبعد أن أنزل الله سبحانه وتعالى قوله (اليوم أكملت لكم يدنكم ... الآية) توسع الصحابة والتابعون في عمل القربات, وكان بعض أئمة الصحابة رضي الله عنهم يذهبون إلى القبور ويجلسون هناك لتحضر قلوبهم فارغة من الشواغل, ومن محادثه نسائهم وأولادهم. وكما زاد عثمان بن عفان رضي الله عنه - فى المسجد وفرشه وأتم جمع القرآن. وكما ترك الصحابة رضي الله عنهم خضاب لحاهم بعد أن أمروا به لعلمهم الحكمة, وذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يتميزوا عن اليهود الذين يتركون الشيب فى لحاهم, فلما نشر الدين أطنابه ودق أوتاده ترك الناس خضاب لحاهم. وكما أمرهم صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور بعد أن نهاهم عن زيارتها, ومن تتبع كتب السير والسنن, يرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أشياء كثيرة في فجر الإسلام, ثم أباح العمل بها لمن شاء. كل ذلك لحكمة يعلمها الراسخون في العلم, ومن فكر في كيفية تحريم الخمر .. مخففا ثم مشددا .. يعلم حكمة الناسخ المنسوخ. فكل داع يدعو إلى الله تعالي لم يكن محيطا بمراد الشارع في أمره ونهيه .. وإباحته وحظره. .يجب أن يحصل العلم قبل أن يدعو غيره, حتى يكون على بينة من أمره.


. عنه بقوله (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين). وقال سبحانه (ولو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا).ونحن مأمورون أن نتوسل إلى الله بما يقربنا إليه وينيلنا رضوانه الأكبر والحب لذاته, وأكمل وسيلة نتوسل بها إلى الله هي أعمال وأقوال وأحوال من بأتباعه يحبنا

بدعة الضلال
فهى كما قال رسول الله الله صلى علية وسلم من أحدث فى أمرنا ما ليس له فيه فهو رد "عن عائششة رضى الله عنها .
اذن بدعة الضلال هى الأمر المنكر شرعا و عرفا ولم يكن له أصل فى كتاب أو سنة رسوله الله الله صلى علية وسلم . و هى التى يضل صاحبها عن طريق الله و رسوله و يهوى بها فى مزالق الشر و الفساد و هى مردودة على صاحبها و لا تقبل منه وذلك مثل ابتداعات الفرق و الضلال التى غيرت معالم العبادات و المعاملات التى شرعها الله و رسوله. أو تحرم ما أحلة الله و رسوله. أو الفرق التى تطعن فى أئمة المسلمين. أو الفرق التى تحدث القاق و التفرقة بين المسلمبن و تبلبل أفكارهم و تضرب بعضهم ببعض. أو الفرق التى تتعصب لبعض المذاهب و الارآء و تسجع الجدل و المراء و الخصومة. أو الفرق التى تتبع الآيات المتشابه فى كتاب الله أو فى السنة و تحاول تطويع هذا التشابه لأغراضهم و أهوائهم المنحرفه و يشيعون بذلك الفتن بين المسلمين. كل هذه الفرق ابتدعت فى الاسلام و فى الأمة بدعة الضلال التى يضون بها أنفسهم و غيرهم .

فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم.
وأخرج البيهقي عن الإمام الشافعي في مناقبه: المحدثات ضربان: ما أُحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة الضلالة وما أحدث في الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهو محدثة غير مذمومة.

حتى إنه نفى اسم البدعة عما له أصل في الشرع فقال رضي الله عنه : كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به.

وقال الإمام النووي في ( تهذيب الأسماء واللغات) عند كلامه عن البدعة: هي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.

وقال الحافظ ابن الأثير في (النهاية) البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو من حيز الذم والإنكار وما كان واقعا تحت عموم مما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو في حيز المدح وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو في الأفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به.

وقال الحافظ ابن العربي في شرحه على سنن الإمام الترمذي عند الكلام على حديث «إياكم ومحدثات الأمور»([6])، وقال عمر نعمت البدعة وإنما يذم من البدع ما خالف السنة ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة.

حتى إن بعض العلماء أوصلها إلى خمسة أقسام:
واجبة: تعلم النحو ، ونظم ادلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين.
مندوبة: الأذان على المنابر، وتصنيف كتب العلم وبناء المدارس وغير ذلك.
مباحة: استعمال المنخل والتوسع في المأكل والمشرب.
مكروهة: تزيين المصاحف وزخرفة المساجد.
محرمة: وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة، ولم يحتوِ على مصلحة شرعية.
هذا وقد أثبت القرآن الكريم جواز ابتداع ما فيه خير وزيادة قربى إلى الله فقد قال أبو أمامة رضي الله عنه : ( إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض قيامه وإنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه فإن أناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا فعابهم الله بتركها فقال: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾([7]))([8]).
وأما حديث : « كل بدعة ضلالة»([9]) فهو من قبيل العام المخصوص.
فقد قال الإمام النووي رضي الله عنه : هذا عام مخصوص والمراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المراد بالبدع.
وقال الحافظ ابن رجب في شرحه للحديث: المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة.
وقال الحافظ ابن حجر: المراد بقوله (كل بدعة ضلالة) ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام.
فليس هذا الحديث إذا كلية تقتضي شمول الضلالة لكل محدث بل هو من قبيل العام المخصوص أو العام الذي أريد به الخصوص.
وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم
من ذلك قول الله عز وجل : ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾([10]) واسم الموصول من حيث العموم ولكن مما لا شك فيه أن عيسى عليه السلام وأمه والملائكة عُبِدوا من دون الله لكنهم غير مقصودين في الآية فتبين أنه من العام الذي أريد به الخصوص.

ومنه قوله تعالى ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ﴾([11])، ومعلوم أن هناك أدلة كثيرة تثبت أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة كما قرر ذلك الشيخ ابن تيمية وذكر أكثر من عشرين موضعا بدلائلها أولها صلاة الجنازة والصدقة عن الميت ثم دعاء المؤمنين([12]).
ومنه قوله تعالى ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾([13]).
فالمراد بالناس في الأول المخبرين وهم لاشك عدد محدود وفي الثاني أبو سفيان وجماعته من مشركي مكة الذين قاتلوا المسلمين في أحد.
ومنه قوله تعالى ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾([14]) وأبواب الرحمة لم تفتح عليهم.
ومنه قوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾([15]).
فمن المعلوم أنه لا يشاورهم في التشريع والأحكام قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه : (وشاورهم في الأمر ) أي في بعض الأمر.
ومنه قوله تعالى ﴿ لتجزى كل نفس بما تسعى﴾([16]).
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم « لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»([17]) وهو من حيث العموم وقطعا ليس على عمومه فمن صلى في هذين الوقتين وترك بقية الصلوات لا يدخل في عموم هذا الحديث فهو من العام الذي أريد به الخصوص أو من العام المخصوص بالنصوص.
ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام»([18]) وأجمع الشراح على أنه ليس على عمومه مع أن فيه الكلية (كل).
ويخصص حديث : (كل بدعة ضلالة) الحديث الذي روته سيدتنا عئشة رضي الله عنها عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([19]).
قال ابن رجب: هذا الحديث يدل منطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود.

وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه.
مما تقدم تبين لنا أنه ليس معنى ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشيء هو أن ذلك الشيء لا يجوز فعله فإن القاعدة الأصولية مشهورة بين أهل العلم : (ترك الشيء لا يدل على حرمته) ونقصد بالترك أن يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لم يفعله أو تركه السلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك بمقتضى تحريمه أو كراهته.

وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رضي الله عنه: في آخر كتابه (القواعد (ما نصه: ((البدعة منقسمة إلى واجبة, ومحرمة, ومندوبة, ومكروهة ومباحة)), قال: ((و الطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فواجبة, وأن دخلت في قواعد التحريم فمحرمة, أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة, أو المباح فمباحة)) أه فهؤلاء ممن ذكرنا قد قسموا البدعة إلى أقسامها المذكورة

قال ابن تيمية في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة :
[ وكل بدعة ليست واجبة ولامستحبة فهي بدعة سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة فأما ماليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد منا لمسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله

ثم إن للترك أنواع ومنها:

أن يكون تركه عادة كترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل الضب في حديث سيدنا خالد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فقيل: هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: « لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر([20]).
والحديث يدل على أمرين:

1- أن تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحريمه.
2- أن استقذاره الشيء لا يدل على تحريمه أيضا.
· أن يكون تركه نسيانا سها صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة فترك منها شيئا فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟. قال «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني»([21]).
· أن يكون تركه مخافة أن يفرض كصلاة التراويح.
· أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه ولم يخطر على باله – مثل إحداث المنبر له صلى الله عليه وآله وسلم .
· أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات أو أحاديث كتركه كثيرا من المندوبات لأنها مشمولة في قوله تعالى : ﴿ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾([22]) وغيرها.
· أن يكون تركه خشية تغير قلوب بعض الصحابة قال صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة رضي الله عنها : (لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزمته بالأرض وجعلت له بابين باب شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أسس إبراهيم عليه السلام)([23])
والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع.
وهذه قاعدة في الأصول وأدلتها هي: · أحدها: أن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء:
النهي نحو ﴿ ولا تقربوا الزنا﴾([24]) ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾([25]).
لفظ التحريم نحو (من غشنا فليس منا)([26]).
والترك ليس واحدا من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم.
· ثانيها : إن الله تعالى قال ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾([27]).
ولم يقل ما تركه فانتهوا عنه فالترك لا يفيد التحريم.
· ثالثها: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»([28]).
ولم يقل ما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟
· رابعها: أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه لأنه ليس بدليل
· خامسها: تقدم أن الترك يحتمل أنواعا غير التحريم والقاعدة الأصولية (أن ما دخله الإحتمال سقط به الاستدلال).
· سادسها: أن الترك أصل، لأنه عدم فعل والعدم هو الأصل والفعل طارئ والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعا فلا يقتضي الترك تحريما([29]) ، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل جميع المندوبات المباحات لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها ولاشتغاله بمهام اعظم استغرقت معظم وقته من تبليغ للدعوة ومحاربة للمشركين ونقاش مع الكتابيين والكفار وغيرها مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية.
· بل إنه ترك بعض المندوبات عمدا مخافة أن تفرض على أمته أو يشق عليهم إذا هو فعلها ، فها هي سيدتنا عائشة تخبرنا بذلك فتقول: (إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يترك العمل وفعله أحب إليه خشية أن يستن به الناس فيفرض عليهم وكان يحب ما خفف عليهم)([30]).
وقالت رضي الله عنها : ( خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عندي مسرورا ثم رجع وهو كئيب فقال: «إني دخلت البيت وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي بعدي» وفي رواية «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي» وفي رواية: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون شققت على أمتي»)([31]).
وقالت أيضا في قصة صلاته بعد العصر (وكان لا يصليها في المسجد مخافة أن تثقل على أمته وكان يحب ما خف عليهم).
وفي باب (يسروا ولا تعسروا) في البخاري قال: (وكان يحب أن يخفف على الناس وييسر عليهم).
وهذا المعنى موجود في كثير من المواضع في السواك وفي تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل: (لولا أن أشق على أمتي …).
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال موضحا لنا هذا الإشكال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم الله فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينس شيئا ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا﴾([32]))([33]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم « إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه»([34]) ولم يقل: إذا تركت شيئا فاجتنبوه.
وكذلك ترك السلف لشيء – أي عدم فعلهم له – لا يدل على أنه محظور قال الإمام الشافعي : (كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف)، لأن تركهم العمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به.
فإذا ليس كل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خارجا عن السنة بل إن الحوافز القولية الكثيرة لعمل الخير والترغيبات الكثيرة القولية بالفضائل العامة والخاصة هي أيضا من السنة كما أن التقريرات الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحدث من الخير مما لا يخالف المشروع هي أيضا من السنة بل هي طريقة الرسول وسنته التي حث على اتباعها والتمسك بها.
من هذا المنطلق فعل كثير من الصحابة باجتهاداتهم أمورا فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته قبول ما كان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفه ورد ما كان مخالفا لذلك فهذه سنته وطريقته التي سار عليها خلفاؤه وصحابته واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم: إن ما يحدث يجب أن يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة المذمومة وقد يسمون الأول بدعة حسنة من حيث اللغة باعتباره محدثا وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو سنة مستنبطة ما دامت شواهد الشريعة تشهد له بالقبول.
سماها بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)([35]).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من الأباطيل والمستقبحات.
وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم « كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.
وسن سنة أو استنانها يعني إننشاؤها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عمومات نصوصه أي من أنشأ سنة حسنة مستندا في ابتداع ذاتها إلى دلائل الشرع كان له اجرها ومن أنشأ سنة سيئة مستندا في ابتداع ذاتها إلى ما تنكره الشريعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها([36]).
ولنورد الآن بعض الصور من عمل الصحابة في عهد النبوة وإتيانهم بما لم يروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله او يقوله أو إقراره صلى الله عليه وآله وسلم على افعالهم:
1- عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: (كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاء الرجل وقد فاته شيء من الصلاة أشار إليه الناس فصلى ما فاته ثم دخل في الصلاة ثم جاء يوما معاذ بن جبل فأشاروا إليه فدخل ولم ينتظرما قالوا فلما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا له ذلك فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم « سن لكم معاذ»([37]).
وفي رواية سيدنا معاذ بن جبل: (إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا)([38]).
2- وعن العاص بن وائل قال: قدم بكر بن وائل مكة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر : « ائتهم فاعرض عليهم» وفيه : فأتاهم فعرض عليهم الإسلام فقالوا: حتى يجيء بنو ذهل بن شيبان فعرض عليهم أبو بكر قالوا: إن بيننا وبين الفرس حربا فإذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فقال أبو بكر : أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا ؟ قالوا : لا نشترط لك ذلك علينا ولكن إذا فرغنا بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما تقول، فلما التقوا يوم ذي قار مع الفرس قال شيخهم : ما اسم الذي دعاكم إلى الله؟ قالوا : محمد قال هو شعاركم فنصروا على القوم فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم «بي نصروا»([39]).
فهذا منهم توسل باسمه صلى الله عليه وآله وسلم وقد أقرهم على ذلك بل قد قال مؤكدا قوله : « بي نصروا» وأقر سيدنا أبا بكر عندما قال لهم : (أرأيت ان غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا..) وذلك من كمال اعتقاده بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو هو نفسه إن دعا لهم بالنصر فإن الله لن يخزيه لأنه يطلب ذلك لنشر دين الله وإعلاء كلمته.
3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دُف نعليك في الجنة» قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي([40]).
وفي رواية : قال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «بهما» أي نلت تلك المنزلة»([41]).
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح) : يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل إلى ما ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
4- وعن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد قال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله قال آ لله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فاخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة([42])
5- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا الناس يصلون في ناحية المسجد فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «ما هؤلاء؟» فقيل : أناس ليس معهم قرآن وأبي ابن كعب يصلي بهم وهم يصلون بصلاته فقال: (أصابوا) أو قال: (نعم ما صنعوا)([43]).
6- وعن سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: (اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فاستبق الناس إلى شعره فاستبقت إلى الناصية فأخذتها فاتخذت منها قلنسوتي فجعلتها في مقدم القلنوسة فما وجهتها في وجه إلا فتح علي)([44]).
7- وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل منهم([45]).
8- عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها فأتيت فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نائم في بيتك على فراشك قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها ففزع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ( ما تصنعين يا أم سليم؟) فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا قال «أصبت»([46]).
9- وعن يزيد بن الأسود في حديث حجة الوداع قال: فلما صلى الصبح انحرف جالسا فاستقبل الناس بوجهه وذكر قصة الرجلين اللذين لم يصليا قال: ونهض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهضت معهم وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلدهم قال فما زلت أزاحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذت بيده فوضعها إما على وجهي أو صدري قال: فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: وهو يومئذ بمسجد الخيف وفي رواية ثم ثار الناس يأخذون بيده ويمسحون بها وجوههم([47])
10- وعن سيدنا أبي جحيفة رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبة حمراء ورأيت بلالا أخرج وضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيء مسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل صاحبه([48]).
وفي رواية : (شهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبطحاء وأتى بلال بفضل وضوئه فابتدره الناس فنلت منه شيئا)([49]).
11- وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا وغمس يده فيها فربما جاؤوا في الغداة الباردة فيغمس يده فيها([50]).
12- وعن ام ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت رضي الله عنهما قالت : ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشرب من قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته)([51]).
13- عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صلاته خنست فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما انصرفت قال: (ما شأنك ؟ أجعلك حذائي فتخنس) فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لأحد أن يصلي بحذائك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله؟ قال: فأعجبه فدعا لي أن يزيدني الله علما وفقها([52]).
14- وعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا وصليا ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا له ذلك فقال للذي لم يُعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي أعاد «لك الأجر مرتين»([53]).
15- وعن سيدنا علي رضي الله عنه قال: كان أبو بكر يخافت بصوته إذا قرأ وكان عمر يجهر بقراءته وكان عمار إذا قرأ يأخذ من هذه السورة وهذه السورة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لأبي بكر : « لِمَ تخافت؟» قال: إني أسمع من أناجي وقال لعمر: « لِمَ تجهر بقراءتك؟» قال : أفزع الشيطان وأوقظ الوسنان وقال لعمار: « لِمَ تأخذ من هذه السورة وهذه السورة؟» قال: أتسمعني أخلط به ما ليس منه؟ قال: (لا ) ثم قال: «فكله طيب»([54]).
16- عن سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه : أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرودة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمنا على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذكروا له ذلك فقال: ( يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟!) فقلت : ذكرت قول الله تعالى ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾([55]) فتيممت وصليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل شيئا([56]).
17- وحديث سيدنا خباب رضي الله عنه أنه أول من سن الصلاة لكل مقتول صبرا ركعتين ([57]).
18- وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلعبون في المسجد قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: دخل عمر .. والحبشة يلعبون في المسجد فزجرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « دعهم يا عمر فإنما هم بنو أرفدة»([58]). وفي رواية : «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة»([59])
19- وعن سعيد بن المسب أن سينما بلالا اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤذن بصلاة الفجر ، فقيل : هو نائم فقال: «الصلاة خير من النوم»([60]) فأقرت في صلاة الفجر وفي رواية ( ما أحسن هذا فاجعله في أذانك)([61]).
وفي رواية : ( أن المؤذن جاء إلى عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال: الصلاة خير من النوم فأقره عمر أن يجعلها في أذان الفجر)([62]).
20- عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل والناس في الصلاة فقال حين وصل إلى الصف: الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاته قال: ( من صاحب الكلمات؟) قال الرجل : أنا يا رسول الله ، والله ما أردت بها إلا الخير قال: (لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن) قال ابن عمر : فما تركتهن منذ سمعتهن([63])
21- وعن سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: ( أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر قال : والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا)([64]).
وفي رواية مسلم : واهل الناس بهذا الذي يهلون فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته([65]).
22- وعن سيدنا رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رفع راسه من الركعة قال ( سمع الله لمن حمده) قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال (من المتكلم؟) قال: أنا قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها»([66]).

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ( يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش).
23- وعن سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال ذات يوم ودخل في الصلاة: الحمد لله ملء السماء وسبح ودعا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من قائلهن؟ فقال: أنا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « لقد رأيت الملائكة تلقي به بعضها بعضا»([67]) .
24- وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلقة إذ جاء رجل فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى القوم فقال السلام عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» فلما جلس قال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « والذي نفسي بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريصون على أن يكتبوها فما دروا كيف يكتبونها فرجعوا إلى ذي العزة جل ذكره فقال « اكتبوها كما قال عبدي»([68]).
25- وعن سيدنا رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعطست فقلت الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى فلما انصرف قال: (من المتكلم؟ ثلاثا) فقلت أنا فقال: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها([69]).
26- وعن سيدنا علاقة بن صحار السليطي التميمي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم اقبل راجعا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد فقال أهله: إنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شيء ترقيه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فاعطوني مائة شاة فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (خذها فلعمري لمن اكل برقية باطل قد اكلت برقية حق)([70]).
27- وعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رهطا من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوا فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحدكم شيء ؟ فقال بعضهم : نعمم والله إني لراق ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما انا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل ويقرأ ﴿ الحمد لله رب العالمين﴾ حتى كأنما نشط من عقال فانطلق يمشي ما به قلبة قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقسموا وقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا به فقدموا على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له فقال: (وما يدريك أنها رقية ثم قال: قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم)([71]).
28- وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرا على مبتل في أذنه فأفاق فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( ما قرأت؟) قال ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾([72]) إلى آخر السورة فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم « لو أن رجلا مؤمنا قرأ بها على جبل لزال»([73]).
29- عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على أعرابي وهو يدعو في صلاته: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث ولا يخش الدوائر ويعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار ولا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا بحر إلا يعلم ما في قعره ولا جبل إلا يعلم ما في ورعه اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم ألقاك فيه فوكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأعرابي رجلا فقال : ( إذا صلى فأتني به) وكان قد اهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب من بعض المعادن فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب وقال: (ممن انت يا أعرابي) فقال من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله قال يا أعرابي هل تدري لما وهبت لك الذهب قال : للرحم الذي بيني وبينك قال صلى الله عليه وآله وسلم « إن للرحم حقا ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله»([74]).
30- عن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في دعائه اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل أعطى»([75]).
31- وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿ قل هو الله أحد﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا احب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أخبروه أن الله يحبه»([76]).



نبذة مما أحدثه الصحابة رضي الله عنهم بعد عهد النبوة
أخرج البزار بسنده : خرجنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في يوم عيد فسأله قوم من أصحابه عن الصلاة قبل العيد وبعدها فلم يرد عليهم شيئا ثم جاءه قوم فسألوه فلم يرد عليهم شيئا فلما انتهينا إلى الصلاة فصلى بالناس فكبر سبعا ثم خطب الناس ثم نزل فركب فقالوا: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم يصلون! قال: فما عسيت أن أصنع؟ سألتموني عن السنة إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها فمن شاء فعل ومن شاء ترك أتروني امنع قوما يصلون فاكون بمنزلة من منع عبدا إذا صلى .

عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسدد فإذا الناس اوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ناموا عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله([77]).

قال ابن الأثير في النهاية عند ذكر البدعة الحسنة: ( ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنها لهم وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت في زمن ابي بكر وإنما عُمر جمع الناس عليها وندبهم اليها فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»([78]) ، وقوله : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر([79]) ، وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر «كل بدعة ضلالة»([80]) وإنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة).

وعند البيهقي عن السائب بن يزيد رضي الله عنه بإسناد صحيح قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب بعشرين ركعة وكانوا يتوكؤن على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول في التشهد بعد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته: (السلام علينا من ربنا) فيزيد على اللفظ الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفظة: (من ربنا).

وثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلازم في اسفاره كلها القصر فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين ولم يثبت قط أنه صلى الرباعية أربعا في السفر ومع ذلك فقد صلى عثمان رضي الله عنه في منى اربعا وأنكر عليه ابن مسعود ثم صلاها معه اربعا فلما قيل له قال : إني أكره الخلاف([81]).

وأخرج ابن أبي شيبة عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: ألا يقوم احدكم فيصلي أربع ركعات ويقول فيهن : (تم نورك فهديت فلك الحمد وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد وبسطت برك فأعطيت فلك الحمد ربنا وجهك أعظم الوجوه وجاهك أعظم الجاه وعطيتك أفضل عطية وأهنأها تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر وتجيب المضطر وتكشف الضر وتشفي السقيم وتغفر الذنب وتقبل التوب ولا يجزي بآلائك أحد ولا يبلغ مدحك قول قائل).

وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وهي دار في سوق المدينة وسمي هذا الأذان ثالثا باعتبار إضافته إلى الأذان الأول والإقامة ويقال له ثان بإسقاط اعتبار الإقامة([82]).
وقتال أبي بكر رضي الله عنه لما نعي الزكاة واستباحة دمائهم حتى يُذعنوا له حتى قال قولته المشهورة : (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه مع قول عمر ومراجعته له ثم إذعانه لرأيه فقال: فعلمت أنه الحق([83]).

وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه ان تلبية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وكان عبدالله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل([84]).

وعن ابن عمر رضي الله عنه أيضا: (أن عمر كان يقول هذه الزيادة في تلبيته)([85]) وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يزيد أيضا : ( لبيك مرغوب إليك ذا النعماء والفضل الحسن)([86]).
وكان الناس يزيدون في التلبية ( ذا المعارج)([87]).
وذكر الحافظ في المطالب العالية أنه كان سيدنا أنس رضي الله عنه يقول في تلبيته : ( لبيك حقا حقا تعبدا ورقا).
والذي ثبت عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عنه البخاري ومسلم وغيرهما أنه كان يستلم الركنين اليمانيين من الكعبة المشرفة ولم يستلم غيرهما وصح عن جماعة من الصحابة استلام الأركان الأربعة .
فعن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس الكعبة فاستلم ابن عباس الأركان كلها فقال له معاوية إنما استلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الركنين اليمانيين ! قال ابن عباس: ليس شيء من البيت مهجورا([88]).
وحكى ابن المنذر ذلك عن جابر وأنس والحسن والحسين رضي الله عنهم:
جاء سيدنا عمر بن الخطاب إلى سيدنا أبي بكر رضي الله عنه يقول له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرى القتل قد استمر في القراء فلو جمعت القرآن في مصحف فيقول الخليفة: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فيقول عمر: إنه والله خير ولم يزل به حتى قبل فيبعثان إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فيقولان له ذلك فيقول: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فيقولان له : إنه والله خير فلا يزالان به حتى شرح الله صدره كما شرح صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما([89]).

وقد أقر الشاطبي بهذا العمل وأنه واجب وسماه مصلحة وأبى أن يسميه بدعة لأن البدعة عنده ما قصد بها الزيادة على الشارع ويعني بهذا البدعة السيئة.
وعن أبي مدينة الدارمي وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر ﴾([90]).([91])
ولما جمع زيد بن ثابت القرآن في مصحف وضعها عند أبي بكر فلما توفي كانت عند عمر فلما توفي كانت عند حفصة وفي أوائل خلافة عثمان رضي الله عنه حصل الاختلاف في قراءة القرآن فقال حذيفة بن اليمان لعثمان رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة ، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق وأهل العراق يقرؤون بقراءة عبدالله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا فارسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي علينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحبس واحدا بالمدينة وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ان يحرق وتركوا القراءات الشاذة.
وهذا العمل وإن لم يكن على عهد النبوة لكنه يعد من أهم وأكبر حسنات سيدنا عثمان وأكثرها فائدة للإسلام والمسلمين.
وعن سيدنا أنس رضي الله عنه : أنه شهد جنازة رجل من الأنصار قال: فأظهروا الاستغفار فلم ينكر ذلك أنس وأدخلوه من قبل رجل القبر([92]).
وعن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرزاقين.
وأخرج الطبراني عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده ودعا لهم.
وعن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال : أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال: نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آتِ الحجر([93]).
وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه : أنه كان يقول في تشميت العاطس : يرحمنا الله وإياكم ويغفر الله لنا ولكم. والمأثور : فليقل له صاحبه : يرحمك الله فإذا قال له ذلك فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم([94]).
وأخرج أحمد في الزهد عن سيدنا أبي صفية رضي الله عنه – رجل من الصحابة كان خازنا – أنه كان يسبح بالحصى
وأخرج ابن سعد أن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يسبح بالحصى.
وسيدنا أبو هريرة رضي الله عنه أيضا صح عنه أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به. وقد قال رضي الله عنه : (إني لأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة وذلك على قدر ذنبي)([95]).
واخرج الطبراني في معجمه الأوسط عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه كان يعلم بصيغة جديدة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولها: (اللهم يا داحي المدحوات…).
وأورد الحافظ ابن حجر في المطالب العالية – ورمز بالصحة – عن ثوبة مولى بني هاشم قال: قلت لابن عمر: كيف الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال ابن عمر ( اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير اللهم ابعثه يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه الأولون والآخرون وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
وعن سيدنا الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتي عبدالله بن عمر فيغدو معه إلى السوق قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبدالله على سفاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه فقلت له : ما تصنع وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق؟ فقال: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنما نغدوا من اجل السلام لنسلم على من لقيناه([96]).
وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما أن المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه ابو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (خشب هندي).
وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: إن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر.
وقال الحافظ في فتح الباري: ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعا وكأن عمر رأى إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع فيه الحرج وتهيأ له ذلك لأنه الذي كان أشار باتخاذ مصلى وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : (أول من أرزق المؤذنين إمام هدى عثمان ابن عفان).
وإن مما يعتقد بعض الناس بدعيته وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و الله من وراء القصد و هو يهدى السبيل و صلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه و سلم
.............................................................................................................................

([1]) كتاب الاقتضاء ص (76).([2]) سورة البقرة الآية (117).([3]) سورة الأحقاف الآية (9).
([4]) أخرجه مسلم من حديث طويل (2002) والنسائي (1577) وابن ماجه (45) والدارمي (2210) وأحمد (3/310) وابن خزيمة (1785) وأبو يعلى (2111) والبيهقي (3/206) والبغوي (4295) وابن حبان (10).
([5]) أخرجه البخاري (1906) ومالك ( 1/ 114 -115).([6]) رواه الإمام أحمد (4/126 -127) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وقال حسن صحيح وابن ماجه (43) والدارمي (95) والبغوي (102) والحاكم (1/95 - 96) وصححه ووافقه الذهبي والبيهقي (6/541) والطحاوي في مشكل الآثار (2/69) وابن حبان (5) والطبراني في الكبير (18/ برقم 617) والآجري في الشريعة ص (46) وابن أبي عاصم (27).([7]) سورة الحديد الآية (27).([8]) أخرجه الطبراني في الأوسط (7446).([9]) تقدم تخريجه.([10]) سورة الأنبياء الآية (98).([11]) سورة النجم الآية (39).([12]) نقلها الشيخ الجمل في حاشيته على (الجلالين) عن ابن تيمية رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية (وقد أوردتها في باب وصول ثواب القرآن.([13]) سورة آل عمران الآية (173).([14]) سورة الأنعام الآية (44).([15]) سورة آل عمران الآية (159).([16]) سورة طه الآية (15).
([17]) أخرجه مسلم (634) وابن حبان (1740) وقال إسناده صحيح وأبو داود (427) والنسائي (470) وأحمد (4/261) والبيهقي (1/466) وابن أبي شيبة (2/386) وابن خزيمة (318) والبغوي (382).([18]) أخرجه البخاري (5364).([19]) أخرجه البخاري (2550) وفي خلق أفعال العبد (43) ومسلم (1718) وأحمد (6/73) في المسند، وابن ماجه (14) وأبو داود (4606) والداقطني (4/224 - 225) وابن حبان في صحيحه (26 - 27) وابن أبي عاصم في السنة (52) والبغوي (103) وأبو عوانه (4/18) والقضاعي في مسند الشهاب (359) والطيالسي (1422) وأبو يعلى (4594).([20]) أخرجه البخاري (5537) ومسلم (1945) وأبو داود (3794) وابن ماجه (3251) ومالك (2/968) والطبراني في ال كبير (3816) والشافعي (2/174) والنسائي (4327).
[21]) أخرجه البخاري (1225) ومسلم(572) والدارقطني (1/375) وأبو داود (1020) والنسائي (1240) ومختصرا وابن ماجه (1211) وابن حبان (2662) وابن أبي شيبة (2/25) وأبو عوانة (2/202) وأحمد (1/379).([22]) سورة الحج الآية (77).([23]) أخرجه مسلم (1333) والنسائي (2903) وابن حبان (3818) وأحمد (6/179 - 180) وأبو يعلى (4628).([24]) سورة الإسراء الآية (32)([25]) سورة البقرة الآية (188).[26]) أخرجه مسلم (102) والترمذي (1315) وابن ماجه (2224) والحاكم (2/9) والبيهقي (5/320) وابن منده في الإيمان (552) والبغوي (2120) وأحمد (2/242) وأبو داود (3452) وأبو عوانه (1/57) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (2/134) وابن حبان (4905).([27])سورة الحشر الآية (7).
([28]) أخرجه البخاري (7288) ومسلم (6068) وأحمد (2/258) والبغوي (1/199) وابن حبان (18).
([29]) من كتاب إتقان الصنعة للشيخ عبدالله بن الصديق الغماري.([30]) أخرجه البخاري (1177).([31]) أخرجه أبو داود (1784) والحاكم (1762) وصححه ووافقه الذهبي.([32]) سورة مريم الآية (64).
([33]) أخرجه الدارقطني (2/137) والبزار (2231) والحاكم (3419) وصححه ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (11160) وقال ورجاله ثقات.([34]) تقدم تخريجه .[35]) أخرجه مسلم (2348) والنسائي (2553) وأحمد (4/357) مختصرا والترمذي (2675) وابن ماجه (203).([36]) من كتاب إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة للشيخ عبدالله بن الصديق الغماري الحسيني.([37]) أخرجه الطبراني (20/271).([38]) أخرجه أحمد (5/233) وصححه ابن دقيق العيد وابن حزم (20/272).
([39]) أخرجه الطبراني ورجاله ثقات رجال الصحيح (5520) كما في مجمع الزوائد (6/10361).
([40]) أخرجه البخاري (1149) ومسلم (6274) وأحمد (2/333) والنسائي في فاضئل الصحابة (132) والبغوي (1011) وابن حبان (7085) وابو يعلى (6104) وابن خزيمة (1208).
([41]) أخرجه أحمد (5/354) وابن خزيمة (1209) والحاكم (1/313) وصححه ووافقه الذهبي والترمذي (3689) والطبراني في الكبير (1/1012).
([42]) تقدم تخريجه في باب الذكر مع الجماعة وغيره ص (356).
([43]) أخرجه ابن حبان في صحيحه (2541) وأبو داود (1377) وابن خزيمة (2208) والبيهقي مرسلا (2/495).
([44]) أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة (2/111) وصححه الحاكم (3/299) وأخرجه الطبراني في الكبير (4/4044) وعزاه إلى أبي يعلى وفي سير أعلام النبلاء (1/374 - 375) فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر كذا في المجمع.
([45]) أخرجه مسلم (6010) وأحمد (3/221).
([46]) اخرجه مسلم (1305).
([47]) أخرجه أحمد (4/161).
([48]) أخرجه البخاري (376) ومسلم (503) وأحمد (4/308) وأبو داود (688) والنسائي (2/72) وابن خزيمة (841) والبيهقي في السنن (2/270) وأخرجه الطيالسي (1/88) والشافعي (1/66 - 67) وعبدالرزاق (2314) وابن أبي شيبة (1/277) وابن حبان (1268) في صحيحه.
([49]) أخرجه النسائي (137).
([50]) أخرجه مسلم (5996).
([51]) أخرجه الترمذي (1892).
([52]) أخرجه أحمد ( 1/330).
([53]) أخرجه النسائي (431 - 432) وأبو داود (338) والدارمي (744).
([54]) أخرجه أحمد (1- 109).
([55]) سورة النساء الآية (29).
([56]) أخرجه أبو داود (334) وأحمد (4/203 - 204) والدارقطني (1/178) وصححه الحاكم (1/ 177) ووافقه الذهبي والبيهقي (1/26) وابن حبان (1315) وعلقه البخاري (1/454) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (وهذا التعليق وصله أبو داود والحاكم … وإسناده قوي ).
([57]) أخرجه البخاري (3045) وأبو داود (2660) وأحمد (2/294 - 295) والطيالسي (2597) والبيهقي في دلائل النبوة (3/323 - 325) والطبراني في الكير (4191) وعبدالرزاق (9730) وابن حبان (7039) وأبو نعيم في الحليلة (6/294).
([58]) أخرجه البخاري (2901) ومسلم (893) وأحمد (2/308) وابن حبان (5867) وعبدالرزاق (19724) والبيهقي (10/ 17) والبغوي (1112).
([59]) أخرجه أحمد (22/111) الفتح الرباني.
([60]) أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات (707).
([61]) أخرجه الطبراني (1/1081).
([62]) أخرجه مالك في الموطأ (78/8).
([63]) أخرجه مسلم (1357) والترمذي (3592) والنسائي (884) وأحمد (2/14).
([64]) اخرجه مسلم (1285) وأبو داود (1813).
([65]) أخرجه مسلم (1282).
([66]) اخرجه البخاري (799) والنسائي (1016) وأبو داود (770) وأحمد (4/340) وابن خزيمة (614) .
([67]) أخرجه أحمد (3/179 – 180 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2613.
([68]) أخرجه أحمد ورجاله ثقات (3/158) كذا في مجمع الزوائد (16894).
([69]) أخرجه الترمذي (404).
([70]) أخرجه ابن حبان (6111) وابو داود (3869) واحمد (5/210 - 211).
([71]) أخرجه البخاري (2156) ومسلم (2201) وأبو داود (3900) والترمذي (2064) والنسائي في عمل اليوم والليلة (1028) وابن ماجه (2156).
([72]) سورة المؤمنون الآية (115).
([73]) أخرجه أبو يعلى (8/5045) وابن السني في عمل اليوم والليلة (631) وأبو نعيم في الحلية (1/7) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (5/8469) وذكره الحافظ في المطالب العالية (2/349 برقم 2444) وذكره ابن كثير في التفسير (5/45).
([74]) اخرجه الطبراني في الأوسط (9444) ورجاله رجال الصحيح والهيثمي في مجمع الزوائد (10/17267).
([75]) أخرجه الحاكم (1856) وقال: صحيح.
([76]) أخرجه البخاري (6940) ومسلم (1887) والنسائي (992) وفي عمل اليوم والليلة (703) وابن حبان (793).
([77]) تقدم تخريجه.
([78]) تقدم تخريجه.
([79]) حديث صحيح أخرجه الترمذي (3663) وابن سعد (2/334) وأحمد (5/339) والطحاوي في مشكل الآثار (2/85) وابن ماجه (97) في المقدمة ، والحاكم (3/75) والخطيب في التاريخ (12/20) وأبو نعيم في الحيلة (9/109) وابن حبان (6902) .
([80]) تقدم تخريجه ص (149).
([81]) أخرجه البخاري (1107) ومسلم (704).
([82]) أخرجه البخاري (912) وابن ماجه (1135) وابن خزيمة (1773) وأبو داود (1087) واحمد (3/449) والنسائي (1391) والترمذي (516).
([83]) أخرجه البخاري (1399) ومسلم (124) والنسائي (2442) وأبو داود (1556) والترمذي (2607) واحمد (1/19).
([84]) أخرجه البخاري (2/170) ومسلم (1184) وأبو داود (1812) والنسائي (5/160) ومالك في الموطأ (219) وأحمد (2/34 - 4896).
([85]) أخرجه مسلم (1184).
([86]) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح (4/ كتاب (112) باب (115) رقم (11)).
([87]) أخرجه أبو داود (1813) بإسناد صحيح وأحمد (3/320) وابن خزيمة (2626).
([88]) أخرجه البخاري (1608) والترمذي (828) والطبراني في الكبير (10631) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ برقم 5474).
([89]) أخرجه البخاري (4679) والترمذي (3103) وأحمد (1/10) والنسائي في فضائل القرآن (20).
([90]) سورة العصر الآية (1، 2).
([91]) أخرجه الطبراني في الأوسط (5120).
([92]) أخرجه أحمد (8/ 58 -59).
([93]) تقدم تخريجه.
([94]) أخرجه مالك في الموطأ موقوفا على ابن عمر (825/145)
([95]) أورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (4/94).([96]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد

الجمعة، 3 أغسطس 2012

- تأويل الآيات والصفات عند أهل السنة والجماعة

- تأويل الآيات والصفات عند أهل السنة والجماعة
1-  آيات وردت على سبيل الإخبار من الله تعالى:
كقوله: {الرحمن على العرش استوى} فنحن لا نقول : إنه ما استوى، فنكون قد نفينا ما أثبته الله، ولا نقول إنه استوى على العرش كما يستوي القاعد على الكرسي، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق، ولكن نؤمن بأن هذا هو كلام الله، وأن لله مراداً منه لم نفهم حقيقته وتفصيله، لأنه لم يبين لنا مفصلاً، ولأن العقل البشري –كما قدمنا- يعجز عن الوصول إلى ذلك بنفسه.

2- آيات وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة:

 والمشاكلة هي كقول القائل:
(قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه.................. قلت اطبخوا لي جبة وقميصا)
وقول أبي تمام في وقعة عمورية، يرد على المنجمين الذين زعموا أن النصر لا يجيء إلا عند نضج التين والعنب:
  ( تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت............. جلودهم قبل نضج التين والعنب) والآيات الواردة على هذا الأسلوب كثيرة، كقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم}. فكلمة (نسوا)  جاءت على المعنى (القاموسي) للنسيان، وهو غياب المعلومات عن الذاكرة، ولكن كلمة (فنسيهم) جاءت مشاكلة لها، ولا يراد منها ذلك المعنى، لأن الله لا ينسى{وما كان ربك نسيا}. ونقول بعبارة أخرى: إن كلمة (نسوا) استعملت بالمعنى الذي وضعت له، وكلمة (فنسيهم) استعملت بغير هذا المعنى. ومثلها قول: {وهو معكم أينما كنتم}، اتفق الجميع على أنها مَعِيَّـةُ علم، لا مَعِيَّـةُ ذات، لأن صدر الآية ينص على أن الله استوى على العرش. ومثلها قوله: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} ، وقوله: {ومكروا ومكر الله} ، وقوله: {يخادعون الله وهو خادعهم}. كل هذه الآيات لا يجوز فهمها بالمعنى القاموسي، المادي، بل بمعنى يليق به جل وعلا.

3-                           آيات دلت على المراد منها آيات أخرى، كقوله تعالى:

{ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} ، تدل على المراد منها آية: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} .  ويُفهم أن بسط اليد يراد به الكرم والجود، ولا يستلزم ذلك (بل يستحيل) أن يكون لله تعالى  يدان كأيدي الناس والحيوان، تعالى الله عن ذلك.  وقد جاء في القرآن قوله: {بين يدي رحمته} ، و {بين يدي عذاب شديد} ، والقرآن {لا يأتيه الباطل من بين يديه} . وليس للرحمة ولا للعذاب ولا للقرآن يدان حقيقيتان.

المحكم والمتشابه:

بين الله في القرآن، أن فيه آيات محكمات، واضحة المعنى، صريحة اللفظ، وآيات وردت متشابهات، وهي التي لايَضِحُ (أي يتضح) المعنى المراد منها تماما، بل تكثر أفهام الناس لها، وتتشابه تفسيراتها حتى يتعسر معرفة المراد منها، وآيات الصفات منها، وأن على المؤمن ألا يطيل الغوص في معناها، ولا يتتبعها فيجمعها، ليفتن الناس بالبحث فيها.

موقف المسلمين منها وكيف فهموها:

المسلمون الأولون، وهم سلف هذه الأمة، وخيرها وأفضلها، لم يتكلموا فيها، ولم يقولوا إنها حقيقيقة، ولم يقولوا إنها مجاز، ولم يخوضوا في شرحها، بل آمنوا بها كما جاءت من عند الله على مراد الله. فلما انتشر علم الكلام، وأوردت الشبه على عقائد الإسلام، وظهرت طبقة جديدة من العلماء انبرت لرد هذه الشبه، تكلم هؤلاء العلماء في آيات الصفات، وفهموها على طريقة العرب، في مجاوزة المعنى الأصلي للكلمة -إذا لم يمكن فهمها به- إلى معنى آخر، وهذا ما يسمى: (المجاز)  أو (التأويل)  وهو موضوع نزاع بين العلماء طويل.
والحق أن هذه الآيات نزلت من عند الله، من أنكر شيئاً منها كفر، وأن من عطلها تماما، فجعلها لفظاً بلا معنى كفر، ومن فهمها بالمعنى البشري، وطبقه على الله، فجعل الخالق كالمخلوق كفر. والمسلك خطر، والمفازة مهلكة، والنجاة منها باجتناب الخوض فيها، واتباع سنن السلف، والوقوف عند حد النص، وهذا ما أدين الله به، وما أعتقده. انتهى

وأنا كذلك هذا ما أدين به لله تعالى وما أعتقده.
ولولا كثرة الخائضين فيه، وتجرؤهم على تكفير غيرهم واتهامه بمخالفة أهل السنة والجماعة، ما كنا خضنا مع الخائضين..
ولكنها فتنة ابتلينا بها في عصرنا، فصار إخوة  لنا يجمعون لنا أحاديث الصفات المتشابهة في نسق واحد ويمتحنوننا بها، كما امتُحن الإمام أحمد بخلق القرآن، وإلى الله المشتكى

وقد عرفنا من كلام شيخنا الطنطاوي أن الصفات محل الخلاف بين إخوتنا السلفيين وبين سائر أهل السنة والجماعة من مفوضين ومؤولين هي صفات الله تعالى التي قد توهم التشبيه

فربنا سبحانه وتعالى أضاف إلى نفسه في كتابه الحكيم ألفاظاً هي في لغتنا العربية جوارح وأعضاء للمخلوقات (كاليد والوجه والعين)
وربنا تبارك وتعالى منزه عن أن يكون له جارحة أو يكون له أبعاض أو أعضاء
لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
وهذا بإجماع المسلمين
وربنا سبحانه وتعالى وصف نفسه أو  وصفه نبيه في أحاديث صحيحة بألفاظ تفيد عند البشر الحركة والانتقال (كالاستواء والنزول والمجيء)
والله سبحانه وتعالى منزه عن الحركة والانتقال، لأن الحركة تعني الانتقال من مكان لمكان، وربنا تبارك وتعالى منزه عن أن يحويه مكان أو يجري عليه زمان، لأنه خالق المكان والزمان، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

وهذا أيضا بإجماع المسلمين (دعكم من الجهال وأهل البدع والقائلين بحلول الله في الأماكن، سبحانه وتعالى)

وربنا سبحانه وتعالى وصف نفسه ووصفه نبيه بأفعال هي عند البشر انفعالات عاطفية نفسية: كالرضا والغضب والضحك والفرح
والله تعالى منزه عن الانفعالات النفسية التي تطرأ على المخلوقين، فهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
فكيف التعامل مع هذه النصوص والصفات؟
هذا هو مربط الفرس


المفوض قال:
 أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من وجه ويد وعين واستواء ونزول وغيرها، ولكنني أنظر في معانيها اللغوية التي تواضع عليها البشر فأجدها لا تليق بجلال الله تعالى، فأنفيها عنه، وأفوض أمرها لله...

السلفي ( متبع ابن تيمية ) قال:

إن هذه الصفات تلقي في نفسك معان معينة، وأنت تفهم هذه المعاني، لذلك عليك أن تقول أنا أثبت المعنى، فهي ليست كلمات غير مفهومة وخالية من المعنى، وإنما أفوض كيفيتها لله تعالى وليس معناها، فلها كيفية تليق بجلال الله...
فيقولون: أنا سميع والله سميع، وليس سمعي كسمع الله
وأنا لي يد والله له يد، وليست يدي كيد الله

المؤولة مختلفون قليلا، فهم يثبتون لله تعالى سائر صفاته إلا الصفات التي توهم التجسيم أو التشبيه (اليد والعين والوجه، والنزول والاستواء والمجيء، والرضا والغضب والضحك والفرح) فقط هذه الصفات، لكن لا يجادلون في صفات العزيز والعليم والخبير والقدير والسميع والبصير والحكيم والقوي والعلي واللطيف ووووو وسائر الأسماء الحسنى..

ولا ينكرون نصوص الكتاب والسنة بل يقولون نؤمن بها... ولكن هذه الألفاظ نراها لا معنى لها في اللغة إلا معان تجسيمية بشرية لا تجوز لله تعالى الذي ليس كمثله شيء، فلذلك نحن ننظر في المجاز فنؤولها إلى معنى مجازي يظهر لنا من سياق النص الذي وردت فيه..
فإذا قال الله تعالى: "يد الله فوق أيديهم"، فهذا يعني استيثاقاً للبيعة، كقوله منذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً، وليس الله بحاجة لقرض منا، وإذا قال الله تعالى: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك"، فالمقصود بالوجه الذات، "ولتصنع على عيني"، أي برعايتي وعنايتي.. وهكذا


فما حجة كل فريق، وما اعتراض كل فريق على الآخر..

المؤولة قالوا: إنكم إذا أثبتم المعاني البشرية تكونون كاليهود والنصارى من المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوقين، وتنقضون القاعدة الكلية التي قررها ربنا تبارك وتعالى في الآية المحكمة الفيصل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}
وإن فوضتم المعنى، وقلتم لا ندري ما هو، جعلتم كأن الله ورسوله خاطبونا بما لا نفهم ولا نعي معناه... فإذا كان لا يجوز لنا أن ننفي المعاني، ولا يجوز لنا أن أن نثبت المعاني اللغوية الحقيقية لأنها تشبه الخالق بالمخلوقين، لزم لنا البحث عن معنى مجازي مناسب لسياق الآية والحديث وتأدية معناهما، كالأمثلة التي ذكرناها، والقرآن العربي نزل بلسان عربي مبين والمجاز أمر معروف في لغة العرب ( هذه حقيقة ثابتة وإن أنكرها بعضهم، لكن إنكاره لا يصمد أمام أبسط  نقاش)..

المفوضة قالوا: ليس لكم أن تؤولوا النصوص إلى معان مجازية، لأن هذا التأويل لا دليل عليه، وبالتالي لا يمكننا أن نجزم بشيء منه، ولم يردنا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا تابعيهم، فلا يجوز أن نحكم بالظن على آيات القرآن وأحاديث النبي..
لذلك نحن نقول لكم نفوض معناها لله عز وجل..
وليس معنى هذا أننا ننكر هذه الصفات أو الآيات، بل نؤمن بها ونثبتها كما قالها ربنا، ولكننا لا نخوض في معانيها ونمسك عن ذلك، كما أمسك سلفنا الصالح، ولو كان في بيان معانيها خيراً لنا لبينوه..

السلفية (أتباع ابن تيمية) اعترضوا وقالوا:
لا...
ليس لكم أن تؤولوا النصوص إلى معان مجازية، لأن هذا التأويل لا دليل عليه، وبالتالي لا يمكننا أن نجزم بشيء منه، ولم يردنا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا تابعيهم، فلا يجوز أن نحكم بالظن على آيات القرآن وأحاديث النبي.. ولو سمحنا لكم بالتأويل فلربما أولتم كل صفات الله كالمعتزلة، ولربما أولتم أيضا أحكام القرآن وجعلتموها كلها لها حقيقة ومجاز، أو ظاهر وباطن، فصرفتموها عن الأحكام الظاهرة الى تأويلات مختلفة كالفرق الباطنية، فتضيع العقيدة وتضيع الشريعة.
كذلك لا نوافق على كلامكم أيها المفوضة فإن فوضتم المعنى، وقلتم لا ندري ما هو، جعلتم كأن الله ورسوله خاطبونا بما لا نفهم ولا نعي معناه...ففيم كانت الرسالة اذن؟ وكيف قال تعالى { تبيانا لكل شيء}

وإنما نحن نقول: أثبت الصفة ومعناها، وفوض كيفيتها لله، فنقول لله يد، ومعنى اليد معروف في اللغة، لكننا لا نعرف كيف تكون يده، فنفوض كيفيتها.

رد عليهم المفوضة وقالوا:
ما دمتم تقولون نثبت المعنى، ولا يجوز تفويضه، فقولوا لنا ما معنى يد؟ ما معنى وجه؟ ما معنى ضحك؟ ما معنى نزول؟
لأننا لا نجد لها إلا معان بشرية هي الموجودة في المعاجم اللغوية، وهذه المعاني نحن وأنتم متفقون أنها لا تجوز لله
فإذن ما هي المعاني التي تريدون أن نثبتها، هاتوها لنثبتها..

يرد السلفيون: هل عندما نقول لكم "رضي الله عنهم"، تفهمون من كلمة (رضي) أنها حروف لا معنى لها مثل (ألم  أو كهيعص؟) أم تستشعرون لها معنى في ذهنكم؟
قالوا: بل نستشعر لها معنى، لكننا لا نستطيع أن نفكر فيه ولا أن نحدده، ولا نفسره ونوضحه بألفاظ محددة.. لهذا نفوض.
يقول السلفيون: فهذا المعنى هو الذي نريد منكم أن تثبتوه
أثبتوا أن الله يضحك ضحكاً يليق بجلاله، وأن لله يداً تليق بجلاله، ولله نزول يليق بجلاله... إلخ...
فيقول لهم المفوضة: فأين المعاني التي أثبتموها، أنتم فسرتم الماء بالماء.. ما قلتموه ليس معان، وإنما أنتم مثلنا مفوضة ولكنكم لا تقرون بذلك..
فيرد السلفيون: لا... بل أنتم تفوضون المعاني فتعطلون دلالات النصوص
يرد المفوضة: بل نحن لا نعطل دلالات النصوص، لأن جميع هذه الصفات التي اختلفنا حولها لم ترد هكذا مسرودة مجردة كما هو الحال في أسماء الله الحسنى...
فلا تجد آية تذكر أن لله وجها ويداً وعينا ورضى وغضب هكذا فقط..
بل كل صفة من هذه الصفات جاءت ضمن نص يفيد معنى عاماً، ولو كانت مجردة من النص لما فهمنا منها إلا المعنى البشري اللغوي للمخلوقات... لذا لا يمكن اقتطاعها من سياق الآيات والأحاديث منفردة... وهي في السياق ستكتسب معنى منه، وبالتالي لن نقول أن الله تعالى أو رسوله خاطبنا بما لا نفهم... فنحن فهمنا معنى النص العام والغرض منه.
بخلاف أسماء الله الحسنى التي وردت متتالية مجردة عن الجمل، في مثل قوله تعالى:
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }

قال السلفيون هل تعنون أنكم تتورعون عن أن تصفوا الله تعالى بما وصفه به نبيه؟ فهل أنتم أكثر تنزيهاً لله من نبيه صلى الله عليه وسلم..
قال الآخرون بل نحن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ولكننا نعترض على فهمكم أنتم لهذه النصوص والصفات..
-
وهكذا لا ينتهي الجدال... وسودت به آلاف المؤلفات، ثم آلاف المقالات، ثم آلاف صفحات المنتديات...

- محمد بن مسعود الطريثيثي النيسابوري .

- محمد بن مسعود الطريثيثي النيسابوري .
الإمام العلامة ، شيخ الشافعية قطب الدين أبو المعالي مسعود بن [ ص: 107 ] محمد بن مسعود الطريثيثي النيسابوري .

ولد سنة خمس وخمسمائة .

وتفقه على أبيه ، ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي ، وعمر بن علي ، عرف بسلطان .

وتفقه بمرو على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد .

وسمع من هبة الله بن سهل السيدي ، وعبد الجبار الخواري .

وتأدب على أبيه ، وبرع ، وتقدم ، وأفتى ، ووعظ في أيام مشايخه ، ودرس بنظامية نيسابور نيابة ، وصار من فحول المناظرين ، وبلغ رتبة الإمامة .

وقدم بغداد في سنة 538 ، فوعظ وناظر ، ثم سكن دمشق ، وقد رأى أبا نصر القشيري . وكان صاحب فنون ، أقبلوا عليه بدمشق في أيام أبي الفتح المصيصي ، ودرس بالمجاهدية ، فلما توفي أبو الفتح ، ولي بعده تدريس الغزالية ، ثم انفصل إلى حلب ، فولي تدريس المدرستين اللتين أنشأهما نور الدين وأسد الدين ، ثم سار إلى همذان ، ودرس بها مدة ، ثم عاد إلى دمشق ، ودرس بالغزالية ثانيا ، وتفقه به الأصحاب . وكان حسن الأخلاق ، متوددا ، قليل التصنع . ثم سار إلى بغداد رسولا .

روى عنه : أبو المواهب بن صصرى ، وأخوه الحسين ، والتاج ابن حمويه ، وطائفة .

[ ص: 108 ] وأجاز للحافظ الضياء .

قال ابن عساكر : كان أبوه من طريثيث . كان أديبا يقرئ الأدب ، قدم ووعظ ، وحصل له قبول ، وكان حسن النظر مواظبا على التدريس ، وقد تفرد برئاسة أصحاب الشافعي .

قال ابن النجار : قدم بغداد رسولا ، وتزوج بابنة أبي الفتوح الإسفراييني . أنشدني أبو الحسن القطيعي ، أنشدني أبو المعالي مسعود بن محمد الفقيه:
يقولون : أسباب الفراغ ثلاثة ورابعها خلوه وهو خيارها     وقد ذكروا أمنا ومالا وصحة
ولم يعلموا أن الشباب مدارها


قلت : كان فصيحا ، مفوها ، مفسرا ، فقيها ، خلافيا ، درس أيضا بالجاروخية وقيل : إنه وعظ بدمشق ، وطلب من الملك نور الدين أن يحضر مجلسه ، فحضره ، فأخذ يعظه ، ويناديه : يا محمود ، كما كان يفعل البرهان البلخي شيخ الحنفية ، فأمر الحاجب ، فطلع ، وأمره أن لا يناديه باسمه ، فقيل فيما بعد للملك ، فقال : إن البرهان كان إذا قال : يا محمود قف شعري هيبة له ، ويرق قلبي ، وهذا إذا قال ، قسا قلبي ، وضاق صدري . حكى هذه سبط ابن الجوزي وقال : كان القطب غريقا في بحار الدنيا .

[ ص: 109 ] قال القاسم ابن عساكر : مات في سلخ رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ودفن يوم العيد في مقبرة أنشأها جوار مقبرة الصوفية غربي دمشق .

قلت : وبنى مسجدا ، ووقف كتبه - رحمه الله . 

الاثنين، 30 يوليو 2012

- ما شبهة قسوة أحكام الشريعة؟

هل أحكام الشريعة قاسية
يقولون أحكام الإسلام قاسية، فما الموقف إذا كانت هذه الأحكام هي ما لدى اليهود والنصارى في الكتاب المقدس؟ سيقولون: لقد تركنا رجم الزناة مع وجوده في التوراة لأنه قاس عنيف، وتركنا القصاص كذلك نفسًا بنفس وعينًا بعين، لأن تنفيذ ذلك أمر مخيف!. ولا أريد أن أقول: لا تذموا الإسلام بأمر هو في كتابكم المقدس، وإنما أريد أن أتساءل: ماذا كسبتم من جحد القصاص وإلغاء عقوبة الإعدام؟ إنكم خدمتم المجرمين وأشعتم العدوان في أقبح صوره!

قرأت هذا الخبر الآتي من “لندن” تحت عنوان “السجن مدى الحياة لثلاثة بريطانيين مزقوا ضحيتهم إلى شرائح”. استدرج رجال ثلاثة، وهم حفار قبور، وبواب، وعامل، ضحيتهم إلى منزل أحدهم لسرقته وبعد ضربه على رأسه بمدية، قطعوا الجسد إلى شرائح باستخدام سكين كهربائي يعين على تمزيق اللحم، بينما كان المسكين لا يزال حيا (!) ثم نثروا اللحم الممزع في منطقة قريبة لإلقاء القمامة وتنبه الجيران عندما رأوا دماء الضحية تنساب من أبواب المنزل، كما أبلغت سيدة الشرطة، أن القتلة دعوها إلى تناول بعض اللحم الطازج (!) وظلت محاكمة القتلة شهرين، وقد تأجلت في إحدى الجلسات عندما شعر المحلفون بالغثيان بعد أن رأوا الصور الملتقطة للأشلاء –التي كانت سابقًا رجلا يحيا لنفسه وأهله.

بماذا جوزي المجرمون؟ بالسجن يأكلون ويسكرون ما بقوا أحياء!! إن قتل هؤلاء عيب يوصم به الإسلام، ويصد عن الدخول فيه!!

وننتقل من أوربا إلى أمريكا، حيث حكم القاضي في مدينة “أطلانطا” بالسجن مدى الحياة على مجرم متهم بقتل ثمانية وعشرين شابًا من الزنوج صرعهم واحدًا بعد الآخر خلال عام تقريبًا..
قالت صحيفة الراية القطرية: إن موجة القتل توقفت بعد اعتقال المتهم، كما انتهى الرعب الذي كان يسود المدينة، وعلى الدولة أن تطعم هذا المجرم كذلك حتى يموت حتف أنفه لأن القصاص عيب، والإسلام يؤكد هذا العيب! ومن ثم فلا يجوز أن ندخل فيه! أهذا ما يرضي آباء الكنيسة؟!

يوم يكون الخطأ زلة قدم لم تألف العوج، أو انهيارًا مباغتًا في الإرادة الإنسانية وهي تنشد الخير، فإن الإسلام يقف مع العاثر حتى ينهض ومع المنهار حتى يثبت، والشروط التي وضعها لإقامة الحدود والقصاص تؤكد هذه الحقيقة.

أما تحوّل الرذيلة إلى عمل معتاد لا حياء في مواقعته، فإن ذلك ما تنهض السلطة في الإسلام لمقاومته بالرجم أو الجلد، ولست أتصور فاحشة ترتكب أمام أعين أربعة من الرجال إلا أنها مسلك دابة هائجة في إحدى الغابات أو أحد الأجران!! كيف تستغرب الصرامة في منع هذا البلاء؟

إن الحد تسقطه شبهة!!.. وقد تسقطه –في بعض المذاهب- التوبة، والقضاء بصير بمواضع العنف واللطف، والمهم صوت المجتمع من استقرار الفساد والجرأة على المحرمات.!
أما القصاص فهو مشروع للإحياء لا للإماتة، وإبطال القصاص ذريعة للمزيد من سفك الدماء وإهدار حق الحياة، ونشر القلق في كل ناحية.
والغريب أن الاستعمار الثقافي جعل بعض المسلمين المعاصرين يستحي من شرائع الحدود والقصاص، ويريد أن تكون دار الإسلام مرقصًا عامًا تنمو فيه الدنايا، أو مسرحًا يجد فيه المتوحشون فرصًا شتى للاغتيال والاعتداء كما حكينا عن بعض العواصم..!
هذه ملاحظة خاطفة عن صرامة العقوبات الإسلامية التي يقال: إنها تصد الناس عن الإسلام، أو التي زعمها المبشرون مآخذ على الإسلام..

- الإمام الجنيد

- الإمام الجنيد
علم من أعلام التصوف الإمام الجنيد
أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلامالتصوف السني في القرن الثالث الهجري[1]، أصله نهاوند في همدان (مدينة اذرية)، ومولده ومنشؤه ببغداد.
المربى بفنون العلم المؤيد بعيون الحلم المنور بخالص الإيقان وثابت الإيمان ، العالم بمودع الكتاب والعامل بحلم الخطاب ، الموافق فيه للبيان والصواب
هو شيخ الصوفية ولد سنة نيف وعشرين ومائتين وتفقه على أبي ثور ، وسمع من السري السقطي وصحبه ، ومن الحسن بن عرفة ، وصحب أيضا الحارث المحاسبي وأبا حمزة البغدادي ، وأتقن العلم ، ثم أقبل على شأنه ، وتأله وتعبد ، ونطق بالحكمة ، وقل ما ورى كان كلامه بالنصوص مربوطا وبيانه بالأدلة مبسوطا ، فاق أشكاله بالبيان الشافي واعتناقه للمنهج الكافي ولزومه للعمل الوافي .
قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي: «هو من أئمة القوم وسادتهم؛ مقبول على جميع الألسنة»[1].
صحب جماعة من المشايخ، وأشتهر بصحبة خاله سري السقطي، والحارث المحاسبي. ودرس الفقه على أبي ثور، وكان يفتي في حلقته وهو ابن عشرين سنة. توفي يوم السبت سنة 297 هـ[1]


أساتذته
محمد بن إبراهيم البغدادي البزاز أبو حمزة ،بشر بن الحارث ،سري السقطي

أصحاب الجنيد
أبو بكر الشبلي ،أبو محمد الجريري وأبن الأعرابي أبو العباس أحمد بن محمد بن زياد إسماعيل بن نجيد ،
علي بن بندار أبو الحسن الصيرفي ،عبد الله بن محمد الشعراني أبو محمد الرازي الأصل
أبو الحسين علي بن هند القرشي الفارسي، من كبار مشايخ الفرس وعلمائهم

سيرته :

هو إمامٌ ضُرب بعلمه وحاله وسلوكه أروع المثل، وقدّم من جوهر صوفيته وتحقُّقه أنصع البراهين وأقوى الحجج على أن التصوف يُمثِّل أعلى قِمّة في الإسلام، يظل لواؤها صفوة عباد الله.


"وكان قد سمع الحديث عن الكثير من الشيوخ، وشاهد الصالحين وأهل المعرفة، ورُزِق من الذكاء وصواب الجوابات في فنون العلم ما لم يُر في زمانه مثله عند أحد من قرنائه، ولا ممن أرفع سنّا منه، ممن كان ينسب منهم إلى العلم الباطن والعلم الظاهر، في عفاف وعزوف عن الدنيا وأبنائها".
حصّل الجنيد العلم الضروري الذي لا يحصل إلا بالنقل وهو علم الفقه والحديث على أبي ثور، وكان يُفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة، ولم يكد يبلغ الثلاثين من عمره حتى رأى السري السقطي أنه أصبح مُؤهّلاً للجلوس والتدريس وإدارة حلقات العلم بالمساجد، غير أنه تحشّم ولم يجد نفسه أهلا لذلك، حتى رأى ليلة في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ليلة جمعة، فقال له صلى الله عليه وسلم: تكلّم على الناس، فانتبه من نومه وأتى باب السري السقطي قبل أن يصبح...، فقال له السري: لم تُصدِّقنا حتى قيل لك...، وكان أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسما، فقعد الجنيد في غدٍ للناس بالجامع."وكانت مجالسه هي جامعة بغداد الكبرى، كان عُشّاق الأدب يحضرون مجالسه ليتزودوا بالمُضِيء من القول، والمُشرِق من البيان، ويحُف به الفقهاء ينشدون لديه القول الفصل والحكم المبين، ويحيط به الفلاسفة ليتفقهوا دقائق الحكمة وأسرار النفوس والأكوان، ويلوذ به المتكلمون ليأخذوا عنه طرائق البحث وفنون الحديث، ويتبعه رجال التصوف، فهو النبع الذي يتدفق رحيقه من عرش الإيمان".

وجلوس الجنيد -رحمه الله تعالى- في حلقة بالمسجد يفتي ويدرس ويناقش، مكنّه من إرساء قواعد العلم الصوفي كواحد من العلوم الإسلامية جنبا إلى جنب مع علم الفقه والحديث والتفسير وغيرها، وذاع صيته حتى أصبح المرجع الديني الأكبر للعامة والخاصة في بغداد وفي المشرق العربي على امتداده، في حقبة تاريخية عصيبة تمثلت في صراع الفقهاء مع علماء الكلام.

طائفة من أقوال ابن تيمية فى الإمام الجنيد :
( قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوةً إلا بالله. فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء. فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعلميا وتأديبا وتقويما ـ وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة؛ لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا. فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالاً ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه)
( والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال. وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك؛ وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى )
( ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى )
( فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم ) .
وقد أثنى عليه ابن القيم كثيرا في كتابه مدارج السالكين

وقال عنه " ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول رؤى في يد الجنيد سبحة فقيل له أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا وقال إسماعيل بن نجيد كان الجنيديجيء كل يوم إلى السوق فيفتح باب حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته ودخل عليه ابن عطاء وهو في النزع فسلم عليه فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة فقال اعذرني فإني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت أبا القاسم الجنيد أنا وجماعة من أصحابنا فكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا فقال له بعض أصحابه ما هذا يا أبا القاسم فقال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد هذا.
وقت يؤخذ فيه الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات ودخل عليه شاب وهو في مرضه الذي مات فيه وقد تورم وجهه وبين يديه مخدة يصلي إليها فقال وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة فلما سلم دعاه وقال شيء وصلت به إلى الله فلا أدعه ومات بعد ساعة رحمة الله عليه وقال أبو محمد الجريري كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن فقلت له يا أبا القاسم ارفق بنفسك فقال يا أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي وقال أبو بكر العطوي كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ في ختمة أخرى فقرأ من البقرة سبعين آية ثم مات وقال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيدفي النوم فقلت ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعد ما وصلوا إليه فقال الجنيد العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك وقال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه وقال من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن وقال أبو نعيم سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت الجنيد ما علامة الإيمان فقال علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضي ويزول.- فرحمة الله على أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه ما أتبعه لسنة الرسول وما وما أقفاه
رأى علماء عصره فيه
لقد نال الجنيد مرتبة عالية، وإعجابا كبيرا، وثناء عجيبا من علماء الأمة ومؤرخيها، إذ اتفقوا "... على قبوله، والاعتداد بقوله، وعدُّوه وليّا من أولياء الله تعالى...". [9]

قال السبكي: سيد الطائفة ومقدم الجماعة وإمام أهل الخرقة وشيخ طريقة التصوف وعَلم الأولياء في زمانه.

قال إسماعيل بن نجيد فيما يرويه عنه صاحب تاريخ بغداد: "كان يقال: إن في الدنيا من هذه الطبقة ثلاثة لا رابع لهم: الجنيد ببغداد، وأبو عثمان بنيسابور، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام". [10]

ويضيف البغدادي: "قال جعفر بن محمد الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير أبي القاسم الجنيد، وإلا فأكثرهم كان يكون لأحدهم علم كثير ولا يكون له حال، وآخر يكون له حال كثير وعلم يسير، وأبو القاسم الجنيد كانت له حال خطيرة، وعلم غزير، فإذا رأيت حاله رجحته على علمه، وإذا رأيت علمه رجحته على حاله". [11]

وشهد له ابن الأثير بالإمامة، قال: "... وكان إمام الدنيا في زمانه...". [12]

وقال عنه ابن خلكان: "الزاهد المشهور...، وكان شيخ وقته وفريد عصره، وكلامه في الحقيقة مشهور مُدوّن...". [13]

وروى الجامي عن أبي عبد الله بن خفيف [14] قوله: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلِّموا أحوالهم: الحارث المحاسبي، والجنيد، ورويم، وابن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي، قدس الله أسرارهم، لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق". [15]

وقال الشيخ أبو جعفر الحداد: "لو كان العقل رجلا لكان الجنيد". [16]

ومن العلماء المتأخرين الذين أثنوا على الجنيد الإمام الشوكاني، قال:

ولكم مشى هذي الطريقة صاحب لمحمد فمشوا على أعقابـــــــه

فبها الغفاري قد أنــــــــاخ مطيـه ومشى بها القرني بسبق ركابه

وبها فضيـل والجنيد تجاذبــــــــــا كأس الهوى وتعللا برضابــــه [17]

قال عبد الواحد بن علوان : سمع الجنيد يقول : علمنا - يعني التصوف - مشبك بحديث رسول الله .

وعن أبي العباس بن سريج : أنه تكلم يوما فعجبوا ، فقال : ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد.

وعن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة : رأيت لكم شيخا ببغداد يقال له الجنيد ، ما رأت عيناي مثله ، كان الكتبة - يعني البلغاء - يحضرونه [ ص: 68 ] لألفاظه ، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه ، والمتكلمون لزمام علمه ، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم .

قال الخلدي : لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير الجنيد . كانت له حال خطيرة ، وعلم غزير ، إذا رأيت حاله رجحته على علمه ، وإذا تكلم رجحت علمه على حاله .

أبو سهل الصعلوكي : سمعت أبا محمد المرتعش يقول : قال الجنيد : كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين ، فتكلموا في الشكر ، فقال : يا غلام ، ما الشكر ؟ قلت : أن لا يعصى الله بنعمه ، فقال : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك . قال الجنيد : فلا أزال أبكي على قوله .

السلمي : حدثنا جدي ابن نجيد قال : كان الجنيد يفتح حانوته ويدخل ، فيسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة .

وعنه قال : أعلى الكبر أن ترى نفسك ، وأدناه أن تخطر ببالك - يعني نفسك .

أبو جعفر الفرغاني : سمعت الجنيد يقول : أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب جل جلاله من القلب ، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان .

قيل : كان نقش خاتم الجنيد : إن كنت تأمله فلا تأمنه .

وعنه : من خالفت إشارته معاملته ، فهو مدع كذاب .

وفي رأي عبد الحليم محمود، كان الإمام الجنيد "متزنا كامل الاتزان، وكان متعبدا على علم، وكان عالما كأجمل وأعمق ما يكون العلم...، وكان الجنيد إماما لهم، ومرشدا، وأخذ بأيديهم إن قصروا، ومهدئا لهم إن زاد بهم الوله: لقد كان قائدا يفرح بالنابه من جنده، ويشد أزر من تعثر به الطريق، ويرد جماح الجامحين، والكل يدين له بالفضل ويعترف له بالتقدير". [18]

ووصفه الإمام ابن تيمية بأنه إمام من أئمة الهدى، قال: "... ولهذا كان الجنيد -رضي الله عنه- سيّد الطائفة إمام هدى...". [19]

أما فريد الدين العطار، فأثنى عليه بما هو أهله، في قوله: "وكان في جميع العلوم ماهرا، وفي الفنون كاملا، وفي الأصول والفروع مُفتياً، وفي المعاملات والرياضات والإشارات العالية سابقا على الأقران، ومن أول حاله إلى آخر حاله حميدا مقبولا. والكل متفق على أمانته وكماله، وكلامه حجة في علم الطريقة، وما استطاع أحد أن يعترض عليه بمخالفة السنة".[20]

لقد حظي الجنيد بمكانة متميزة بين السابق واللاحق، فأثنوا عليه الثناء الحسن، وأنزلوه المنزلة الرفيعة، أهَّله لذلك حُسْنُ سَمْتِهِ وأخلاقه ومنهجه السلوكي التربوي، القائم على مجاهدة النفس وترويضها، والالتزام بصالح الأخلاق والأعمال، انطلاقا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم عليه الصلاة والتسليم، فاستحق بذلك لقب سيد الطائفة وتاج العارفين، رضوان الله عليهم أجمعين.

"وقلّما حظيت شخصية صوفية باهتمام المؤرخين بمثلما حظيت به شخصية الجنيد. كيف لا وهو الجامع بين الشريعة والحقيقة والواضع للمريدين أصول الطريقة، وهو أول من صاغ المعاني الصوفية تعبيرا، وشرحها تفسيرا، وحررها تحريرا".[21]
من أقواله وحكمه :
يَقُوْلُ: مَا أَخَذْنَا التَّصَوُّفَ عَنِ القَالِ وَالقِيْلِ، بَلْ عَنِ الجُوْعِ، وَتَركِ الدُّنْيَا، وَقَطْعِ المَأْلُوفَاتِ.
وَمُرَادُهُ: قَطْعُ أَكْثَرِ المَأْلُوْفَاتِ، وَتَرْكُ فُضُوْلِ الدُّنْيَا، وَجُوْعٌ بِلاَ إِفرَاطٍ.

فالسَّعَادَةُ فِي مُتَابَعَةِ السُّنَنِ، فَزِنِ الأُمُورَ بِالعَدْلِ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَالزَمِ الوَرَعَ فِي القُوْتِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ، وَاصْمُتْ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ، فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَى الجُنَيْدِ، وَأَيْنَ مِثْلُ الجُنَيْدِ فِي عِلْمِهِ وَحَالِهِ؟

يقول : " من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ، ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن ، ومتعلم يتعلم الحقيقة يوصله الله إلى الهداية " .

"الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول". وقال: " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ".

"يا ابن آدم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفئ, وعذاب لا ينفد أبداً، ونفس لا تموت، يا ابنَ آدم إنك موقوف بين يدي الله ربك ومرتهن لعملك فخذ مم في يديكَ لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جوابا، إنك ما تزال بخير ما دمت واعظاً لنفسك محاسباً لها وإلا فلا تلومن إلا نفسك".

من مواعظ الجنيد البغدادي يقول : "إنما اليوم إن عقلتَ ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فان أحسنت نزله وقِراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه. واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت ءاتٍ وقد مات قبلك من مات".

"اتق الله وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شئ، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحِب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزِدك إعجابُ أهلها زهداً فيها وحذراً منها فإن الصالحين كانوا كذلك". "اعلم يا ابن آدم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فل تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلِص عملك، واذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله، وإنّ أنجى الناسِ من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء".
من كرامات الإمام الجنيد

عن أبي عمرو بن علوان قال: خرجتُ يوما إلى سوق الرحبة فرأيتُ جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت حتى يُدفن الميت في جملة الناس، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فألححتُ بالنظر فاسترجعتُ واستغفرتُ الله تعالى، ثم عدتُ إلى منزلي فقالت لي عجوز: يا سيدي ما لي أرى وجهك أسود، فأخذتُ المرآة، فنظرتُ فإذا وجهي أسود، فرجعتُ إلى سري أنظرُ من أين دهيت؟ فذكرتُ النظرة فانفردتُ في موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوما، فخطر في قلبي أن زُرْ شيخك الجنيد فانحدرتُ إلى بغداد فلما جئتُ الحجرةَ التي هو فيها طرقتُ البابَ فقال لي ادخل يا أبا عمرو تُذنب بالرحبة ونستغفرُ لك ببغداد.

عن كتاب "صفوة الصفوة" لابن الجوزي.
اشتهر عنه كرامات منها أن الشيخ كان يتكلم على الناس فوقف غلام نصراني متنكرًا وقال: أيها الشيخ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى" رواه الترمذي، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال له: أسلِم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. والناس معتقدون أن هذا للجنيد كرامة واحدة وإنما فيه كرامتان إحداهما اطلاعه على كفر الغلام، والثانية اطلاعه على أنه سيسلم في الحال.

مؤلفاته :
ومن مسانيد حديثه

ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ بها قال : حدثني بكير بن أحمد الصوفي بمكة ، ثنا الجنيد أبو القاسم الصوفي ، ثنا الحسن بن عرفة ، ثنا محمد بن كثير الكوفي ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احذروا [ ص: 282 ] فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله " ، وقرأ : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ، قال : للمتفرسين " .

حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد ، ثنا عبدان بن أحمد ، ثنا عبد الحميد بن بيان ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا عمرو بن قيس ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

سمعت علي بن هارون بن محمد يقول : سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق ، فعلمه وقال قل : اللهم إني أسألك منك ما هو لك ، وأستعيذك من كل أمر يسخطك ، اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء ، اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك ، اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك ، اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك ، اللهم املأ قلبي بك فرحا ، ولساني بك ذكرا ، وجوارحي فيما يرضيك شغلا ، اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك ، وكل حب إلا حبك ، وكل ود إلا ودك ، وكل إجلال إلا إجلالك ، وكل تعظيم إلا تعظيمك ، وكل رجاء إلا لك ، وكل خوف إلا خوفا منك ، وكل رغبة إلا إليك ، وكل رهبة إلا لك ، وكل سؤال إلا منك ، اللهم اجعلني ممن لك يعطي ، ولك يمنع ، وبك يستعين وإليك يلجأ ، وبك يتعزز ، ولك يصبر ، وبحكمك يرضى ، اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك ، اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل ، واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر ، واجعل تصبري عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له ، اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك ، اللهم واجعلني ممن يلجأ لجأ من لا ملجأ له إلا إليك ، واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني ، اللهم وكل سؤال سألته فعن أمر منك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ ، بل يسأل القيام بواجب حقك .


صدر كتاب "رسائل الجنيد ((اول عمل يجمع كلا رسائل الامام الجنيد واقواله الماثورة))" عن دار اقرا، بتحقيق الدكتور جمال رجب سيدبي وتصدير الدكتور عاطف العراقي، الطبعة الأولى، 2005.[2]
قال المحقق الدكتور جمال رجب سيدبي في مقدمة الكتاب بعد حديثه عن أسباب عدم نشر وتحقيق رساتل الجنيد "لمثل هذين السببين اللذين اشرت اليهما آنفا ما دفعني إلى محاولة تحقيق المخطوطات، والبحث عن النسخ للمقابلة، واصبح مجمل هذه المخطوطات بعد التحقيق حوالي ستة عشر مخطوطا، ولم اكتف بهذا وحسب، بل اضفت إلى هذا العمل كل ما تركه الامام من رسائل واقوال متناثرة من مصادر التصوف الاصلية والقريبة العهد نسبيا بحياة الإمامالجنيد"
وصل بذلك عدد رسائل الجنيد إلى واحد وثلاثين رسالة وهي[2]:
1. كتاب القصد إلى الله.2. كتاب السر في انفاس الصوفية.3. كتاب دواء الارواح.4. كتاب دواء التفريط.5. كتاب ادب المفتقر إلى الله.6. الفرق بين الاخلاص والصدق.7. كتاب الفناء.8. كتاب الميثاق.9. في الالوهية.10. كتاب الجنيد إلى عمرو بن عثمان المكي تعالى.11. نسخة من كتابالجنيد إلى ابي يعقوب يوسف بن الحسين الرازي رحمة الله عليهما.12. رسالة ابي القاسمالجنيد إلى يوسف بن يحيى رحمة الله عليهما.13. رسالة ابي القاسم الجنيد بن محمد إلى يحيى بن معاذ رحمة الله عليهما.14. رسالة ابي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه.15. رسالة ابي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه.16. رسالة إلى بعض اخوانه.17. رسالة إلى جعفر الخالدي.18. رسالة في المعرفة.
19. رسالة الجنيد إلى ابي اسحاق المرستاني.20. رسالة إلى بعض اخوانه.21. رسالة إلى بعض اخوانه.
22. رسالة إلى بعض اخوانه.23. النظر الصحيح إلى الدنيا.24. رأي الجنيد في الذكر الخفي.
25. كتابه إلى ابي العباس الدينوري.26. عقبات الوصال.27. رسالة في الايمان.28. صفة العاقل.
29. رسالة في التوحيد.30. رسالة الجنيد إلى ابي بكر الكسائي.31. رسالة الجنيد إلى علي بن سهل الأصبهاني
وفاتـه:
وقال أبو محمد الجريري: "كنت واقفاً على رأس الجنيد وقت وفاته -وكان يوم جمعة- وهو يقرأ، فقلت: "أرفق بنفسك!" فقال: "ما رأيت أحداً أحوج إليه مني في هذا الوقت، هو ذا تطوى صحيفتي". وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت، في جماعة من أصحابنا، فكان قاعداً يصلي ويثني رجله، فثقل عليه حركتها، فمد رجليه وقد تورمتا، فرآه بعض أصحابه فقال: "ما هذا يا أبا القاسم!"، قال: "هذه نعم!. الله أكبر". فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: "لو اضطجعت!"، قال: "يا أبا محمد! هذا وقت يؤخذ منه. الله أكبر". فلم يزل ذلك حاله حتى مات". وقال ابن عطاء: "دخلت عليه، وهو في النزع، فسلمت عليه، فلم يرد، ثم رد بعد ساعة، وقال: "اعذرني! فإني كنت في وردي"، ثم حول وجهه إلي القبلة ومات".
وغسله أبو محمد الجريري، وصلى عليه ولده، ودفن بالشونيزيه، بتربة مقبرة الشيخ معروف الكرخي في بغداد، عند خاله سري السقطي. وصلى عليه جمع كثير من الناس قدر عددهم بالآلاف.
توفي رضي الله عنه سنة 297 هـ ومقامه في الجانب الغربي من مدينة بغداد مزار ظاهر على رؤوس الأشهاد.
خاتمة :
سرت بناس في الغيوب قلوبهم ****وجالوا بقرب الماجد المتفضل
ونالوا من الجبار عطفا ورأفة ***** وفضلا وإحسانا وبرا يعجل
أولئك نحو العرش هامت قلوبهم*** وفي ملكوت العز تأوي وتنزل
بعد شهادات كل هؤلاء العلماء والحفاظ وشيوخ الإسلام مازال بعض الصغار من أدعياء العلم والمتطفلين على موائد العلماء يهاجمون الأئمة والأولياء مازال البعض يتهجم ويجرح الخيرة من علماء الأمة يهاجمهم لأنه يختلف معهم فى الفهم والرأى أخاف أن يصدق في هؤلاء قولُ الذّهبي في المـوقظة :
وهو مقامٌ خَطِر ، إذ القادِحُ في مُحِقَّ الصُّوفية ، داخلٌ في حديث من عادَى لي وَلِيّاً فقد بارَزَني بالمُحارَبة .
لو رجم النجم جميع الورى * لم يصل الرجم إلى النجم
البعض من صغار العلماء يقدس ذاته ويعبد رأيه وينسب العصمة لذاته ويكفر من يخالف فهمه لأنه يظن أنه يحتكر الحقيقة ويملك صكوك الإيمان يوزعها كيف يشاء .. وهو لو وضع على ميزان العلماء لا يساوى شئ لا وزن له

المصادر :
[1]- ترجمته في:
- تاريخ بغداد أو مدينة السلام، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463ھ)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، د.ط، د.ت، 7/242.

- صفة الصفوة، جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (510-597ھ)، حققه وعلق عليه: محمود فاخوري، خرج أحاديثه: محمد رواس قلعه جي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1399ھ/1979م، 2 /416- 424.

- سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ھ)، أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط11، 1422ھ/2001م، 14/66-70.

- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي اليمني المكي (ت768ھ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1390ھ/1970م، 2/231-233.
[2]- مجدي إبراهيم: التصوف السني، حال الفناء بين الجنيد والغزالي، تصدير: عاطف العراقي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط2، 1427ھ/2006م،ص: 378.
[3]- حلية الأولياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الشافعي (ت430ھ)، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1427ھ/2007م، 10/274.
[4]- أبو الحسن السري بن المغلس السقطي (ت251ھ): خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، إمام البغداديين وشيخهم في وقته. ترجمته في: حلية الأولياء، 10/119-132.
[5]- إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، أبو ثور (ت240ھ): فقيه، كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا. ترجمته في: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط17، 2007م،1/37.
]- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (608-681ھ)، حقق أصوله وكتب هوامشه: يوسف علي طويل، ومريم قاسم طويل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1419ھ/1998م، 1/347.

[8]- من أعلام التصوف الإسلامي، طه عبد الباقي سرور، مكتبة نهضة مصر ومطبعتها، مصر، د.ط، د.ت، 2/123.

[9]- الجنيد بن محمد وآراؤه العقدية والصوفية، عرض ومناقشة، نوال بنت عبد السلام بن إدريس فلاتة، (رسالة ماجستير)، إشراف: لطف الله بن ملا خوجه، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم العقيدة، المملكة العربية السعودية، 1429ھ، ص: 14.
**الكامل في التاريخ، ابن الأثير (ت630ھ)، تحقيق: خيري سعيد، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر، د.ط، د.ت، 6/456.
**الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، محمد علي الشوكاني (1173-1250ھ)، تحقيق وتخريج: محمد صبحي حسن الحلاق، دار الهجرة، صنعاء، ط1، 1411ھ/1990م، ص: 26.
**مجموعة الفتاوى، أحمد بن تيمية (ت728ھ)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط، د.ط، د.ت، 5/297.
**تذكرة الأولياء، فريد الدين العطار (ت627ھ)، ترجمة: محمد الأصيلي الوسطاني الشافعي، تحقيق: محمد أديب الجادر، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، ط1، 1430ھ/2009م، ص: 429.

- حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين

- حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين
تأليف وإعداد :  ناجح ابراهـــــيم عبدالله *و علي محمد علي الشريف
الباب الأول : الغلو في الدين وأسبابه ومظاهره *.لفصل الأول : حكمة تحريم الغلو في الدين .
يقول المؤلفان في المقدمة ، كمدخل إلى الموضوع : لم تعان أمة الاسلام من آفة نزلت بها مثل معاناتها مع آفة تكفير المسلمين التي عشعشت في عقول نفر من ابنائها ، وجعلتهم يكفرون المسلمين بغير مقتضى شرعي .
ومن ثم أهدروا دماءهم واستحلو أموالهم ، دون أن يكون معهم دليل من الشرع ، أو حجة من الدين أو برهان من أقوال السلف ، ولم يكونوا في الوقت نفسه مؤهلين للخوض في هذه اللجة العميقة ، والسباحة في هذا البحر العميق الذي لا يجيد السباحة فيه سوى العلماء التقات الأثبات الصادقين الذين تسلحوا بالعلم وتجردوا عن الهوى . ص(3)

بداية ماهو الغلو؟
في اللغة هو الزيادة عن الحد ، وشرعا هو مجاوزة الحد المطلوب شرعاً من العبد إلى ماهو أبعد منه فلا يكتفى بطلب الشارع ، بل يشعر بأن ماطلبه الشارع قليل ولا يكفي فيغالي ويزيد من عنده على ما أمر به الشارع ، اعتقادا بان ذلك محبوب شرعا ، وهذا ايضا هو تعريف التشدد والتنطع والتطرف . ص (19).

وفي حكمة تحريم الغلو في الدين يسـوق المؤلفان عدة أسـباب في ذلك منها : أن الغلو منفر لا تحتمله طبيعة البشر ولا تصبر عليه ، وان صبرت عليه وتحملته فئة فان الغالبية لا تقوى على ذلك والدليل على ذلك حديث جابر بن عبدالله الانصاري لما غضب رسول الله (ص) من معاذ حين صلى بالناس فأطال حتى شكاه أحدهم للنبي (ص) فقال له : ( أفتان أنت يا معاذ؟ ) وكررها ثلاثاً.

وقوله (ص) لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا) وقول عمر رضى الله عنه : ( لا تبغضوا الله الى عباده فيكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ماهم فيه ) .

كما أن الغلو قصير العمر ، والانسان ملول وطاقته محدودة نفسيا وبدنيا ، وربما يقوده الغلو إلى السأم او ينتقل إلى الافراط والتفريط ومن التشــدد الي التســيب ولذا قال رسـول الله (ص) : ( ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) وقوله (ص) : (يا أيها الناس عليكم من الأعمـــال ما تطيقون ، فان الله لا يمل حتى تملوا وان أحب الأعمال الى الله ما دووم عليه وان قل ) وحديث ابوهريره رضى الله عنه قال : قال رسول الله (ص) : ( ان الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا وأستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة ) .

والغلو في الدين لا يخلو من جور على حقوق أخرى يجب أن تراعى وواجبات يجب أن تؤدى وما أصدق ما قاله الحكماء: ( ما رايت اسرافا الا وبجانبه حق مضيع ) وقال رســـول الله (ص) لعبدالله بن عمر حين بلغه انهماكه في العبادة انهماكا أنساه حق أهله عليه ، قال : ( ياعبــــدالله ألم أخبر أنك تصــوم النهار وتقوم الليــــل ) فقال : قلت بلى يارسول الله ، فقال (ص) : ( فلا تفعل ، صم وأفطر وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا)  ص (23).


الفصل الثاني :  من مظاهر الغلو في الدين .

بعد أن بين المؤلفان حكمة تحريم الغلو في الدين فانهما يشيران الى مظاهرة وهي:

1- التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر:  في الأمور الاجتهادية والأمور المحتملة ، وكثيرا ما يجعل الأمور الاجتهادية أمورا مقطوعة ويقينية ليس فيها الا قول واحد وهو قوله ( ولا رأي الا رأيه) ص (27) .

ويقينا أن هناك من يحاول ان يفرض رأيه بالقوة ، ويزداد الأمر خطورة   حين يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة ، وهنا قد لا تكون       العصا الغليظة من حديد أو خشب فهناك الاتهام بالابتداع او بالاستهتار          بالدين او بالكفر والمروق ، ان هذا الارهاب الفكري اشد تخويفا وتهديدا من      الارهاب الحسي) ص (28).

2-    إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به:
 يقول المؤلفان : ( ومن مظاهر الغلو الديني التزام التشدد مع قيام موجبات       التيسير والزام الآخرين به حيث لم يلزمهم الله به ، فلا ينبغي لمسلم ان          يرفض التيسير في وقت الحرج وأن يرفض الرخصة التي رخصها الله ويلزم    جانب التشدد ) ص(28).

والله تعالى يقول : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وعائشة رضى الله عنها تقول : ( ماخير رسول الله (ص) بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن أثما ) ويذكر المؤلفان أن من التشدد على الناس محاسبتهم على النوافل والسنن كأنها فرائض، وعلى المكروهات وكأنها محرمات والمفروض الا تلزم الناس الا بما الزمهم الله تعالى به جزما وما زاد على ذلك فهم مخيرون فيه إن شاء وا فعلوا وإن شاءوا تركوا ، ويشير المؤلفان في هذا السياق إلى حديث طلحة بن عبيدالله في الصحيح في قصة ذلك الاعرابي الذي سأل النبي (ص) عما عليه من فرائض فأخبره بالصلوات الخمس وبالزكاة  ورمضان ، فقال هل على غيرها ؟ فقال : لا . إلا  ان تطوع ، فلما أدبر الرجل قال : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال النبي (ص) : ( افلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق ) ص (31) .

3-    التشدد في غير موضعه :
ولما كان التشدد أحد أهم مظاهر الغلو في الدين ، فإنه يكون أعظم اذا كان في غير زمانه ومكانه ، كأن يكون مع قوم حديثي العهد بالاسلام أو حديثي عهد توبة ، أو في غير دار الاسلام وبلاده الاصلية ، فهؤلاء ينبغي التساهل معهم في المسائل الفرعية والأمور الخلافية ، والتركيز معهم على الكليات قبل الجزئيات وتصحيح عقائدهم أولاً ، كما جاء في حديث رسول الله (ص) لمعاذ بن جبل لما أرسلة إلى اليمن : ( انك تأتي قوما من أهل الكتاب . .) ص (31).

4-    الغلظة والخشونة :
يقول المؤلفان ان من مظاهر الغلو والتشدد في الدين الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة خلافا لأمر الله ورسوله فقد قال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) وقال الرسول (ص) ان الله رفيق يجب الرفق في الأمر كله ) وفي تحليل المؤلفان لموقف الشباب من الناس في هذا الشأن يقولان : ( وللأسف الشديد نجد بعض شباب الحركات الاسلامية يتحاورون ويتعاملون بالغلظة مع الناس ، لا يفرقون في ذلك بين كبير وصغير ، ولا بين من له حرمه خاصة كالأب والأم ومن ليس كذلك ولا بين من له حق التوقير والتكريم كالعالم والفقيه والمعلم والمربي ومن ليس كذلك ، ولا يفرقون بين من هو معذور ومن ليس كذلك ، ومن هو جاهل ومن يعادي الاسلام عن عمد وعلم وبصيرة ) ص (34).

5-    سوء الظن بالناس :
ومن مظاهر  الغلو والتشدد ولوازمه سوء الظن بالآخرين ، فالأصل عند المتشدد هو الاتهام ، والاصل في الاتهام الادانة خلافا لما تقرره الشرائع والقوانين : ( ان المتهم برئ حتى تثبت إدانته ) ان المتشددين يرجحون احتمال الشر على احتمال الخير ، ويعتبرون من يخالفهم متهم في دينه أو الابتداع ، ويقول المؤلفان فوق ذلك : (ولا يقتصر سوء الظن عن هؤلاء على العامة بل يتعدى الى الخاصة وخاصة الخاصة ، فاذا أفتي فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله ورفع الحرج عنهم فهو في نظرهم متهاون في الدين ، ولم يقف الاتهام عند الاحياء ، بل انتقل الى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ، كأئمة المذاهب المتبعة ، فهم على مالهم من فضل ومكانة لدى الأمة في كافة عصورها لم يسلموا من ألسنتهم وسوء ظنهم ، ان ولع من يكفرون المسلمين بالهدم لا بالبناء ولع قديم وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم أمر معروف ، والله سبحانه وتعالى يقول : (فلا تزكوا أنفســـكم هو أعلم بمن أتقى ) ص(35). بل أن رسول الله (ص) يقول : ( اياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) ص ( 36).

ويشير المؤلفان الى ان المتشددين لا يرون الا المثالب ولا يعجبهم احد ولا ينظرون الى الحسنات وهذه نظرة غير عادلة وانحراف عن الطريق السليم فالله يقول : ( يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون ) . وقال تعالى : ( ياايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على انفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلوا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا ) .



ويرى المؤلفان انه يجب على المسلم العدل والانصاف ويزن الناس بميزان الشرع والوسطية ولا ينبغي له ان يحقر أخاه المسلم ، فقد قال الرسول (ص) : ( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) ص (38) .

6-    النظرة المثالية للمجتمع :
يقول المؤلفان ان من مظاهر الغلو ان ينظر المرء الى المجتمع وأفراده نظرة مثالية ، وانه ينبغي ان يكون خاليا من المعاصي ويسوده الحب والمودة والطاعة ، وهذه نظرة مثالية وغلو في التصور وبعد عن الواقع ، وقد كانت المعاصي والذنوب في كل الأمم وفي اتباع الرسل فهي فيمن دونهم من باب أولى ، وان كل ابن آدم خطاء كما قال رسول الله (ص) : ( ولو لم يذنب البشر لخلق الله بشرا يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) كما ورد في الحديث . ص (40) .

وقال تعالى : ( وخلق الانسان ضعيفا ) ثم يستعرض المؤلفان مجموعة من الاحاديث التي دلت على وقوع بعض المعاصي والذنوب في عهد الصحابة رضى الله عنهم وذلك لتبيان ان خير القرون هو قرن الرسول (ص) لم يكن خاليا من المعاصي سواء كانت من الكبائر أم من الصغائر ، وكذلك لتبيان بشرية الصحابة وان في عهدهم من قتل وسرق وزنى وشرب الخمر ، كما يدل ذلك على ان حدوث المعاصي والذنوب في القرون التالية اكبر ولا يخرجها ذلك عن الاسلام ، ويقولون انه لا يجوز لاحد ان يصفها بانها امة قد ارتدت او أنها عصر جاهلية كجاهلية ما قبل الاسلام . ص (41) .

ويأتي المؤلفان الى عصرنا الحديث ويقولان ان ما وقع لطائفة الخوارج قديما وقع لجماعة (  التكفير والهجرة ) حديثا فهم يكفرون كل من ارتكب معصية ويكفرون الحكام والمحكومين والعلماء والناس وكل من خالفهم بل انهم يكفرون كل من قبل فكرهم ولم يدخل في جماعتهم ويبايع امامهم ، ودخل في جماعتهم تم ترائ له لسبب أو لآخر أن يتركها .

فهو مرتد حلال الدم ، وهكذا أسرف هؤلاء في التكفير ، فكفروا الناس أحياءً وأمواتا ، وقد حذر الرسول (ص) من الاتهام بالكفر ، ففي الحديث الصحيح  ( من قال لأخيه : ياكافر فقد باء بها أحدهما ) أي فيما لم يكن الآخر كافراً بيقين فقد ترد التهمة على من قالها ويبوء بها  فهذا خطر جسيم ) ص (52).


7-    من أسباب الغلو في الدين :
يرى المؤلفان ان من اسباب الغلو في الدين التالي :
أ‌-      ضعف البصيرة بحقيقة الدين.
ب‌-  ضعف البصيرة بالواقع .
إن ضعف البصيرة بحقيقة الدين المقصود به هنا هو نصف العلم الذي يظن صاحبه انه دخل به في زمرة العلماء وهو يجهل الكثير والكثير ، ولا يربط الجزئيات بالكليات ولا يرد المتشابهات إلى المحكمات . وقال النبي (ص) في ذلك : ( ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساء جهالا  فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا ) .

ومن مظاهر الجهل :

1-   الاتجاه الظاهري في فهم النصوص : ويقول المؤلفان ان بعض الشباب يتمسكون بحرفية النص دون التغلغل الى فهم فحواها ومعرفة مقاصدها فهم لا يعرفون القياس ولا يستخدمونه ولا ينظرون الى العلة والحكمة من وراء التشريع ويضربان على ذلك مثلا ،  فهم البعض لما ورد في حديث الرسول (ص) من نهى ان يسافر بالمصحف الى أرض الكفار أو أرض العدو ، والناظر في علة هذا المنع يتبين له ان النبي (ص) لم ينه عن ذلك إلا مخافة ان يستهين الكفار بالمصحف ، وحين تنتفى العلة ينتقى الحكم ، وكذلك مثال نهى الرسول (ص) المسافر أن يطرف أهله ليلاً . ص ( 58).

2-   الإنشغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى : ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم ومظاهر ضعف البصيرة في الدين اشتغال البعض من هؤلاء بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية عن القضايا الكبرى التي تتعلق بوجود الأمة الاسلامية وهويتها ومصيرها ، فنرى كثير منهم يقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل مسائل فرعية اختلف فيها العلماء سلفا وخلفا ولا مصير الى اتفاقهم فيها لانها من المسائل الاجتهادية الفرعية التي تتفاوت فيها الأفهام وتتعارض فيها الأدلة ، ويضرب المؤلفان أمثلة على ذلك مثل وضع اليدين في الصلاة ، وهل توضع على الصدر أم تحت السرة أم تسدل الى الجانبين ، والاختلاف فيها لا يمثل كبير اختلاف ولا يجوز تضييع الجهد عليها وترك ما هو اعظم وأكبر . ص (61) .




3-   الاسراف في التحريم ( بغير دليل) : ومن دلائل عدم الرسوخ في فقه الدين الميل دائما الى التضييق والتشديد والاسراف في القول بالتحريم مع تحذير القرآن الكريم والسنة والسلف من ذلك ، فقد قال تعالى : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ، هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) . وكان السلف لا يطلقون الحرام الا ما علم تحريمه جزما ، فاذا لم يجزم بتحريمه قالوا : ( نكره كذا او لا نراه أو نحو ذلك من العبارات ولا يصرحون بالتحريم ) والمتشددون يجنحون الى التحريم دائما مع وجود الكراهة او يجنحون الى التشدد والتضييق مع وجود التيسير .

4-   إتباع المتشابهات وترك المحكمات :  المتشابه هو ماكان محتمل المعنى وغير منضبط المدلول ، والمحكم هو البين المعنى الواضح الدلاله المحدد المفهوم ، يقول المؤلفان ان غلاة اليوم  يعتمدون على المتشابهات في تكفير الأمة واستحلال دمائها ولو ردوا المتشابه الى المحكم لحكموا بالعدل والحق.

5-   عدم التعلم على أيدي العلماء : ومن أسباب ضعف البصيرة عند البعض أن الواحد منهم لم يتلق العلم من أهله وشيوخه المتخصصين بمعرفته ، والمؤلفان يشيران بذلك الى اعتماد البعض على بضاعة الكتب والصحف والقراءة من غير المصادر والاصول الشرعية مما يجعلهم يسيئون الفهم ويستبطون احكامهم من غير أهل العلم والعلماء الثقات .

2-   ضعف البصيرة بالواقع والحياة والتاريخ وسنن الكون :

إن أهم أسباب الغلو في الدين بعد ضعف البصيرة  فيه ، هو عدم الوعي   بالواقع والحياة ( فتجد أحدهم يريد ما لا يكون ويطلب مالا يوجد ويتخيل ما         لا يقع ويفهم الوقائع على غير حقيقتها ويفسرها وفقا لأوهام رسخت في     رأسه لا أساس لها من سنن الله في خلقه ولا من احكامه في شرعه ، وهو         يريد ان يغير المجتمع كله ، افكاره ومشاعره وتقاليده واخلاقه وانظمته          الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوسائل واهية واساليب خيالية . ص (65).

إن معرفة التاريخ والوعي بالواقع لا يعني القراءة السردية ، بل الوعي والعبرة والنفاذ الى سنن الله فيها يقول الله تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ) فإن التاريخ هو مخزن العبر ومعلم الأمم ، فكما أن الفرد يتعلم من احداث أمة الغد ، فان الأمة ايضا تأخذ من ماضيها لحاضرها ، وتستفيد من صوابها وخطئها ومن انتصاراتها وهزائمها . ص(66) .

الفصل الرابع : الاسلام بين الغلو والتقصير .

يتسائل المؤلفان قبل نهاية الباب الأول عن قضية المسلمين الثانية ما     يرونها وهي التقصير من جانب المسلمين الذي يتجلى في تفريط المسلمين       في دينهم وضياع مقدساتهم وتنازعهم على الجاه والسلطان . ويقولان : (         ان الغلو والتقصير وجهان لعملة واحدة ، والافراط والتفريط صورتان لشئ        واحد ، وكلاهما خطر على الاسلام ، وكلاهما ضار بالدين ، فالدين وسط بين الافراط والتفريط والغلو والتقصير : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ص.           (75) .

يؤكد المؤلفان هذه الوسطية في السطورالتالية : ( وعلى كل من يريد أن ينهج منهج الاسلام ويقتفى صراطه المستقيم فعلية أن يسلك سلوكهم        يقتفى آثار أهل السنة والجماعة ، وعلى مسلمي اليوم ان يقتفوا آثار          السلف الصالح الذين نهجوا منهج الحق وتشربوا وسطية الاسلام وعدله           اقتفوا صراطه المستقيم ، فلم يطغوا في الميزان ولم يخسروا فيه ، ولكنهم اقاموا الوزن بالقسط والحق ) ص ( 77).

فعلى المسلم أن يجمع خيري الدنيا والآخرة  وصلاحهما ويتخذ أسباب الدنيا بحوارحه ويتوكل على الله بقلبه ، فالتوكل عمل القلب واتخاذ الأسباب عمل الجوارح ولا تعارض بينهما وان يكون وسطا بين المقدسين للعقل الذين يقدمونه على النقل الصحيح ان كان هناك تعارض بينهما ومن المغيبين للعقل تماما ولو كان في فهم النص وشرحه وتوضيحه وبيان ما غمض منه والوقوف على حكمةالله الخفية فيه ، فللنص الصحيح القاطع مكانه الصحيح المقدم على العقل وللعقل مكانه السليم في فهم النص وشرحه واستنباط حكمته وعلته مع ان العقل السليم السديد لا يتعارض ابدا مع النص الصحيح  وان يكون وسطا بين الذين يغفلون مقاصد الشريعة الكلية بدعوى مراعاة النصوص ) ص( 78)

ويختتم المؤلفان هذا الباب بقولهما : ( ان الدين يضيع بين غلو المغالين وتقصير المقصرين ، وخذ بهدى نبيك الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم  في كل وقت وحين ) .


الباب الثاني : بدعة التكفير والرد عليها :

الفصل الأول : الغلو في تكفير عصاه المسلمين :

يتحدث المؤلفان عن الافراط والتفريط ويحثان المسلمين على انتهاج المنهج      الوسطي وان لا ينظر المسلم للناس بعيدا عن هذا المنهج ولا يتجاوز حدود        الشرع والدين في حكمه عليهم ، والحديث هنا عن بعض نفر قليل ينتسب     الى الحركة الاسلامية وهي منهم براء  ، غالوا وتشددوا بغير حق في الحكم على الناس فأخرجوا اهل الاسلام من الملة وحكموا عليهم بالكفر نتيجة لشبهة أو هوى أو تقليد لضال مضل أو لغير ذلك من الأسباب ) ص. (90) .

المبحث الأول : الآثار السلبية للغلو في تكفير عصاة المسلمين .

المطلب الأول : المفاسد المترتبة على تكفير المسلمين :
يرى المؤلفان أن من يحكم على مسلم بالكفر بغير حق يقع في بعض الأمور       منها :

أولاً : إن من يحكم على مسلم بالكفر يقع تحت الوعيد الشديد لمن نسب مسلماً إلى      الكفر ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :إذا قال الرجل لأخيه يا        كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال و الا رجعت إليه . و في رواية عن ثابت بن الضحاك :" و من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ". و في رواية عنه        :" و من قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله ".

ثانياً : ان تكفير المسلم بغير حق إهدار لقيمة العدل الذي يستوجب في أدنى صوره       أن يكون من يحكم بالتكفير مؤهلاً لذلك وإن يتاح لمن ينسب إلى الكفر حق    الدفاع الشرعي عن النفس و رد المظالم .

ثالثاً :  إن تكفير المسلم يؤدي إلى تمزيق المجتمعات وبذر الخلاف بين الناس لما        يترتب على ذلك من حل الدماء والأموال والتفريق بين الزوجين وقطع ما    بينه وبين المسلمين في الإرث  والغسل عند الموت والصلاة والدفن .

رابعاً : تكفير المسلمين يثير الفوضى في المجتمع ويفتح الباب أمام الجهال ليعيثوا      فساداً بين الناس .

خامساً : الحكم على بعض عصاة المسلمين بالكفر دون وجه حق يعني إغلاق باب        الرجاء وفتح باب الياس والقنوط وربما التمادي في المعصية .

المطلب الثاني : أصل بدعة الكفر :
 يرجع المؤلفان أصل بدعة التكفير الى الخوارج و ما نتج عنها في فجر   الاسلام وما تبع ذلك من مآسي كثيرة ويستشهدان بقول الشيخ القرضاوي:          " وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الاسلام والذين كانوا من أشد الناس     تمسكاً بالشعائر التعبدية صياماً وقياماً وتلاوة القرآن ولكنهم أتوا من فساد        الفكر لا من فساد الضمير وزين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً  وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وقد وصفهم النبي صلى    الله عليه وسلم :"يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم " و ذكر علامتهم " يقتلون أهل الاسلام و يدعون أهل الأوثان " ص 101 .

المبحث الثاني : الرد على من يكفر عصاة المسلمين :
لقد حذر الني صلى الله عليه و سلم من الاتهام بالكفر :" من قال لأخيه يا          كافر ، فقد باء بها أحدهما وقد صح من حديث أسامة بن زيد أن من قال : لا    اله الا الله فقد دخل الاسلام و عصمت دمه وماله ، وإن من قالها خوفاً أو تعوذاً من السيف فحسابه على الله و لنا الظاهر و لهذا أنكر النبي صلى الله        عليه وسلم غاية الإنكار على أسامة حين قتل الرجل في المعركة بعد أن      نطق بالشهادة و قال : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا  الله ؟ قال : إنما قالها         تعوذاً من السيف ، قال : هل شققت قلبه ؟ ما تصنع ب" لا إله الا الله " قال       أسامة : فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ . ص102.

ويأتي المؤلفان إلى توضيح بعض المصطلحات وذلك لأن ما دفع المغالين          في تكفير الناس هو الخلط في فهمها  الايمان.

الايمان في اللغة التصديق واصطلاحاً عند أهل السنة والجماعة قول باللسان      وتصديق الجنان وعمل بالأركان . ويرى بعض الحنفية أنه التصديق وأكثر          الحنفية على أنه التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع     الاقرار باللسان ، واهل السنة والجماعة يعبرون عن تعريفهم للإيمان بأنه         قول وعمل .
ويذكر المؤلفان رأي الحافظ بن حجر في الأيمان عند أهل السلف و يلخصانه في :
أ-       أن أهل الســنة يعنون بالإيمان إعتقاد القلب ونطق باللسان وعمل بالأركان.
ب-     هناك من الأعمال ما ينقص أصل الإيمان تركها مثل اسـتحلال ترك الواجبات وهناك من الأعمال ما هو شرط لكمال الإيمان وليس صحته          ولهذا الإيمان عند أهل السنة يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية .
ج-      أفعال قد تدل على كفر  فاعلها كالسجود للصنم .

ولكن بما يدخل الكافر الإسلام ؟ الكافر إنما يدخل الإسلام ويصبح في عداد المسلمين بمجرد نطقه بالشهادتين وقبل أن يؤدي الصلاة أوالزكاة أوغيرها ، إن العبادات لا تقبل إلا من مسلم وإنما يكفي أن يقر بالفرائض ويلتزم بها وإن لم يؤدها بالفعل وهذه الشهادة هي التي تعصم دم الإنسان وماله كما في الحديث" فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . ص 109
الفرق بين الإيمان و الإسلام :

الخلط بين الإيمان والاسلام يؤدي الى الخلط في الحكم على الناس فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بأعمال القلب "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره " . وفسر الاسلام بأعمال الجوارح "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت" وقد يطلق الاسلام في موضع آخر يراد به أيضاً الدين كما في حديث " الاسلام أن يسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك " . وحديث " أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً " .

الكفر و معناه  الكفر لغة  الستر وشرعاً تكذيبه صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به من الدين ضرورة . والكفر خمسة انواع : كفر تكذيب و كفر استكبار وإباء مع التصديق وكفر إعراض وكفر شك وكفر نفاق وقد يطلق الكفر بمعنى الردة كما في قوله تعالى " ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون " وقد تطلق كلمة الكفر على بعض المعاصي العملية التي لا تحمل إنكاراً ولا  جحوداً ولا استحلالاً ولا تكذيباً لله ورسوله ولم يقف الغلاة في التكفير عند الخطأ في تحديد مفهوم الايمان إنما أضافوا اليه وبنوا عليه خطايا عديدة دفعت بهم الى هاوية سحيقة وكانت أولى هذه الخطايا أنهم ذهبوا الى أن كل ما سماه الله ورسوله كفراً في نصوص القرآن والسنة هو من الكفر المخرج عن الملة الذي يوجب خلود صاحبه في النار ولم ينتبهوا إلى أن هذا الإطلاق لا يصح فأهل السنة والجماعة عبر استقرائهم لكل نصوص  الكتاب والسنة قرروا قاعدتهم الذهبية في هذا الشأن وهي أن ما سماه الله ورسوله كفراً ليس بالضرورة أن يكون من الكفر المخرج عن الملة أنما قد يكون كفراً أصغر لا يخرج فاعله من الملة ويحمل على كفر النعمة أو كفر الأخوة ونحو ذلك و قد يكون ما سمي كفراً في الكتاب و السنة كفراً أكبر يخرج فاعله من الملة " ص 113 .

ويشير المؤلفان إلى قول الشيخ حافظ حكمي حول مسالة الكفر " ليس كل فسق يكون كفراً ولا كل ما يسمى كفراً و ظلماً مخرجاً من الملة حتى ينظر إلى لوازمه وملزماته، وذلك لأن كلاً من الكفر والظلم والفسوق والنفاق جاءت في النصوص قسمين : أكبر مخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكلية وأصغر لا ينقص الإيمان وينافي كماله ولا يخرج صاحبه منه فكفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ونفاق دون نفاق " ص 114 .

 وينظر المؤلفان إلى تقسيم الكفر إلى كفر أكبر وكفر أصغر إذ يجمع علماء السلف على حمل الكفر المذكور في الآيات التالية على الكفر الأكبر المخرج من الملة " قل ياأيها الكافرون ،لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد " و قوله تعالى :" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " وقوله تعالى:"إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " . ومن أمثلة الكفر الأصغر كما جاء في الحديث الصحيح "يا معشر النساء ... إلى آخر الحديث . وقوله صلى الله عليه وسلم " سباب المسلم فسوق و قتاله كفر " إذ أن القتال الذي جرى بين  على بن أبي طالب و معاوية ابن أبي سفيان يعتبر من الكفر الأصغر إذ أن العديد من الذين قتلوا في الجانبين من المسلمين الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه و سلم بالجنة .

ويقول المؤلفان أن هناك اختلافاً بين أهل السنة في ما سمي كفراً من بعض النصوص هل هو كفر أكبر أم أصغر ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " فمن العلماء من حمل ذلك على الكفر الأكبر وذهب جماهير السلف والخلف ومالك والشافعي إلى عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً  وعدوة فاسقاً ومن أمثلة الخلاف بين الكفرين تفسير قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " إذ أن من العلماء من جعل الكفر المذكور في الآية على الكفر الأصغر ومنهم من جعلها على الكفر الأكبر ، ومنهم من قال أنها تحتمل المعنيين . ويخلص المؤلفان إلى : و يبقى أمر يجب الانتباه اليه و هو أن من يقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة سواء كان حاكماً أو محكوماً لا يصح تكفيره إلا بعد إقامة الحجة الواضحة التي بمقتضاها يتم التأكد من ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه و هذا أمر يختص به أهل العلم و الاختصاص من المجتهدين فلينتبه لذلك و ليعض عليه بالنواجذ .

الشرك :
كذلك ينقسم إلى شرك أكبر و هو دعاء إله أو آلهة مع الله أو دون الله و فيه قوله تعالى :" ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " وشرك أصغر مثل قوله صلى الله عليه وسلم" من حلف بغير الله فقد أشرك " وقوله : " من علق – أي - تميمة فقد أشرك " .

النفاق :
النفاق الأكبر هو نفاق العقيدة وهو أن يبطن الكفر ويظهر الايمان خداعاً وكذباً وهو المذكور في أوائل سورة البقرة : " ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين ، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون ".
وهناك النفاق الأصغر وهو نفاق العمل بمعنى أن يتصف المرء المسلم بصفات المنافقين و أخلاقهم و لكن قلبه مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وهذا ما جاءت به الأحاديث مثل قوله صلى الله عليه و سلم :"آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان " . و يقول المؤلفان أن الحكم على شخص بعينه بالكفر الأكبر وأنه من أهل الوعيد أمر خطير كما وضحنا، لذا أوضح كثير من العلماء خطورة هذا الأمر وجعلوا له ضوابط وشرائط لا بد من انطباقها على الشخص المعين وعلى من يحكم عليه بذلك . ص 124 .
ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله أوقبل موته استشعر جرمه وخشي لقاء ربه كما غفر للذي قال" إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، ثم غفرالله له لخشيته ..ص125
ما حكم مرتكب الكبيرة ؟ يقول الشيخ ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية قائلاً :" الجواب أن أهل السنة متفقون جميعاً على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج ، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال ولا يقبل عفو ولي القصاص ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الاسلام . ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والاسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة فإن قولهم باطل أيضاً إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين قال الله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتل " إلى قوله تعالى :" فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف " . فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخاً لولي القصاص والمراد أخوة الدين بلا ريب . ص 128 .

وقال تعالى :" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بين أخويكم " . ونصوص الكتاب والسنة والاجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد فدل على أنه ليس بمرتد وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من كانت عنده لأخيه مظلمة ... إلى آخر الحديث . فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي  المظلوم منها حقه .
وقال الله تعالى :" إن الحسنات يذهبن السيئات " فدل ذلك على أنه في حال مساءته يعمل حسنات تمحو السيئات , والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لكن الخوارج قالت نسميه كافراً ، وقالت المعتزلة نسميه فاسقاً فالخلاف بينهما لفظي فقط وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص ص 129 .
ويستدل المؤلفان في حكم مرتكب الكبيرة من قول النووي :" وأما من مات وله معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى فإن شاء عفى عنه وأدخله الجنة أولاً  وجعله كالقسم الأول :" الذين يدخلون الجنة لأنهم لم يذنبوا أو تابوا " وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل ، هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة .
وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأئمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله ليجمع بين نصوص الشرع . ص 130 .
ويقول المؤلفان وهكذا سقنا هذه الأقوال والأدلة المختصرة لنبين أن المعاصي ليست كلها كفراً مخرجاً من الملة وأن مرتكب الكبيرة لا يكفر إن مات على التوحيد وهناك من يحمل فكراً ضالاً ومنحرفاً يستندون على حديث :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "  ( لنفي الإيمان عن الزاني ) و للرد على هؤلاء يشير المؤلفان إلى قول النووي :" قوله صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهومؤمن " فالقول الصحيح الذي قاله المحققون : إن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره " ص 131 .

ويقول عز و جل :" إن الله لا يغفرأن يشرك به ويغفر ما دون ذلك " مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان أن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولاً وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة  .
والكفر المخرج عن الملة لا تزول عقوبته الآخروية إلا بالتوبه ، أما عقوبة الذنوب في الآخرة فقد دلت نصوص الكتاب و السنة على أنها تزول عن العبد لعدة أسباب : ( التوبة ـ الاستغفار  - الحسنات الماحية – الدافع للعقاب – ما يعمل للميت من أعمال – شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم – المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا – ما يحصل في القبر من فتنة والضغطة والروعة- أهوال يوم القيامة و شدائدها – رحمة الله تعالى و عفوه و مغفرته بلا سبب من العباد ) .
ويختتم المؤلفان هذا الفصل بقولهما " والآيات و الأحاديث تتواتر لتؤكد أن الله يغفر الذنوب جميعاً دون الشرك من غير توبة للعبد متى شاء ذلك سبحانه وتؤكد  سعة رحمة الله رب العالمين التي وسعت كل شيء فليت هؤلاء الذين يتسرعون ويحكمون جهلاً على عصاة الموحدين بالكفر ليتهم تدبروا هذه النصوص وفهموا مقاصد الشريعة وتخلقوا بأخلاق الله الذي جعل رحمته تغلب غضبه " لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهوعنده فوق العرش : إن رحمتى تغلب غضبي "ص 139 .

بدعة تكفير جهاد المسلمين و الرد عليها


يقدم المؤلفان لهذا الباب بقولهم " لقد تورط بعض نفر ممن ينتسبون إلى بعض فصائل الحركة الإسلامية في قضية قد حسمها الشرع ودل عليها العقل وأدركها الفطر السليمة ألا وهي قضية كون عارض الجهل مانعاً من لحوق حكم الكفر لمن أتى فعلاً كفرياً وهو يجهل أنه كفر، وهو لا يريده ولو علم أنه كفر لما أقدم عليه ولما أقترفه إنما فعله جاهلاً بحقيقة أمره بل يكون معتقداً بفعله هذا أنه يتقرب إلى الله كأولئك الجهال الذين يفعلون أفعالاً شركية عند قبور الصالحين وعدم اعتبار عارض الجهل مانعاً لحقوق حكم بالكفر بفاعله غلو في الدين وتشدد في غير موضعه ومخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون أن من أتى كفراً لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويرون أن الشخص المعين الذي يرتكب كفراً لا يحكم بكفره إلا بعد ثبوت شروط  إنتفاء موانع ص 143 .




 ويقسم المؤلفان الموانع التي تتتسب انتفاء حكم الكفر عن فاعله إلى :
أ- العوامل التي تسبب  إنتفاء شروط العقل

          1- عارض الجنون .
          2- عارض الصغر وذلك لقوله صلى الله عليه و سلم " رفع القلم عن ثلاثة             النائم حتى يستيقظ و عن الصبي حتى يشب و عن المجنون حتى يعقل "
          3- عارض السكر .
          4- عارض العته .
ب- الموانع التي تسبب انتفاء شروط القصد .
          1- عارض الإكراه .
          2- عارض الهزل .
          3- عارض الخطأ .
          4- عارض التأويل .
ج- العوارض التي تسبب انتفاء شروط العلم .
عارض الجهل : إذا أتى المسلم الجاهل فعلاً أو قولاً أو اعتقد إعتقاداً هو كفر      ينقص الإيمان وهو لا يعرف ذلك فإنه معذور بجهله ولا يكفر حتى تقام عليه       الحجة وقد نبه الإمام العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية على ثبوت شروط      وانتفاء موانع باعتبارها من أهم جوانب قيام الحجة .

أولاً : الأدلة من الكتاب


أ-       أدلة تدل على عدم لحوق الوعيد الأخروي إلا بعد بلوغ العلم : قال تعالى "         وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى جاؤوها فتحت أبوابها و قال لهم    خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى " .

ب-     أدلة تدل على تعذيب و إهلاك ا لكافرين  في الدنيا إلا بعد علمهم بدعوة   الرسل قال تعالى " ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا        لولا أرسلت إلينا رسولاً  فنتبع آياتك و نكون من المؤمنين " .

ج-      أدلة تبين عدم مؤاخذة أهل الكتاب إذا لم تبلغهم دعوة محمد صلى الله عليه        و سلم و كذلك أهل الفترة قال تعالى " " و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً   " و من الأدلة التي تبين اشتراط العلم قوله تعالى " و ما كان الله ليضل       قوماً بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم " .

أدلة عامة تبين اشتراط العلم .
قال الله تعالى " و ما كان الله ليضل قوماً بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم " .
ويذكر المؤلفان بعض الأحاديث التي توضح عذر الله لمن لم تبلغه الرسالة أو لم تبلغه الدعوة و كذلك من لم يبلغه حكم أو أمر عقيدي قد يخرج به من الملة . مثل حديث أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :" قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله ..." رواه البخاري و مسلم . و حديث أبي  واقد الليثي قال :" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حنين و نحن حدثاء عهد بكفر ... "  رواه الترمذي و المعجم الكبير للطبراني ص 151 .
كما يشير المؤلفان إلى مجموعة أقوال العلماء من إثبات عارض الجهل بالنسبة لأهل القبلة منها : قال شيخ الاسلام ابن تيمية :هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير و تفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى ، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية و الرسائل العلمية قال أبن العز : " ثم إذا كان القول في نفسه كفراً قيل لأنه كفر والقائل له لا يكفر إلا بشروط وانتفاء الموانع " .

الدليل العقلي و الأصولي


يدل صحيح العقل على اشتراط العلم كي يلحق حكم الكفر لمن أتى ما يستوجبه ، ويوضح ذلك ما يلي :

1-      ان الإنسان يولد لا يعلم شيئاً كما قال تعالى :"الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصاروالأفئدة لعلكم تشكرون "
2-      ان الله ارتضى لعباده منهجاً وديناً قال تعالى :" و رضيت لكم الاسلام دينا " .
3-       و لكي يعلم العباد أوامر الله ونواهيه فلا بد من ارسال الرسل و انزال الكتب .
4-      ولا بد أن تصل رسالة الرسل إلى عباد الله لكي يعرفوا الحلال والحرام ، فمن لم يصله بلاغ الرسل فإنه لن يعلم الحلال من الحرام ولن يعرف صفات الله وأسمائه ولا يعتقد اعتقاد صحيح في الملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر لأننا لو كلفناه أن يعرف الحق دون بلاغ من رسول  ووصول هذا البلاغ له لكلفناه بالمستحيل لذلك قررعلماء الأصول أن شروط العلم من الشروط الضرورية لتكليف العبد فيعلم هذا الأمر علماً واضحاً وأنه من عند الله . ص 155

ويخلص المؤلفان إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية  قد وضع قاعدة لا بد من لزومها قبل الإقدام على تكفير الشخص المعين منهم – أهل القبلة – وهي تشمل أمرين :

أولاً : ضرورة النظر إلى القول أوالفعل والتأكد من كونه مخرجاً من الملة وأنه ليس يقبل التقسيم بمعنى أن يكون كفراً باعتباره وغير كفر باعتبار آخر .

ثانياً : النظر في حالة الشخص الذي صدر منه القول أو الفعل لأنه قد يكون القول          أو الفعل كفر مخرجاً من الملة لكن الشخص الذي صدر منه لا يكفر بذلك إذ قد يكون قد عرض له مانع يمنع لحوق الكفر به كالجنون و الإكراه . ص   156 .

ثم يلقي المؤلفان الضوء على ذلك الأمرين بتحديد الضوابط المعينة على ما هو كفراً مخرجاً من الملة من أقوال وأفعال وإعتقادات ثم النظر في حال الشخص المعين للتحقق من قيام موجب التكفير أولا ويقولان في نهاية هذا الفصل " وبعد فإن المسارعين إلى تكفير جهال المسلمين الذين قد يدفعهم جهلهم إلى الوقوع في أعمال شركية دونما أن يتحققوا من ثبوت الشروط وانتفاء الموانع التي حددها الشرع قبل الحكم على فاعل الكفر بالخروج من الملة إن هؤلاء قلة غالوا في دينهم بغير حق وتشددوا في غير موضع تشدد وحري بهم أن يتخلقوا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته الرؤوف بهم . ص 162


الفصل الثالث : الغلو في تكفير المسلمين بالموالاة الظاهرة .
يقسم المؤلفان موالاة الكفار الى قسمين :
1-   موالاة باطنة .
2-    موالاة ظاهرة .
فالموالاة الباطنة هي : الميل القلبي إلى الكفار حباً في عقيدتهم ورغبة في نصرتهم على المسلمين كفعل المنافقين مع اليهود في زمن النبي صلى الله عليه و سلم . وهذا النوع يخرج صاحبه من ملة الإسلام لقوله تعالى :" ومن يتولهم منكم فهو منهم " .
والموالاة الظاهرة هي: نصرة الكفار أومساندتهم لأمر أومصلحة دنيوية مع استقرار الإيمان بالقلب ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعل حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه مع المشركين قبل فتح مكة وهذا الفعل لا يخرج صاحبه من الملة وإنما يعد ذلك معصية فقط وذلك لأنه لا ينقض الإيمان وإنما ينقصه ويقول المؤلفان :" وبعد أن أوضحنا نوعي الموالاة نتجة إلى النفر من شباب الحركة الإسلامية الذين غالوا في هذه المسألة فحكموا على كل من أتى فعلاً من أفعال الموالاة بالكفر الأكبر دون النظر في حاله ودونما تمحيص لموالاته هل هي ظاهرة أم باطنة فهم لم يفرقوا بين النوعين وإنما جعلوها واحداً" ... ص166.
وفي هذا السياق يبحث المؤلفان في الرد على من ادعى كفر موظفي الحكومة :" ثم عوداً إلى هؤلاء الذين حرموا العمل في الوظائف الحكومية وكفروا شاغليها  فإنهم قد أخطئوا أوخلطوا لأن الوظائف لم تكن يوماً من الأيام كافية للحكم على الناس وعلى معتقداتهم "  ويقسم المؤلفان حالات الوظائف إلى فئة تعمل من أجل مصلحة دنيوية وعملها في حدود الحلال شرعاً والمشروع من الدين . وفئة تعمل عملاً قد لا تستطيع فيه تحقيق العدل التام لكنها تشغله مما يخفف الظلم الواقع على المسلمين أويحقق مصلحة للإسلام أوالمسلمين  وأخرى من يقع في عملها ظلم وجور ويرتكب مخالفات شرعية لطبيعة العمل لكنها تقع في هذه الأعمال ومن يعمل في ذلك لا يكره الإسلام ولا يتمنى علو الكفر على الإيمان بل قد يلتبس عليه أحياناً الحق بالباطل ، أويأتي المحظور من أجل مصلحة دنيوية . وهناك فئة أخرى  تعمل كسابقتها لكن الذي يعمل يختلف في أنه يحب الكفر ويكره الإسلام وظهرت دلائل هذا الحب في صورة أفعال وأقوال ظاهرة فإنه لا يستدل على حال القلب إلا بفعل الظاهر، فهؤلاء لا يشك في كفرهم وخروجهم من دائرة الإســـلام ويقول المؤلفان :" هذه حالات متباينة لكل واحدة منها حكمها الذي يناسبها أما تعميم الأحكام واطلاقها هكذا دونما النظر إلى حال كل واحد وكل فرد فهو كارثة عظمى إذ أنه سيقع تحت طائلة هذا التعميم مسلمون كثيرون براء من هذا الحكم الذي صدر عليهم بدون وجه حق . إن خطأ من وقع في تكفير بعض المسلمين بحجة الموالاة الظاهرة خطأ بين لأن الموالاة المكفرة هي الموالاة الباطنة ... " ص 172 .
ويأتي المؤلفان إلى الفرق بين الموالاة الممنوعة والمخالفة المشروعة ويقولان :" وقد يظن البعض أن عيادة المريض الكافر أو النصراني هي من الموالاة وقد يعتقد فريق ثالث أن إهداء المسلم للكافر أوالنصراني أو تقبل هديته أو إكرامه أو التصدق عليه نوع من الموالاة لهم أيضاً ، وقد يلتبس على آخرين فيعتقدون أن تهنئة المسلم للكافر بإنجاب ذرية أو نجاح في كلية أو زواج و نكاح أو قدوم من ســــفر أو شفاء من مرض ويعتقدون أن كل ذلك نوع من الموالاة وغلط هؤلاء جميعاً ، فكل هذه الأبواب وأمثالها لا تدخل تحت مسمى المخالقة بالحسنى ، فالاسلام جاء بأعظم الأخلاق وأكرمها وأسماها وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتم مكارم الأخلاق كما أخبر هو نفسه :إنما بعثت لأتمم  صالح الأخلاق " ص 177 .
ويشير المؤلفان إلى قبول النبي صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي وإلى عيادة يهودي آخر في بيته وكذلك إغاثته مشركي قريش لما أصابتهم المجاعة وكل ذلك يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم في حديثه :" خالق الناس بخلق حسن " .
يستعرض المؤلفان  بعد ذلك صوراً من المخالقة الحسنة الجائزة مع الكفار والتي يظنها البعض خطأً أنها موالاة محرمة :


أولاً :
عيادة المريض الكافر يدل عليها حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري قال :" كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه الرسول صلى الله عليه و سلم يعوده ... " قال أبو مسعود الأصبهاني: سألت أحمد بن حنبل عن عيادة القرابة و الجار النصراني قال نعم .
ثانياً :
التهنئة بالزواج والإنجاب والعودة من السفر وما شابهه . يقول المؤلفان أن ذلك يجوز لما ذكره ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة " و يهنئهم بزوجة أو ولد و لا يهنئهم بشعائر الكفر .." .
ثالثاً :
إنفاق المسلم على قرابته من أهل الذمة من يهودي ونصراني ، قال ابن القيم رحمه الله :" الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق وان اختلف الدينان لقوله تعالى : " ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " . وقد ذم الله تعالى قاطعي الرحم  لقوله :" واتقوا الله الذي تسائلون به و الأرحام " ، وفي الحديث " لا يدخل الجنة قاطع " .
رابعاً :
 تشييع جنازة الكافر : يشير المؤلفان إلى مجموعة من الأحاديث منها : عن أبي وائل قال : ماتت أمي نصرانية فأتيت عمر فسألته فقال : اركب في جنازتها وسر أمامها . وعن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن رجل مات أبوه نصرانياً  قال : يشهد و يدفنه .
وقال محمد بن موسى : قلت لأبي عبدالله الإمام أحمد بن حنبل : يشيع المسلم جنازة المشرك : قال نعم .
خامساً :
جواز تعزية الكافر بما لا يخالف الشرع ولا يكون في مكان عبادتهم .
عن هريم قال سمعت الأجلح عزى نصرانياً فقال : عليك بتقوى الله والصبر .
سادساً :
 مشاركتهم في العمل المباح : قال اسحق بن ابراهيم : سمعت أبا عبدالله الإمام أحمد بن حنبل " وسئل رجل يشارك اليهودي والنصراني ، قال : يشاركهم  لكن  يلي هو البيع و الشراء لأنهم يأكلون الربا ويستحلون الأموال .
ويقول المؤلفان بعد كل ذلك " ... إن الدين الإسلامي دين ينفتح على الآخرين لأنه دين قوي لا يخشى شيئاً من انفتاحه على الآخرين و التعامل معهم .
والمسلم كذلك قوي بإيمانه وقوي بعقيدته السليمة الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض وقوي بشريعته الوسطية السمحة التي تجمع خيري الدنيا والآخرة . ولذلك فإن المسلم بحق لا يخشى شيئاً من انفتاحه على أهل الأديان الأخرى يعطيهم النافع من دينه ودنياه ويأخذ منهم الصالح في دنياهم  يقترب منهم دون وجل لأنه القوي ،  يحسن اليهم  ويخالقهم أحسن مخالقة " ص188 .

وفي ختام هذا الكتاب يقول المؤلفان بعد أن تناولا قضيتي الغلو في الدين وبدعة التكفير ، أن على كل مسلم أن يراعي أمرين هامين و هما :
1-     الوقوف بوجه كل من يروج لهذه البدعة المذمومة والحث على المحبة والمودة والإخاء والتراحم بين المسلمين .
2-      على المسلم أن يقدم للبشرية النموذج الصحيح للمسلم الذي يتخلق بأخلاق القرآن ويهتدي بهدي سيد المرسلين ، ويقدم الإسلام في وسطيته التي لا غلو فيها ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط  . ص 194 .

جاري التحميل...